السلاح الصيني وما بعد البيع: نقطة الضعف الخفية في صعود بكين العسكري

لم تعد المنافسة في سوق السلاح العالمي تحسم عند توقيع العقود أو تسليم المعدات، بل تبدأ فعليا بعد ذلك، في مرحلة التشغيل والدعم وخدمات ما بعد البيع، التي تشمل الصيانة، وقطع الغيار، والتحديثات البرمجية، والتدريب، واليد العاملة، والقدرة على الحفاظ على الجاهزية القتالية تحت الضغط.

وتشير التقديرات المعتمدة في دراسات كلفة دورة الحياة إلى أن سعر الشراء الأولي لا يمثل سوى نحو 30% من الكلفة الإجمالية للمنظومة، في حين يذهب قرابة 70% من الكلفة إلى التشغيل والإسناد والاستدامة على المدى الطويل. وفي هذا المجال تحديدا، تواجه الصين اختبارها الأصعب.

خلال العقدين الأخيرين، تحولت الصين من مستورد رئيسي للسلاح إلى رابع أكبر مصدر عالمي، مستحوذة على نحو 6% من سوق السلاح الدولية، وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI”.

واستند هذا الصعود إلى معادلة جذابة للعديد من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، تقوم على أسعار منخفضة، وتمويل ميسر، وسرعة في التسليم، وغياب الشروط السياسية الصارمة التي تفرضها الولايات المتحدة وأوروبا.

غير أن هذا النجاح الكمي ترافق مع تراكم شكاوى تشغيلية لا تظهر عند البيع، بل بعد دخول المنظومات الخدمة الفعلية، وتتعلق بالأعطال المتكررة، وصعوبات الصيانة، وتأخر توفير قطع الغيار، وقصور التدريب والدعم الفني.

وقد حذر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية “IISS” من أن ضعف الدعم اللوجيستي بات أحد أبرز التحديات التي تواجه السلاح الصيني في الأسواق الخارجية.

واجهت باكستان صعوبات في صيانة رادارات “KLJ-7″؛ بسبب محدودية الوثائق الفنية، ما اضطرها إلى الاعتماد على فرق صينية، أو إرسال المكونات إلى الصين

باكستان: الاعتماد الكبير يكشف الهشاشة
تعد باكستان أكبر مستورد للأسلحة الصينية، إذ استحوذت في بعض السنوات على أكثر من 60% من صادرات بكين العسكرية، بحسب بيانات “SIPRI”. بيد أن هذا الاعتماد الواسع كشف مشكلات عميقة، لا سيما في مقاتلات “JF-17 Thunder”، حيث خرج عدد منها عن الخدمة لفترات طويلة؛ بسبب أعطال فنية وتأخر أعمال الصيانة.

إعلان
تعتمد الطائرة على محركات “RD-93” الروسية، ما ربط صيانتها بسلسلة إمداد تأثرت بالعقوبات المفروضة على موسكو، وفق تقارير “Reuters” وتحليلات “IISS”، وأدى إلى تعطل عشرات الطائرات.

كما واجهت باكستان صعوبات في صيانة رادارات “KLJ-7″؛ بسبب محدودية الوثائق الفنية، ما اضطرها إلى الاعتماد على فرق صينية، أو إرسال المكونات إلى الصين، بحسب “Jane’s Defence”.

وتكررت الإشكالات ذاتها في الفرقاطات “F-22P” وأنظمة الدفاع الجوي مثل “HQ-9” و”LY-80″، ما أثار تساؤلات حول الجاهزية طويلة الأمد، وفق “The Diplomat” و”CSIS”.

نيجيريا: السلاح الرخيص يصبح مكلفا
في أفريقيا، شكلت نيجيريا اختبارا قاسيا لاستدامة السلاح الصيني في بيئة أمنية هشة؛ فقد اعتمدت على مقاتلات “إف-7” وطائرات “K-8W” والمسيرات “Wing Loong” لمواجهة جماعات مسلحة، لكنها واجهت حوادث تحطم متكررة، وتوقف جزء كبير من الأسطول. وفي عام 2020، أعادت نيجيريا سبع طائرات إلى الصين لإجراء صيانة جذرية، وفق “Reuters وIISS”.

واشتكى مسؤولون نيجيريون من بطء توفير قطع الغيار وغياب فرق دعم ميدانية دائمة، ما أدى إلى توقف الطائرات لأشهر في ذروة العمليات العسكرية. كما واجهت المسيرات تحديات في الصيانة وتشغيل أنظمة الاستشعار، بحسب “Defense News” و”The Africa Report”.

ورغم إنشاء مراكز صيانة محلية بالشراكة مع الصين وبريطانيا، وفق “Premium Times Nigeria”، بقيت الصيانة المتقدمة مرهونة بالدعم الخارجي، ما يؤكد أن انخفاض سعر الشراء لا يعني بالضرورة انخفاض الكلفة الفعلية.

هذا التوجه يعكس حرصا سعوديا على الحفاظ على التوافق التشغيلي مع المنظومات الغربية، والاستفادة من منظومات دعم ما بعد البيع المتقدمة، وهو عامل لا يزال محل نقاش واسع عند تقييم الاعتماد طويل الأمد على السلاح الصيني

دول الخليج: من إشكال تقني إلى معادلة إستراتيجية
في منطقة الخليج، اتجهت عدة دول إلى اقتناء معدات عسكرية صينية، ولا سيما الطائرات المسيرة من طراز “Wing Loong”، بحثا عن بدائل للقيود الغربية المرتبطة بالتصدير والاستخدام.

غير أن البيئات العسكرية المتقدمة في الخليج كشفت سريعا تحديات تشغيلية، أبرزها بطء الحصول على قطع الغيار، وتعقيدات الصيانة المتقدمة، واستمرار الاعتماد على فرق فنية صينية أو وسطاء خارجيين، وفق تقارير “Defense News” و”International Institute for Strategic Studies”.

ولمواجهة هذه المعضلة، اتجهت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى تبني سياسات توطين التصنيع والصيانة عبر شراكات صناعية مع شركات صينية، في إطار إستراتيجيات تهدف إلى تقليل الاعتماد الخارجي، وتعزيز الاستقلال اللوجيستي، بحسب “Reuters” و”Bloomberg”.

في المقابل، وضمن مسار موازٍ، عززت السعودية اندماجها في برامج التشغيل والصيانة (O&E) للأنظمة الأمريكية المتقدمة، ولا سيما منظومة “THAAD”، إضافة إلى شراكات صناعية وتقنية مع شركة “Lockheed Martin”.

هذا التوجه يعكس حرصا سعوديا على الحفاظ على التوافق التشغيلي مع المنظومات الغربية، والاستفادة من منظومات دعم ما بعد البيع المتقدمة، وهو عامل لا يزال محل نقاش واسع عند تقييم الاعتماد طويل الأمد على السلاح الصيني، في ظل الاعتبارات السياسية المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، كما تشير تحليلات “Center for Strategic and International Studies”.

في النموذج الأمريكي، لا تعد صفقة السلاح مجرد بيع منصة قتالية، بل إدماج الدولة المستوردة في منظومة تشغيل وتحالف طويلة الأمد؛ فصفقات مقاتلات مثل “إف-16″ و”إف-15″ و”إف-35” تتضمن حزم صيانة ممتدة، وتحديثات برمجية مستمرة

من الولايات المتحدة والغرب إلى الصين: الفروقات غير المرئية بين موردي السلاح
عند الانتقال من التجارب الفردية للدول المستوردة إلى المقارنة البنيوية بين نماذج التصدير، يتضح أن الفارق بين الصين من جهة، والولايات المتحدة والدول الغربية من جهة أخرى، لا يتعلق فقط بمستوى التكنولوجيا أو الأداء القتالي، بل بطبيعة العلاقة التي يبنيها المورد مع الزبون بعد توقيع العقد.

إعلان
في النموذج الأمريكي، لا تعد صفقة السلاح مجرد بيع منصة قتالية، بل إدماج الدولة المستوردة في منظومة تشغيل وتحالف طويلة الأمد؛ فصفقات مقاتلات مثل “إف-16″ و”إف-15″ و”إف-35” تتضمن حزم صيانة ممتدة، وتحديثات برمجية مستمرة، وتدريبا متدرجا للكوادر المحلية، إضافة إلى مخازن قطع غيار إقليمية، وفرق دعم فني داخل القواعد الجوية.

وتشير تقارير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية “IISS” إلى أن برامج “Foreign Military Sales” تفرض التزامات دعم قد تمتد لعشرين أو ثلاثين عاما.

ويؤكد تقرير لمؤسسة “RAND” أن هذا العمق في خدمات ما بعد البيع هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار اعتماد دول عديدة على السلاح الأمريكي، رغم كلفته العالية وقيوده السياسية.

في المقابل، يختلف النموذج الصيني جذريا، إذ تركز بكين على السعر المنخفض وسرعة التسليم، ما يجعل سلاحها جذابا لدول تعاني قيودا مالية أو سياسية.

غير أن ترتيبات ما بعد البيع غالبا ما تكون مؤجلة أو مرنة، وتفتقر في كثير من الأحيان إلى التزامات قانونية صارمة بشأن قطع الغيار أو أوقات الاستجابة للأعطال.

وتشير تحليلات “CSIS” إلى أن هذا الغموض يمثل إحدى أضعف نقاط النموذج الصيني، كما أن محدودية مراكز الصيانة الإقليمية، التي وثقها معهد “SIPRI”، تؤثر سلبا على ثقة الزبائن، خاصة في الأنظمة المعقدة، وتفرض استمرار الاعتماد على فرق أو وسطاء فنيين صينيين، حتى بعد سنوات من دخول المنظومات الخدمة.

تكشف هذه المقارنة أن التحدي أمام الصين ليس تقنيا بحتا، بل مؤسسيا وإستراتيجيا؛ فالسلاح الأمريكي يباع ضمن منظومة تحالف أو شراكة أمنية طويلة الأمد، بينما يباع السلاح الصيني في كثير من الأحيان كمنتج مستقل منخفض الكلفة.

ومع ازدياد تعقيد الحروب الحديثة، وارتفاع كلفة التوقف عن الجاهزية، تصبح خدمات ما بعد البيع عاملا حاسما لا يقل أهمية عن الأداء القتالي نفسه.

وسعت الشركات الصينية برامج التدريب مقارنة بالسنوات السابقة، فأدخلت نماذج “تدريب المدربين” وبدأت تطوير مناهج أكثر تخصصا في مجالات الصيانة والإلكترونيات، لا التشغيل فقط

كيف تحاول الصين سد فجوة ما بعد البيع؟
مع تزايد الانتقادات الدولية وتجارب الزبائن غير المرضية، أدركت بكين أن المنافسة في سوق السلاح لا تحسم بالسعر وسرعة التسليم فقط، بل بقدرتها على مرافقة المنظومات العسكرية طوال دورة حياتها التشغيلية. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين إدخال تعديلات على نموذجها التصديري في محاولة لسد فجوة ما بعد البيع، التي أثرت على سمعتها في أسواق رئيسية.

تمثّل أحد أبرز هذه التحركات في إنشاء مراكز صيانة إقليمية خارج الصين؛ فقد وقعت شركات دفاعية صينية كبرى، مثل “AVIC” و”NORINCO”، اتفاقيات مع دول في أفريقيا والشرق الأوسط لإنشاء مرافق صيانة للطائرات والمعدات البرية، من بينها مصر، ونيجيريا، وباكستان.

وتهدف هذه المراكز إلى تقليص زمن التوقف عن الخدمة، وتخفيف الاعتماد على إعادة المعدات إلى الصين لإجراء الإصلاحات، وفق تقرير نشرته “Defense News”.

كما بدأت الصين تشجيع توطين جزئي لإنتاج قطع الغيار، سواء عبر نقل خطوط تصنيع محدودة، أو من خلال شراكات مع شركات محلية في الدول المستوردة.

وظهر هذا التوجه بوضوح في مشاريع مشتركة مع السعودية، والإمارات في مجال الطائرات المسيرة، حيث يجري التركيز على تجميع المنظومات محليا، وتنفيذ الصيانة الدورية داخل الدولة المستوردة، بحسب تقارير “Reuters” حول التعاون الصناعي العسكري بين الصين ودول الخليج.

إلى جانب ذلك، وسعت الشركات الصينية برامج التدريب مقارنة بالسنوات السابقة، فأدخلت نماذج “تدريب المدربين” وبدأت تطوير مناهج أكثر تخصصا في مجالات الصيانة والإلكترونيات، لا التشغيل فقط. وتشير تحليلات “IISS” إلى أن هذه الخطوات تعكس اعترافا صينيا متأخرا بأن نقص الكوادر المحلية المدربة كان أحد أسباب تعثر العديد من المنظومات في الخدمة.

وفي محاولة لتعويض غياب فرق الدعم الميداني الدائمة، استثمرت الصين في تطوير أدوات الدعم الفني عن بعد، بما في ذلك منصات رقمية لتشخيص الأعطال، وكتيبات صيانة إلكترونية، وأنظمة متابعة الأداء. وقد تناول “SIPRI” هذا التحول ضمن تحليله لتكيف الصناعات الدفاعية الصينية مع شكاوى الزبائن، وتراجع الصادرات في بعض الفترات.

غير أن هذه الإصلاحات- رغم أهميتها- لا تزال محدودة الأثر مقارنة بالنماذج الغربية؛ فعدد المراكز الإقليمية الصينية يبقى محدودا، وغالبا ما تقتصر قدراتها على الصيانة الدورية دون الإصلاحات المعقدة.

كما أن توطين إنتاج قطع الغيار لا يشمل عادة المكونات الحساسة أو الأنظمة الإلكترونية المتقدمة، ما يبقي الاعتماد على المورد الخارجي قائما في الحالات الحرجة.

نقلا عن موقع الجزيرة

أصيل سارية – صحافي يمني

صحيفة عكاظ اليوم ، موقع إخباري شامل يهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري بما يليق بقواعد وقيم الأسرة السعودية، لذلك نقدم لكم مجموعة كبيرة من الأخبار المتنوعة داخل الأقسام التالية، الأخبار العالمية و المحلية، الاقتصاد، تكنولوجيا ، فن، أخبار الرياضة، منوعات و سياحة.

اخبار تهمك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *