تُظهر ظاهرة «فوبيا المفردات» في الخطابات الرسمية تفضيلاً لاستخدام عبارات مثل «المدعو/فلان الفلاني صاحب السجل المدني رقم…» بدلاً من الصياغة التقليدية «المواطن/فلان الفلاني حامل الهوية الوطنية رقم…». يأتي هذا التحول في إطار ما يُنظر إليه كتحفظات محتملة من «الهوية الإسلامية» داخل ما يُسمى بالهابيتوس الصحوي.
الصراع اللغوي داخل الصحيفة
تجلى الصراع داخل صفحات إحدى الصحف بين مؤيدين لعبارة «الدولة المدنية» ومعارضين لها، بل وصل التحفظ إلى استبدال كلمة «قانون» بكلمة «نظام». ورغم أن مجلة «العدل» نشرت بحثاً في أحد أعدادها يُعيد إدخال كلمة «قانون» إلى دائرة الاستخدام، مستندة إلى توثيق استخدامها عند علماء أصول الفقه الأوائل، لم يغير ذلك من مسار الهابيتوس الصحوي.
انعكاس الهابيتوس على الإنتاج الأدبي
يبقى أثر هذه الظواهر في الأدب، فقد قرأت رواية كاتبنا كريم الشمائل إبراهيم مضواح الألمعي «فراغ مكتظ». الرواية تتميز بعنوانٍ معبرٍ ومضمونٍ ذكيٍ وخفيف الظل، وقد استمتعت بقراءتها في جلسةٍ واحدة. إلا أن عيبها الواضح هو انشغالها الصريح بالتموضع بين التيار الصحوي وخصومه، في حين أن مفهوم «الوسط» لم يظهر بوضوح في كثير من مسارات «الأدب الإسلامي» خلال فترة ازدهار الخطاب الصحوي.
بعض الكتاب – وليس كاتبنا إبراهيم مضواح – يفضّلون استهزاءً بالمثقفين الكبار، معتبرين ما يُسمى «الأدب الإسلامي» مجرد أداة سياسية تُستغل باسم الدين، كما حدث مع الأدلجة الماركسية‑الستالينية التي أدت إلى انحطاط التجربة السوفيتية وتفككها، وانعكست في رواية «1984» التي صوّرت ديستوبيا الحداثة الشمولية.
نقد الذات والوسطية بين الصحوة والحداثة
أُعطي نقداً ذاتياً واحتراماً له، غير أنني أرفض تكرار المواضيع، حتى وإن صدرت من نفس الكاتب في مقاله القديم «الليبرالية الموشومة». لا يمكن مساواة موقف طه حسين من محمود شاكر بموقف الصحوة في مصر من فرج فودة بعد مناظراته مع محمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي حول الدولة الدينية والمدنية، ولا مع مقتل فودة في الشارع، ما يبرز تفاهة الوسطية بين المخرز والعين.
تحولت أنظارنا إلى المشهد المصري لتجنب إحياء المواجع في المشهد الصحوي القديم الذي يفضّله البعض إخفاؤه «تحت السجادة» بدلاً من أرشفته كذاكرةٍ حية للأجيال القادمة، وإلا فستصبح مجرد «مزبلة تاريخ».
الوسط بين الصحوة والحداثة: بناء أيديولوجي
الوسط بين المخرز والعين، بين الصحوة والحداثة، هو وسط صُنعته الصحوة وصاغته على مقاسها. لا يصح وجود وسط عندما يُحوّل الدين إلى أيديولوجيا تعادي العالم، فحتى التعاطف مع طلال مداح (رحمه الله) أو كشف الأيديولوجيا التي لا تتردد في التعبير عن التعاطف مع عبدالعزيز المقرن يصبح أمراً متناقضاً.
الحداثة تكشف الخرافة؛ لذا أمضى مرزوق بن تنباك جزءاً من عمره في نضالٍ يبدو اليوم عابراً أو عادياً، لكنه كان جزءاً من «كعب أخيل الصحوة»، حين توسّع مفهوم «السحر وتلبس الجن» إلى درجة أن قاضاً ارتقى إلى مرتبة مرتشٍ بحجة أنه مسحور، فبعد أن تعافينا من «دجل الصحوة» عوقب.
ما قبل الهابيتوس: تكافل اجتماعي العرب
قبل ظهور الهابيتوس الصحوي، كان العرب في الجزيرة يعيشون بروح التكافل الاجتماعي، متمثّلة في مروءة ونخوة وشهامة. لم تكن هناك فنادق للمسافرين، فكانوا يقيمون في منازل متواضعة من غرفة أو غرفتين وصالة ومطبخ تستضيفهم الأسرة.
كانت المستشفيات في المدن الكبيرة قليلة، لذا كان المرضى يُعالجون عند أقاربهم، مثل وضع المريض عند ابن عمه وزوجته لتلقي العلاج من السل الرئوي، عودةً إلى العائلة بصحة كاملة دون الحاجة إلى قيود الصحوة التي تحث الأم على عدم إظهار زينتها أمام ابنها.
تآكل الأخلاق التقليدية
الهابيتوس الصحوي لا يبني الأخلاق على براءة الذمة وعدالة الأمة، بل يركّز على التحوّط المرضي إلى درجة هدم الجدار المتين في السجية العربية الأصيلة، أي «نخوة العرب وشهامتهم ومروءتهم» التي تُذكر في كتاب حمزة شحاتة (1908‑1972) «الرجولة عماد الخلق الفاضل»، وتظهر في أشعارهم الشعبية قبل الهابيتوس.
مثال على ذلك قصيدة الماجد النبيل التي تقول: «وان شلتها يا حسين تر ما بها شين… ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة… ما يستشك يا حسين كود الرديين.. والا ترى الطيب وسيع بطانة».
رحم الله شهامة العرب ونخوتهم ومروءتهم التي سحقتها الصحوة في نفوس بعض العرب.
البارادايم الصحوي والوسطية الحديثة
يكفي أن ندرك قوة البارادايم الذي صاغته الصحوة في الوجدان العام – حتى بين المثقفين – لتصبح كلمة «حداثي» وصمةً سلبية حتى اليوم، فيلجأ الكُتاب إلى تلاعب لفظي لتصوير «الوسط» كفضيلةٍ تمثّل التفكير الحر المستقل.
الاستقلال الفكري الحقيقي يتطلّب شجاعةً أمام الذات أولاً ثم أمام الآخر. فالشجاعة أمام الذات تعني «اعرف نفسك» وفقاً لإمام الغزالي (ت 1111 م) أو ديكارت (1650 م)، وكل طرق الباحثين عن العلم تقود إلى الله.
أما الشجاعة أمام الغير فتكمن في مطالعة الكتب والنقاش في أسواق الثقافة، لتجنّب الاستسلام للشعبوية، مع الاعتماد على رحمة الله فقط.
ختاماً: تعاطف مع الوسطية الضعيفة
أختتم بتعبيري عن تعاطفي المشوب بالعتب لمن يعيشون «وسطية العاجز الضعيف»، الذين يضعون أنفسهم بين شابةٍ تطمح للمستقبل وعجوزٍ تميل للماضي، فتنتفّ إحداهن الشعر الأبيض لتظهر شاباً، وتنتفّ الأخرى الشعر الأسود لتظهر عجوزاً، ثم يصرخون: «ضاعت لحانا بين حانا ومانا».