انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

تحليل كتاب “رحم العالم” للأمومة كخطاب يتجاوز الحدود والثنائيات

تحليل كتاب “رحم العالم” للأمومة كخطاب يتجاوز الحدود والثنائيات

تستند المقاربة التي يقدمها الكتاب إلى تقليد فكري نقدي تبنته تيارات متعددة في دراسات الجندر والنسوية، مستندة إلى أفكار أدريان ريتش، بيل هوكس، جوليا كريستيفا، أنجيلا ديفيس، وشاندرا موهاني، среди آخرين.

الأمومة كخطاب ثقافي وليس قدرًا بيولوجيًّا

يؤكد العمل أن الأمومة لا تقتصر على تجربة بيولوجية بل هي بناء ثقافي يُشكَّل داخل علاقات السلطة. يوضح المؤلف أن الأمومة تُحوَّل إلى خطاب يهيمن على الذات النسوية إما من خلال تحقيقها أو كبح تعبيرها عن نفسها، مستندًا إلى تمييز أدريان ريتش بين “تجربة الأمومة” و”مؤسسة الأمومة” التي تخدم النظام الأبوي.

التحليل المقارن كأداة تفكيك

يعتمد الكتاب على تقنية “المقابلة المتوازية” بين نصوص أدبية وشخصية من سياقات ثقافية وزمنية مختلفة، لا لجمع التشابهات بل لإبراز ما يُسكَت عنه عبر الحدود. تُظهر المقارنات بين Simone de Beauvoir وفاطمة المرنيسي، أو بين Elena Ferrante وعائشة التيمورية، كيف تختلف شروط الأمومة بحسب الطبقة، التاريخ، الاستعمار والتحولات الجندرية. يوضح المؤلفة أن تجاوز الحدود الجندرية ليس تهديدًا للهوية بل “تلويثًا مقصودًا لنقائها”، مشيرة إلى أن الخادمات في منزل دي بوفوار أو نساء الطبقة الدنيا عند المرنيسي يمتلكن حريات قد تكون غائبة عن نساء الطبقة المتوسطة المحافظة.

شهادات وتجارب شخصية

ينتقل النص من التحليل النظري إلى قراءة شهادات نسوية حميمة تشمل شعرًا، رسائل وسيرًا ذاتية لكاتبات مثل سارة عابدين، مروة أبو ضيف، إيمان مرسال وأليف شافاك. تطرح الأسئلة الكبرى حول إمكانية أن تكون الأمومة مصدر فهم دون فقدان الذات، وهل يمكن للأم أن تحب أبناءها دون أن تملكهم. تشير الكاتبة إلى أن الذات الكاتبة غالبًا ما تغرقها الأمومة فلا تترك مساحة للتأمل أو الكتابة (ص73‑82). توضح صور الأطفال التي تختبئ أمهاتهم خلف ستار كيف تعيد تشكيل علاقة الأم بالغياب والحضور، بين “الستار الذي يمنح الأمان” و”الهوية التي لا تُرى” (ص85). في أعمال أليف شافاك تصبح الكتابة فعلَ التئام يتجاوز جراح الأمومة الخاصة إلى جراح النساء في المجتمع.

الجسد الأمومي بين المعرفة والمقبرة

في تحليل رواية “دنيا زاد” لمي التلمساني يُظهر الجسد كموقع للمعرفة لكنه يتحول أيضًا إلى مقبرة، حيث يصبح فقدان الابنة صدمة جسدية ومعرفية. تستدعي المؤلفة صورة “جيسي” من مسرحية “تصبحين على خير يا أمي” لمارشا نورمان حيث تنتحر الابنة للتخلص من استحواذ الأم. تقول أبو النجا: “التشبث بالبنت هو أحد الأنانية” (ص95)، حيث تفني الأم ذاتها في الابنة وتمنع عنها الهواء. تقارن بين تجربة عائشة التيمورية التي حرقت أشعارها بعد فقدان ابنتها كقربان رمزي، ومشهد سرقة “ليدا” الدمية في رواية إيلينا فيرانتي لاستعادة الابنتين المسروقتين، موضحة أن الأمومة في الحالتين مشبعة بالذنب، الخسارة والمحو الذاتي (ص123).

تُذكر المؤلفة بتجربة “أمّهات ساحة مايو” في الأرجنتين التي وثقتها ريجينا سيلفا، حيث رفضن اختزال الأمومة إلى حزن خاص وحولنها إلى نضال سياسي جماعي، ما يعكس نموذجًا للأمومة المقاومة والمؤسسات القمعية (ص123‑166).

الكتابة كجسر نحو التعددية والالتئام

يرفض الكتاب ثنائية الأم الملاك/الشيطان، ويطرح قراءة للأم ككيان هش ومتغير يتأثر بالواقع ويؤثر فيه، يتصارع بين الحب والتضحية، بين الرغبة في الامتلاك والخوف من الفقدان. ترى أبو النجا أن الأمومة لا يجب أن تُحصر في تمثيلات الأيقونة أو القديسة أو الشهيدة فقط، بل كفعل يومي هش يتخلله التوتر والندم، كما في حالة عائشة التيمورية التي حرقت أشعارها بعد فقدان ابنتها. تُعطى الأهمية للسير الذاتية والشهادات النسوية التي تعيد صياغة الأمومة من موقع ذاتي هش، من شعر إيمان مرسال إلى رسائل مروة أبو ضيف، ومن روايات أليف شافاك إلى إيلينا فيرانتي. في رواية “The Lost Daughter” (2006) لإيلينا فيرانتي تُروى تجربة أم تركت بنتيها لاستعادة ذاتها الأكاديمية، نموذج يزعج الهالة عن الأم ويفتح بابًا لتحرير السرديات من القوالب الجاهزة.

الكتاب كوثيقة جندرية وثقافية

لا تسعى شيرين أبو النجا إلى تقديم نموذج بديل “مثالي” للأم، بل تدعو إلى قراءة الأمومة كفعل يومي هش، متناقض ومتعدد يستوعب التجربة الفردية. بذلك تحرر الأمومة من ثنائيات “القديسة/الشيطان” وتعيدها إلى الحقل المعقد للذات والجسد والسلطة والكتابة. كما تنقد المؤلفة النسوية الغربية البيضاء التي تفرض نماذجها المفاهيمية عن الأمومة على الجنوب دون فهم لتقاطع الدين، الاستعمار، الفقر والقبيلة. تؤكد أن الأمومة تتشكل دائمًا ضمن “شبكة من القوى المتقاطعة” وتطلب تحليلًا تقاطعيًا عابرًا للحدود (ص238).

يُذكر صدى لمشروع كل من كيانجا‑ياما تايلور وأنجيلا ديفيس في مساءلة المؤسسات التي تحكم حياة الأمهات السود في أمريكا، وكذلك أعمال غاياتري سبيفاك في انتقاد “الحديث بالنيابة” عن نساء العالم الثالث.

في الختام يُشكل “رحم العالم” نصًّا معرفيًّا مركبًا يفتح آفاقًا جديدة لفهم الأمومة ليس كمفهوم معطى بل كفضاء للكتابة والتجريب والمقاومة. يدعو الكتاب القارئ إلى الإنصات إلى أصوات الأمهات المتكلمات، الهشات والمتوترات، أي الأمهات الحقيقيات وليس الرموز.

تصف المؤلفة العمل بأنه “اقتحام جبل من المقدسات” وتؤكد أنه واحد من أهم النصوص النسوية العربية الحديثة ليس فقط لمضمونه بل لطريقة التفكير والمركبة والمقارنة التي يتبعها. يمنح العمل الأمومة صوتًا ليس كرمز ولا كأداة سلطة بل كذات متكلمة، متعددة ومتوترة.

ينبغي قراءة النص ببطء وتأمل وربما بامتنان أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني