سجلت كُورا مقولة الفيلسوف على قالب فني يصور خيلًا من بعيد يملك يدًا إنسانية، يرسم خيلًا يقطع البحر بحوافره، وإنسانًا بلا يدين يجلس خلف صخرة يراقب المشهد. وعندما وصلت اللوحة إلى يد السوفسطائي بروتاغوراس، استنتج منها أن كل كائن يدرك الوجود من منظوره الخاص، فأطلق عليها عنوانًا مطلقًا سعى به إلى تثبيت فكرة النسبية، قائلاً: «الإنسان مقياس كل شيء».
تأويل كانط للوحة
استغل الفيلسوف كانط فكرة اللوحة ليجعل للإنسان نظارة ملونة؛ فإذا ارتدى النظارة خضراء يصبح الوجود أخضر، وإذا ارتدى زرقاء يصبح الوجود أزرق. وسأله تلميذه يوهان هيردر عن احتمال اختلاف نظارة الإنسان من أمة إلى أخرى، مشيرًا إلى أن لكل أمة لغتها، وللغتها بنية، وللبنية تراكيب، وللتراكيب مفردات تنحت الوجود، وأن هذا لا يمكن أن يحدث إلا لأن لكل أمة رؤية خاصة للعالم.
مسار اللوحة عبر التاريخ العربي
عبرت اللوحة إلى بلاد العرب في القرنين الثاني والثالث، ولاقت في التأويل مرجعية خصبة. أول من استولى عليها كان جماعة صوفية تضم عبد الواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، فسمّوها «الأبدال». أرادوا بذلك أن الرسامة كورا «أبدلت» الخيل بالإنسان، لكن المعنى الباطني كان يشير إلى «الأبدال» كأعداد من الأولياء والعُبد الذين يسيّرون الوجود بإشراقاتهم؛ فكلما توفي أحدهم يُستبدل بآخر.
تداخل الفلسفة الصوفية والإسلامية
ربما فسّرت الصوفية اللوحة بهذه الطريقة لأن رؤيتهم للوجود والمعرفة والأخلاق كانت تحتاج إلى دعائم حسية اجتماعية. عندما ظهر الإسلام، كان مصدر الحقيقة هو رؤية أفعال النبي وسماع أقواله مباشرة، ولكن بعد وفاة النبي احتاجوا إلى «بديل» فظهرت نظرية الأبدال. تأثرت الصوفية بفكر الفارسيين والهنود الذين ربطوا الوجود بقوى خفية، فصاغ الإمام ابن حنبل نظرية الأبدال في لوحة مفاهيمية، مستخلصًا المصطلح من ميدان الميتافيزيقا إلى عقل عربي حسّي، معلنًا للصفاة الصوفية: «لوحة كورا تعبر عن شكل الإبدال، لا عن ذوات لا تُرى».
تطبيق ابن حنبل للوحة
سأل الصوفي ابن إبراهيم عن هوية الأبدال، فأجاب: «هم أهل الحديث». ثم أضاف كُرّاسًا وضع عليه المصحف كخط أساس، ورسم خطين متوازيين من يمينه ويساره، ثم كتب من الأعلى إلى الأسفل الآية: «أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى أم من يمشي سويًا على صراط مستقيم». وضع أسماء أشخاص على هوامش الكُراس، وبجانب كل اسم خط مقطوع متعرج يلتقي بالخطين المتوازيين، في محاولة «لإبدالهما».
تُظهر لوحة ابن حنبل أن الجميع يُصنّفون كأبدال، لكن هناك أبدال سلبيون يملكون الخطوط المقطوعة، لأنهم يُحرفون وينتحلون ويؤولون؛ وهي صفات غير عربية. أما أهل الحديث، الذين يمثلون الخط الأكبر المتوازي مع المصحف، فهم الأبدال الإيجابيون، أي العرب الذين يحرسون بنية الواقع وطريقة إدراكهم للوجود.
من هذا المنطلق نفى أهل الحديث فكرة «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله، معتبرين أن القرآن يصف يد الله دون تكييف أو تمثيل، وأن أي تأويل يضيف شكلاً{زائفًا} هو تحريف. وعند محاولة حماية وجودهم من «الإبدال» جاءوا بثورة إبدال مضادة، أي تأسيس طائفة تحافظ على الوجود الإلهي من التجريد وتبقيه على ظاهره كما يشعر به العربي.
ومن المثير أن أرسطو، في كتابه «الميتافيزيقا»، هجا إكسينوفانيس بانتقاد حاد، رغم أن إكسينوفانيس كان صاحب الفكرة الأولى التي تربط المطلق بالوجود عبر الحس الثقافي. أرسطو سعى إلى تجريد الفكرة بالمنطق العقلي، وهو ما ينفيه أهل الحديث عندما تُستعمل ضدهم.
كما يُنسب إلى الرسامة كورا اختراع فن الرسم؛ فقد رويت القصة أنها أرادت حفظ صورة عشيقها قبل سفره، فاتبعت ظل وجهه على الجدار ورسمته بخط متصل. هذا الفعل شَبَّهَ به ابن حنبل عندما خطّ الخطوط لحفظ النص الديني من الضياع والتبديل.
ملخص قانون الإبدال عند العرب
عندما عيّن ابن حنبل «الأبدال» كأهل الحديث، استند إلى قاعدة لغوية عربية: الإبدال هو استبدال حرف بحرف آخر يقترب في المخرج والصفة مع الحفاظ على المعنى. فمثلاً تُبدَل كلمة «صراط» بـ«سراط» أو «زراط» لأن الصاد والسين والزاي تشترك في صوت الصفير، ومعنى الكلمة يبقى «الطريق المستقيم». أما كلمة «نظر» و«نضر» فهما لا تُبدلان لأن معانيهما مختلفة؛ فـ«نضر» يعني «أشرق» و«نظر» يعني «أبصر».
وبالتالي، تتغير أشكال الأبدال وتُستبدل بأخرى للحفاظ على المعنى الأصلي، وهو الغاية من هذا التبديل الشكلي في لوحة ابن حنبل.