كشفت الهيئة العامة للإحصاء بالتزامن مع اليوم العالمي لمكافحة السمنة، عن بلوغ نسبة السمنة بين البالغين بالمملكة 23,1%، وسط تحذيرات صحية ودعوات لتعزيز النشاط البدني والغذاء المتوازن للحد من تفشيها.
وأظهرت البيانات الرسمية الحديثة تمدد الظاهرة لتشمل الفئات العمرية الأصغر، حيث سجلت نسبة السمنة بين الأطفال دون سن الخامسة عشرة نحو 14,6% من إجمالي الشريحة المستهدفة.
وتأتي هذه الأرقام المفصلية لتسلط الضوء على أهداف اليوم العالمي لمكافحة السمنة، الرامية إلى رفع الوعي المجتمعي الشامل حول المسببات الجذرية للمرض والمخاطر الصحية المترتبة عليه.
نظام غذائي متوازن
شدد مختصين في هذا الإطار على ضرورة تبني نظام غذائي متوازن، يعتمد بشكل أساسي على الخضروات والفواكه والبروتينات الصحية لبناء أجساد قوية خالية من الأمراض المزمنة.
كما تبرز الأهمية القصوى للالتزام بممارسة النشاط البدني بانتظام، جاعلين من المشي لمدة ثلاثين دقيقة يومياً روتيناً حياتياً يحمي الملايين من مضاعفات زيادة الوزن وتراكم الدهون.
تحديات صحية
فيما كشفت وزارة الصحة أن السمنة مرض مزمن يصيب أكثر من ملياري شخص حول العالم وتعد عامل خطورة رئيسي للإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة، وتعتبر من أكبر التحديات الصحية عالميًا مما يستدعي تسليط الضوء عليها بوصفها مسؤولية مجتمعية تتطلب حلولا جذرية تشمل الوقاية والعلاج وتعزيز أنماط الحياة الصحية.
وأوضحت الوزارة تزامنًا مع اليوم العالمي لمكافحة السمنة أن السمنة هي تراكم مفرط للدهون يلحق الضرر بصحة الفرد وتحدث نتيجة عدم التوازن بين السعرات المتناولة والمستهلكة.
وأشارت إلى أن البيئة والمجتمع من العوامل الأساسية التي تؤثر في اختيارات الأفراد حيث تتأثر اختيارات الطفل الغذائية ومستوى نشاطه البدني بالبيئة المحيطة به مؤكدة أن النشاط البدني يعد عنصرًا أساسيًا للحفاظ على وزن صحي.
رؤية طبية متكاملة
وفي سياق متصل أكد مختصون لـ ”اليوم“ أن السمنة مرض بيولوجي وسلوكي معقد يتجاوز كونه مجرد زيادة عابرة في الوزن أو ضعفا في الإرادة الشخصية مشددين على أهمية التحول من لوم المريض إلى توفير بيئة مجتمعية وأسرية داعمة تساند رحلة العلاج المتدرجة التي تبدأ بتغيير نمط الحياة وتصل للتدخلات الجراحية.
وأوضحت استشارية التغذية الإكلينيكية الدكتورة شوق العشملي، أن السمنة مرض مزمن يرتبط بخلل في تنظيم الطاقة ويعتبر مرضًا التهابيًا مزمنًا يؤثر في معظم وظائف الجسم، وتبرز مضاعفاته في السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والكبد الدهني وبعض أنواع السرطان واضطرابات نفسية كالاكتئاب.
وأضافت أن التغيرات الحالية أدت لظهور بيئة مسببة للسمنة نتيجة زيادة استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة والمشروبات المحلاة والأكل العاطفي وترافق ذلك مع قلة النشاط البدني وزيادة ساعات الشاشات والتوتر المزمن.
خيارات علاجية
تطرقت العشملي إلى الخيارات العلاجية التي تبدأ بالتعديل السلوكي والغذائي والدعم النفسي ثم العلاج الدوائي كإبر إنقاص الوزن التي أظهرت فاعلية بفقدان نسبة كبيرة من الوزن خلال عام وصولا إلى جراحات السمنة التي تتطلب متابعة مستمرة وتفصيل العلاج فرديا بناء على كتلة الجسم والأمراض المصاحبة.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مواجهة المرض مسؤولية مجتمعية تتطلب القدوة الأسرية في الطعام وتحسين الخيارات الغذائية بالمدارس وتشجيع الحركة في بيئة العمل مبينة أن الهدف يتجاوز فقدان الوزن إلى تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.
بيئة داعمة
وأوضح الدكتور عصام سالم باتياه استشاري جراحة السمنة والمناظير المتقدمة بمستشفى النور التخصصي بمكة المكرمة أن خطورة السمنة تكمن في مضاعفاتها طويلة الأمد وارتباطها بأمراض القلب والشرايين وتأثيرها السلبي على جودة الحياة.
وأشار إلى أن نمط الحياة المعاصر وتوفر الغذاء عالي السعرات وقلة النشاط البدني وازدياد مدة البقاء أمام الشاشات يسهمون في زيادة الوزن منذ سن مبكرة لدى الشباب والأطفال.
تغيير نمط الحياة
تطرق سالم إلى خيارات العلاج مبينًا أن أولها تغيير نمط الحياة مع إشراف طبي وتغذية سليمة ثم استخدام الأدوية المعتمدة وأخيرا العمليات الجراحية للحالات المرضية عالية الوزن.
وشدد على أهمية بناء بيئة مجتمعية تبدأ بسهولة الوصول إلى الغذاء الصحي بأسعار مناسبة وتوفير مسارات النشاط الرياضي وتفعيل البرامج المدرسية لتشجيع الوجبات المتوازنة.
ودعا إلى تحقيق توعية مبكرة عبر دمج برامج غذائية ونشاط بدني في المناهج والمراقبة الصحية الدورية لكتلة الجسم والتثقيف الأسري حول إدارة الوقت والنوم وتقليل المحفزات البيئية بتوفير الخيارات الصحية في أماكن العمل.
مرض بيولوجي
وذكر الدكتور فاضل الزهراني استشاري جراحة سمنة وجراحة الجهاز الهضمي العلوي والمدير التنفيذي لمستشفى النور التخصصي بمكة المكرمة، أن اليوم العالمي لمكافحة السمنة يلفت انتباهنا إلى حقيقة مهمة، تتمثل في أن السمنة ليست مجرد زيادة وزن فقط بل هي مرض مزمن له جذور بيولوجية وسلوكية.
وأضاف أنه لا يمكن إغفال الأثر النفسي للسمنة حيث يعاني الكثير من المرضى من القلق أو الاكتئاب أو الوصمة الاجتماعية التي تضعف فرصهم في طلب العلاج.
وبين الدكتور الزهراني أن السبب لا يعود إلى ضعف إرادة كما يعتقد البعض بل إلى الاعتماد على أطعمة عالية التصنيع ومشروبات محلاة مع اضطراب النوم والضغط النفسي.
خطة متدرجة
وأشار الزهراني إلى أن العلاج اليوم لم يعد وصفة واحدة للجميع بل إن التعامل الصحيح يبدأ بتقييم طبي ثم خطة متدرجة تشمل الدعم السلوكي والعلاج الدوائي أو اللجوء إلى إجراءات جراحية عندما تكون السمنة شديدة ومصحوبة بأمراض استقلابية.
واختتم رسالته بالتأكيد على أن النجاح لا يعتمد على قرار فردي فقط بل يتطلب بيئة داعمة في المنزل والمدرسة والمجتمع تجعل الخيار الصحي أسهل وتستبدل اللوم بالدعم والحكم بالمساندة.