يمثل شهر رمضان محطة استثنائية لإحداث تغييرات جذرية في البنية النفسية والسلوكية للإنسان حيث يتطلب الصيام انضباطا عاليا يسهم في تعزيز المرونة العصبية وقدرة الفرد على التحكم في الانفعالات وضبط إيقاع الحياة اليومية.
وأوضحت الأخصائية النفسية نورة اليزيد لـ “اليوم ” أن الوصول إلى منتصف شهر رمضان يمثل مرحلة نفسية حرجة تعرف بـ “انخفاض الدافعية بعد الحماس الأولي” وهي ظاهرة طبيعية تلي البدايات القوية سواء كانت سلوكية أو روحية حيث قد يشعر الفرد بتراجع الحماس أو الإرهاق الجسدي أو الإحباط لعدم تحقيق الصورة المثالية التي رسمها لنفسه.
ممارسة الوعي الذاتي
وأشارت ” اليزيد ” إلى أن هذا التوقيت يعد فرصة لممارسة “الوعي الذاتي المنظم” وتقييم الحالة النفسية والسلوكية دون جلد الذات من خلال تتبع نمط النوم ومستوى الصبر والتركيز في العمل.
وأكدت أن اضطراب النوم وتغير مواعيد الأكل يؤثران مباشرة على تنظيم هرمونات الكورتيزول والسيروتونين مما ينعكس على الاستقرار الانفعالي ولذلك فإن إعادة الضبط تبدأ بتنظيم الإيقاع اليومي وتقليل السهر وتحسين جودة النوم.
عقلية النمو التدريجي
وشددت الأخصائية نورة على أهمية إعادة هيكلة التوقعات المعرفية والانتقال من عقلية الكمال إلى عقلية النمو التدريجي لتخفيف الضغط الداخلي مع إدخال فترات قصيرة من الاستشفاء النفسي مثل تمارين التنفس الواعي أو المشي الهادئ لتنظيم الجهاز العصبي وتقليل التوتر معتبرة منتصف الشهر فرصة لإعادة المعايرة النفسية واستكمال الأيام المتبقية بوعي واتزان أكبر.
وحول التغيرات في الثلث الأول ذكرت ” اليزيد ” أنها تمثل مرحلة “التكيف الفسيولوجي والنفسي” حيث يواجه الجسم تغيرا مفاجئا يؤدي لتقلبات مزاجية وانخفاض في التركيز خاصة في الساعات التي تسبق الإفطار بسبب تأثر سكر الدم ونشاط الفص الجبهي الأمامي المسؤول عن ضبط الانفعالات مما يفسر ضعف الصبر أو الميل للاندفاع في بعض المواقف.
خطوات التعامل الصحي
وبينت نورة اليزيد أن التعامل الصحي يتطلب تحسين جودة السحور لدعم استقرار الطاقة وتنظيم أوقات النوم وتقسيم المهام اليومية لتقليل الحمل المعرفي مع استبدال النقد الذاتي بحوار داخلي داعم يعزز المرونة النفسية مؤكدة أن رمضان ليس اختبارا لتحمل الضغوط بل مساحة لإعادة تنظيم الإيقاع الجسدي والنفسي بروح من اللطف والتوازن.
ترسيخ عادات مستدامة
وفيما يخص استثمار ما تبقى من الشهر أكدت ” اليزيد ” أن دخول الثلث الأخير يرفع الدافعية المعنوية بما يسمى “تأثير نقطة النهاية التحفيزية” وهي فرصة لترسيخ عادات مستدامة عبر “الجرعات السلوكية الصغيرة” التي يسهل تكرارها مثل كتابة التأملات اليومية لتعزيز التنظيم الانفعالي وممارسة الامتنان وتثبيت موعد نوم منتظم وتقليل استخدام الأجهزة الرقمية.
واشارت الأخصائية نورة اليزيد إلى أن ربط السلوك بالهوية يعزز الاستمرارية بحيث يتبنى الفرد قناعة بأنه “شخص يعتني بصحته النفسية” مما يزيد من احتمالية الثبات ليكون رمضان برنامجا تدريبيا مكثفا يمتد أثره طويلا بعد انتهائه ليصبح أسلوب حياة لا مجرد موسم عابر.