انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

هل تتجه روسيا نحو سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

هل تتجه روسيا نحو سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

بعد أكثر من أربع سنوات ونصف من اندلاع الحرب في أوكرانيا، يبرز سؤال محوري: لماذا لم تلجأ روسيا إلى اغتيال الرئيس فولوديمير زيلينسكي وتصفية القادة العسكريين والسياسيين الأوكرانيين؟ وفقاً لتقديرات بعض النخب الروسية، قد يضعف هذا الإجراء من عزيمة المقاومة الأوكرانية، ويعمّق الانقسامات الداخلية، ويجبر العالم على التعامل مع واقع جديد. إلا أن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.

سجل الخصوم في حياة الرئيس بوتين

الزعيم الذي يترأس الكرملين منذ ستة وعشرين عاماً واجه على مدار مسيرته مجموعة من الخصوم الذين انتهت مصائرهم بطرق مختلفة. من مسخادوف في الشيشان عام 2005 إلى ألكسندر ليتفينينكو (2006)، ثم بوريس بيريزوفسكي (2013)، وبوريس نيمتسوف (2015)، وفيفغيني بريغوجين في 2023، وألكسندر نافالني في العام التالي. باستثناء مسخادوف الذي قُتل في مواجهات عسكرية مباشرة خلال الحرب الشيشانية الثانية، نفت الكرملين مسؤولية دم أي من المعارضين الآخرين، غير أن الأقدار بدت دائمًا أن تمسّ خصوم الزعيم القوي.

الإدعاءات بضرورة إزاحة زيلينسكي

منذ بداية الصراع، انتشرت مطالبة بإزاحة الرئيس الأوكراني الذي تصفه موسكو بأنه “قائد عصابة نازية”. عبر جزء كبير من النخب السياسية والأمنية والعسكرية الروسية عن قناعة بضرورة توجيه ضربة حاسمة نحو أركان القيادة في كييف. ارتفعت الأصوات المؤيدة لهذا الإجراء عقب أحداث ميدانية حاسمة، مثل هجوم المسيرات على الكرملين في 2023، أو نجاح الهجوم الأوكراني المفاجئ في منطقة كورسك الذي مكن القوات الأوكرانية من السيطرة على مساحات واسعة داخل الأراضي الروسية، ما استلزم من موسكو ما يقارب ثمانية أشهر ومساعدة قوية من وحدات خاصة كورية شمالية لطرد المتوغلين.

في عام 2023، صرح نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، أحد أبرز “الصقور” المدافعين عن استخدام الترسانة النووية، بأن التصفية الجسدية لزيلينسكي و”زمرته” هي الخيار الوحيد أمام روسيا. وأشار إلى أن “لم يتبقَ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. وهكذا، فإن “أدولف هتلر” لم يوقعها أيضاً، وسيُوجد دائماً بديل لإعلان الاستسلام وتوقيعه”.

في السياق ذاته، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين زيلينسكي بأنه “إرهابي دولي”، وأكد أن البرلمان سيطالب “استخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي”، في إشارة إلى الدعوة لاستخدام أسلحة غير تقليدية لإنهاء الصراع.

التحفظات الروسية من تنفيذ سياسة «قطع الرأس»

تُظهر تحليلات الخبراء أن إهمال الكرملين للقرار السريع باستهداف القيادة الأوكرانية يعود إلى عدة أسباب، منها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتوسّع نطاق المواجهة إلى أوروبا ومناطق أخرى، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على العلاقات طويلة الأمد مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق، وكذلك في محيط روسيا الإقليمي والدولي.

تُذكر بعض الأصوات أن إزاحة مسخادوف عبر اغتيال موجه أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية، مما جعل روسيا تواجه مجموعة من المتشددين الإرهابيين بدلاً من رئيس منتخب يمكن الجلوس إلى طاولة المفاوضات.

كما يشير بعض المحللين إلى أن اغتيال زيلينسكي في مرحلة مبكرة كان سيحوّله إلى “بطل قومي” يخلّد اسمه كرمز للمعركة ضد روسيا، وهو ما يعتقد الصحفية الأوكرانية ديانا بانشينكو أن ذلك سيؤدي إلى تحفيز الشعب الأوكراني على القتال باسم شهيده. بالمقابل، فإن تضعيف زيلينسكي عبر الضغوط والأزمات الداخلية، وتسهيل الفساد، يبدو كسياسة أكثر جدوى للكرملين، إذ يُصبح الرئيس “قائدًا لرزمة من الفاسدين” يُحمّلهم الشعب بأعباء المأساة.

وبالتالي، يفضِّل البعض زيلينسكي الضعيف، الذي يستجدي المساعدات الغربية ويُحاط بالأزمات، على بطلًا قوميًّا يواجه الغزو بشجاعة، خاصةً بعد أن فشل في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو 2024.

العوامل الدولية وتأثيرها على الموقف الروسي

تغيّر الموقف الدولي تجاه زيلينسكي يظهر جليًا في تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب وفريقه، الذين لم يرتبطوا بعلاقة وثيقة مع الرئيس الأوكراني، بل وصفوه مرارًا بأنه “عقبة في طريق السلام”. شدد ترمب على أنه لا دورًا مستقبليًا لزيلينسكي في “اليوم التالي”، وأن شروط السلام تتضمن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس وفريقه عن الساحة السياسية.

وصف ترمب زيلينسكي بأنه “ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما” و”ديكتاتور بلا انتخابات”، ونصحه بالتحرك بسرعة وإلا سيبقى بلا بلد. كما أشار إلى ضرورة إتاحة فرصة للشعب الأوكراني للتعبير عن رأيه عبر استفتاء.

من جانب آخر، أشار عالم السياسة يوري بارانتشيك إلى احتمال أن تُعزل أو تُقتل زيلينسكي من قبل السلطات الأمريكية أو البريطانية، معتبرًا ذلك أنسب من أن تقوم به روسيا بنفسها.

التصعيد الروسي والسيناريوهات المحتملة

عادت مسألة احتمال تحرك روسي حاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة بعد أن ألمحت موسكو إلى سيناريو تصعيد قاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، وفقًا لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب من بوتين.

يُبرز الخبراء عنصرين رئيسيين يدفعان موسكو إلى تصعيد المواجهة: أولًا، تقارير متزايدة عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعد أن نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها عبر تطوير قدرات دقيقة مثل المسيرات الهجومية وأجهزة تعطيل الرادارات. كما أسفر استهداف مرافق داخل العمق الروسي عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط وتعطيل مطارات رئيسية.

العامل الثاني هو تصاعد المخاوف الروسية من تحول أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري وتسريع العسكرة وتقديم مساعدات واسعة لأوكرانيا. وقد وصف معسكر “الصقور” الأوروبي بأنه “يتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديدًا على روسيا من حلف شمال الأطلسي”.

في هذا الإطار، يُظهر التلويح الروسي بتصعيد قوي موجهًا بشكل مباشر إلى الولايات المتحدة، لتسريع وتفعيل التدخل من أجل وضع تسوية سياسية على أرض الواقع، خاصة بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران. وقد أعلن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف نيته زيارة موسكو قريبًا لإحياء جهود التسوية، بينما صرح وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته للهند بأن واشنطن ستعمل على تخفيف حدة التوتر وتفعيل جهود الوساطة.

دروس من التجربة الإسرائيلية

تشير بعض التحليلات إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي تعتمد على “قطع رأس الخصم” وإضعافه داخليًا قد تكون درسًا يمكن أن تستلهمه روسيا إذا دفعتها الضرورات إلى ذلك. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تبدو متأخرة بعد سنوات من اندلاع الحرب، يرى بعض المحللين ضرورة دراستها وتقييم مدى ملاءمتها للظروف الروسية.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

بناءً على ما سبق، يطرح بعض المراقبين ثلاثة سيناريوهات لتطور الموقف الروسي:

  • الأضعف: قد تنفذ موسكو تهديدها بتقويض مراكز القيادة الأوكرانية إذا شعرت بخطر داهٍ يغير موازين الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها، مع اعتبار انشغال الإدارة الأمريكية أو ترددها في لعب دور حاسم.
  • الثاني: استمرار التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك تهديد القوة النووية التكتيكية لإرباك الموقف الأوروبي، دون الانزلاق إلى توسيع المواجهة المباشرة، ما قد يدفع واشنطن إلى تسريع خياراتها التدخلية. يشمل ذلك تدريبات نشطة على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا واستخدام صواريخ مثل “أوريشنيك” متوسط المدى.
  • الثالث: عودة متأخرة للسيناريو الذي كان ينبغي تنفيذه منذ البداية، وهو عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكومته، قد تُظهر ذلك كتحول داخلي أو تدخّل غربي مباشر لحسم مسار السلام، مع توقع مواجهات روسية لتبعات ذلك.

تظل هذه السيناريوهات مرهونة بمتغيرات متعددة، ولا يمكن التنبؤ بدقة بالخطوة التي ستتخذها موسكو في المستقبل القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني