انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

الواقعية السعودية وفق فكر الأمير محمد بن سلمان: وضوح الغاية ومرونة الوسيلة

الواقعية السعودية وفق فكر الأمير محمد بن سلمان: وضوح الغاية ومرونة الوسيلة

الواقعية التي يتحدث عنها الفكر السعودي ليست براغماتية باردة ولا تخلياً عن القيم، كما أنها ليست استسلاماً للعجز عن تغيير العالم؛ بل هي وعي دقيق بالغاية والقدرة والظروف، يطرح أسئلةً حول ما يخدم المملكة، ما الأدوات المتاحة، ومتى يكون التقدم أو التريث أو التفاوض أو الحزم هو القرار الأنسب.

أساس الفكر الواقعي

هذه الرؤية لم تنشأ من فراغ؛ فقد أرست علاقات المملكة الخارجية منذ عهد الملك الموحد عبدالعزيز على احترام سيادة الدول، عدم التدخل في شؤونها، حسن الجوار، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية. ما أضافه فكر سمو الأمير ليس رفض هذا الإرث بل تكثيفه وإعادة تفعيله في عالم متعدد الأقطاب ومتغير موازين القوة، حيث لا يعني الاستمرار تكرار الأدوات ولا الوفاء للمبدأ الجمود عند صورة واحدة من تطبيقه.

ويستشهد الكاتب نبيل علي صالح في مقاله «مونتسكيو مهندس الدولة الحديثة» المنشور في صحيفة الوطن بقول مونتسكيو: «أنا فرنسي بالمصادفة، ولكنني إنسان بالضرورة»، ويراه تجاوزاً للوطنية الضيقة نحو المواطنة العالمية. في السياق الكامل للعبارة، يوضح مونتسكيو أنه لن يقترح على أميره ما ينفع أمته إذا كان خراباً لأمة أخرى؛ فهو لا يلغي الوطن، بل يرتب الواجبات الأخلاقية عند تعارضها، ويجعل الانتماء البشري حداً يمنع الوطنية من التحول إلى عدوان.

تطبيق الواقعية في العلاقات الدولية

تضيف الواقعية السعودية تصحيحاً مهماً: قد يكون مكان الميلاد صدفة في سيرة الفرد، لكن الوطن ليس صدفة في السياسة ولا رابطة مؤقتة يمكن القفز فوقها إلى إنسانية مجردة. إنه المجال الذي تتحول فيه القيم إلى أنظمة، والحقوق إلى ضمانات، والمسؤولية إلى قرار؛ والدولة التي لا توفر أمن مواطنيها ومصالحها لا تستطيع أن تحمل مسؤولية أوسع تجاه الآخرين. لذا فإن الإنسانية لا تبدأ بإضعاف الانتماء الوطني، بل من دولة قوية تمنح مبادئها قدرة على الفعل.

وفي قلب هذه الرؤية تعود الدولة الوطنية إلى مكانها الطبيعي؛ السعودية ليست معبراً لمشروع أيديولوجي يتجاوزها، ولا ساحة لصراعات الآخرين، ولا دولة وظيفية تؤدي دوراً يرسمه لها الآخرون، بل هي دولة تعرف موقعها، وتحدد مصالحها، وتصوغ أدوارها بإرادتها. انتماؤها العربي والإسلامي ليس بديلاً عن هويتها الوطنية، بل امتداد لقوتها؛ إذ لا يستطيع الوطن أن يحمل مسؤولياته الكبرى إذا استنزفت سيادته أو غابت أولوياته.

وبناءً على ذلك يتسع شبكة العلاقات السعودية؛ فالشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة لا تمنع بناء شراكات استراتيجية مع الصين والهند وروسيا وأوروبا وغيرها. السعودية لا تستبدل محوراً بمحور، ولا تقايض صديقاً بصديق؛ بل تبني لكل علاقة مجالها بحسب ما تحققه من مصلحة متبادلة. هذا ليس الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بل القدرة على الوقوف في الموضع الذي تختاره المملكة لنفسها.

ويمكن مقارنة هذا النهج بالصين من زاوية محددة، دون مطالبة بتطابق تجارب مختلفة في التاريخ والنظام والحجم. تلتقي الدولتان في تقديم السيادة الوطنية، رفض التدخل في الشؤون الداخلية، بناء العلاقات على المصالح المشتركة، والامتناع عن تصدير نموذج سياسي إلى الآخرين. من هذا المنظور لا تجعل السعودية التدخل أو الاعتداء أصلاً في سياستها، لكنها لا تتردد في حماية أمنها الوطني ومصالحها عند التعرض للتهديد؛ السلام اختيار قوة، لا ستار ضعف، والسيادة احترام متبادل، لا تنازل أحادي.

ربط الواقعية بالتنمية والأمن

لا تقتصر السياسة في فكر سمو الأمير على الخضوع أو الصدام؛ بل بين هاتين النقطتين مساحة واسعة من التفاوض، الردع، بناء المصالح، تغيير موازين القوة، والانتظار للحظة المناسبة. عندما يصبح الحوار قادراً على تقليل المخاطر وفتح أبواب الاستقرار، يكون الإقدام عليه شجاعة سياسية؛ وحين يهدد الأمن الوطني، تصبح القوة مسؤولية لا نزوة، إذ إن الحرب الدائمة تستنزف الإنسان والتنمية، وحسن النيات وحده لا يحمي الحدود ولا يردع الميليشيات.

وتوثق هذه الرؤية الصلة بين السياسة الخارجية ومشروع التنمية؛ فكل استقرار تسهم المملكة في صنعه، وكل شراكة تقيمها، وكل صدام تتجنبه دون تفريط ينعكس على أمن المواطن واقتصاده وفرصه. المصالح الاقتصادية المتبادلة لا تنتج عائداً مالياً فحسب، بل تنشئ لدى الدول والشركات والأسواق مصلحة في استقرار المملكة ونجاح مشروعها؛ وهكذا يصبح الاستثمار أداة سياسية، والتجارة طريقاً لبناء الاستقرار، والمكانة الدولية أصلاً وطنياً منتجاً.

ولا يعني تقديم المصلحة الوطنية انكفاءً أو تخلياً عن المسؤولية الأخلاقية؛ فالمملكة حين تدافع عن استقرار المنطقة، وحقوق الشعب الفلسطيني، وسيادة الدول العربية، وحماية المدنيين، لا تفصل القيم عن المصالح؛ لأنها تدرك أن المنطقة المضطربة لا توفر أمنًا دائمًا لأحد. الواقعية هنا لا تلغي المبدأ، بل تحميه من أن يتحول إلى خطاب عاجز؛ فالمبدأ من غير قدرة أمنية واقتصادية ودبلوماسية يظل أمنية، أما حين يسنده دولة قوية فإنه يصبح موقفاً مؤثراً.

هذه هي الواقعية السعودية الجديدة: وضوح في الغاية، ومرونة في الوسيلة، وثبات في السيادة، وتوازن بين السلام والردع، وربط واعٍ بين السياسة والتنمية.

لقد صنعت الدولة قدرتها في الداخل، ثم وجهت السياسة هذه القدرة في الخارج؛ ولذلك لا تسأل المملكة العالم أن يرسم لها موقعها، ولا تنتظر اعترافاً بحقها في الاختيار؛ لأن الدول الكبرى لا تمنح أدوارها، بل تبني أسبابها، ثم تشارك بقوتها في رسم الخرائط التي كان الآخرون يرسمونها وحدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني