الواقعة وتفاصيلها
في كربلاء، علق منتسبان في هيئة الحشد الشعبي صورة كبيرة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي على واجهة مبنى يطل على شارع رئيسي، دون الحصول على الموافقات الأمنية المطلوبة. تدخلت قوة حفظ النظام التابعة لوزارة الداخلية بقيادة اللواء أنور النصراوي وأزالت الصورة لأنها لم تكن مرخصة. وأوضح النصراوي أنه أصدر توجيهاً يمنع تعليق أي صور أو لافتات على المبنى من دون إذن رسمي، تطبيقاً للتعليمات المنظمة للمواكب والفعاليات في المدينة. وذكرت رواية أخرى أن مالك العقار نفسه طلب إزالة الصورة، ما دفع الجهات الأمنية لتنفيذ طلبه ومنع إعادة تعليق أي صور أخرى على الواجهة.
السياق التاريخي والتطورات السابقة
لم تقتصر الحادثة على الجانب الإداري؛ بل تحولت بسرعة إلى جدل سياسي أعاد فتح النقاش حول حدود النفوذ الإيراني في العراق ومدى قدرة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي على فرض سلطة الدولة وتطبيق القانون على جميع الأطراف دون استثناء. وأشار مراقبون إلى أن الإجراء الأمني الذي بدأ بتنظيم تعليق اللافتات في شارع يخضع لإجراءات أمنية مشددة انتهى إلى سجال داخل البرلمان وحملة انتقادات وردود بين قوى سياسية مختلفة.
ولفتت المصادر إلى أن هذا ليس أول مرة تتحول فيها صور شخصيات إيرانية إلى محور جدل بالعراق. فخلال احتجاجات تشرين (أكتوبر) 2019 أحرق متظاهرون القنصلية الإيرانية في النجف، وأزيلت وأحرقت صور علي خامنئي وقاسم سليماني في بغداد وعدد من مدن الجنوب. كما شهدت محافظات بغداد والنجف وكربلاء والناصرية والبصرة أكثر من مرة إزالة أو تمزيق لافتات تحمل صور قادة إيرانيين أو شخصيات بارزة في الفصائل المسلحة، لا سيما أثناء فترات الاحتجاجات أو الأزمات السياسية.
بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس أوائل 2020 انتشرت جداريات وصور ضخمة لهما في مدن عراقية، لكن بعضها أزيل لاحقاً ما عكس استمرار الانقسام حول حضور هذه الرموز في الفضاء العام. وتزامن ذلك مع تصاعد الدعوات لحصر السلاح بيد الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة وتعزيز استقلال القرار العراقي عن التأثيرات الإقليمية.
التداعيات السياسية واختبار الحكومة
أصبحت الحادثة اختباراً عملياً لرئيس الوزراء علي الزيدي، الذي يضع استعادة هيبة الدولة في صدارة أولوياته عبر حصر تنفيذ القانون بالمؤسسات الرسمية وإبعاد الأجهزة الأمنية عن الاستقطابات السياسية. وتتزامن الواقعة مع زيارة الزيدي إلى طهران التي تلت مباشرة لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، ما أضاف بعداً سياسياً إضافياً حيث رآها مراقبون اختباراً لمدى قدرة الحكومة على ترجمة برنامجها الإصلاحي إلى إجراءات فعلية بعيداً عن الضغوط السياسية أو الاعتبارات الفصائلية.
واستذكر المراقبون خطوة مماثلة اتخذها رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي عام 2021 عندما أزالت السلطات صور علي خامنئي وقاسم سليماني من محيط جامع أبي حنيفة النعمان في منطقة الأعظمية ببغداد، خطوة أثارت آنذاك نقاشاً واسعاً حول حدود النفوذ الإيراني داخل البلاد.
آراء الخبراء والمحللين
قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة السليمانية ميران حسين في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” إن هناك جبهة عراقية بدأت تتشكل خلال الفترة الأخيرة ترفض استمرار النفوذ الإيراني في البلاد وتسعى إلى الحد من تأثيره عبر خطوات تعزز استقلال القرار العراقي. وأضاف أن إزالة صور المرشد الإيراني الراحل من أحد المباني تعكس جانباً من التداعيات السياسية التي تعبر عن رغبة شريحة من العراقيين في التخلص من أي مظاهر للتبعية السياسية لإيران.
وبخصوص فرص الزيدي في بسط سلطة الدولة رأى حسين أن تراجع النفوذ الإيراني أو إعادة رسم موازين القوى الداخلية لن يكون مهمة سهلة في ظل تشابك المصالح وتعقيد المشهدين السياسي والأمني، موضحاً أن الأحزاب والجماعات المتحالفة مع إيران تسعى إلى المحافظة على مكتسباتها المتحققة بعد عام 2003 وأن ما يفعله رئيس الوزراء بالانفتاح على الولايات المتحدة سيؤدي إلى ضبط وتحجيم النفوذ الإيراني في العراق.
من جانبه اعتبر الباحث العراقي في العلاقات الدولية هلال العبيدي أن العراق يمر بمرحلة سياسية جديدة تتسم بتراجع النفوذ الإيراني وصعود مفهوم الدولة ومؤسساتها، مضيفاً أن زمن الولاءات لإيران قد انتهى. وشدد العبيدي على أن النفوذ الإيراني شهد تراجعاً ملحوظاً ليس فقط على مستوى الإقليم وإنما داخل العراق أيضاً، ورأى أن رئيس الوزراء علي الزيدي يمثل حالة سياسية استثنائية قد تمهد لمرحلة مختلفة في تاريخ العراق تقوم على تعزيز سلطة الدولة وإعادة صياغة أولويات السياسة العراقية.