انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

المملكة تعيد تعريف الصحة: من علاج المرض إلى صناعة العافية قبل وقوعه

المملكة تعيد تعريف الصحة: من علاج المرض إلى صناعة العافية قبل وقوعه

افتتاح مستشفيات جديدة، إدخال تقنيات متطورة، توسيع نطاق الخدمات النوعية، وزيادة أعداد المستفيدين. هذه إنجازات تستحق الإشادة، بيد أن بعض التحولات الجوهرية لا تتجلى في مبنى فاخر أو جهاز متقدم، بل في حياة إنسان يتمتع بصحة أفضل، في مرض تم تفاديه، وفي الطريقة التي بات بها الوطن يتعامل مع صحة مواطنيه.

ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم يقدم نموذجاً واضحاً لهذا التوجه. لعقود طويلة، كان نجاح أي نظام صحي يُقاس بقدرته على معالجة الأمراض: عدد المستشفيات، الأسرة، الأطباء، العمليات الجراحية، والخدمات المقدمة. وكان ذلك ضرورياً في مرحلة بناء القدرات الصحية وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية.

مدن صحية: إعادة تعريف البيئة الحاضنة للصحة

اليوم، تدخل المملكة مرحلة أكثر طموحاً تمتد فيها العناية بالإنسان إلى ما قبل المرض، لتصبح الصحة جزءاً لا يتجزأ من المكان الذي يعيش فيه، والسياسات التي تؤثر عليه، والنظام الذي يرافق رحلته عبر مراحل حياته المختلفة.

يُعد اعتماد 21 مدينة صحية سعودية من منظمة الصحة العالمية من أبرز الشواهد على هذا التحول النوعي. أهمية هذا الرقم لا تكمن في العدد فحسب، بل في المضمون: أن تصبح المدينة نفسها عنصراً فاعلاً في صناعة الصحة. فالمدينة الصحية تقوم على فهم شامل للصحة، إذ تتشكل صحة الإنسان في بيئته، وتعليمه، غذائه، قدرته على الحركة، مشاركته المجتمعية، الاستعداد للطوارئ، وسهولة الوصول إلى الخدمات.

عندما أصبحت جدة والمدينة المنورة أول مدينتين صحيتين مليونيتين في منطقة الشرق الأوسط، كان الإنجاز تجسيداً لتكامل مدينة بأكملها بما تضمه من قطاعات ومؤسسات ومجتمع مدني.

من القطاع الصحي إلى المنظومة المتكاملة

هذا يُعد من أهم التحولات في مفهوم الصحة: تجاوز مسؤوليتها حدود القطاع الصحي لتصبح جزءاً من طريقة بناء المدينة وإدارة المجتمع. فالقرارات التي تتخذها قطاعات التعليم، النقل، التخطيط الحضري، والبيئة قد تصنع للصحة ما يعادل ما تصنعه بعض القرارات داخل المنشآت الصحية.

في الاتجاه نفسه، تتغير بنية النظام الصحي من الداخل. انتقال عشرة تجمعات صحية ضمن مراحل التحول المؤسسي إلى شركة الصحة القابضة يمثل خطوة نحو بناء منظومات رعاية متكاملة ترتبط بسكان محددين، وتتحمل مسؤولية أكبر عن رحلتهم الصحية واستمرارية الرعاية، وذلك ضمن تحول يعيد توزيع أدوار التنظيم والتمويل وتقديم الخدمة.

هنا يلتقي التحولان: المدينة الصحية توسع دائرة المسؤولية عن الصحة في المجتمع، والتجمع الصحي يعيد تنظيم مسؤولية تقديم الرعاية. وبينهما يتطور السؤال من مجرد عد الخدمات المقدمة إلى قياس الأثر الحقيقي في صحة الإنسان.

متوسط العمر المتوقع: حصيلة تحول وطني

الرقم الذي يمنح هذا السؤال معناه العميق هو وصول متوسط العمر المتوقع في المملكة إلى 79.7 عاماً. فهذا الرقم حصيلة تراكم طويل شاركت في صنعه الرعاية الصحية، الوقاية، التعليم، السلامة، التشريعات، وتحسن الظروف المعيشية، إلى جانب قدرة الدولة والمجتمع على حماية الإنسان عبر مراحل حياته.

مفارقة هذا النوع من الإنجاز أنه أقل ظهوراً للعين. فمن السهل رؤية مستشفى جديد، وعدّ أسِرّته وخدماته، بينما يصعب إدراك مرض تم تجنبه، أو مضاعفة تأخرت، أو سنوات أضيفت إلى حياة الإنسان بصحة أفضل. فالوقاية تحقق جزءاً من نجاحها فيما لم يحدث أصلاً، ولذلك قد تبقى إنجازاتها أقل حضوراً في صور التنمية، رغم أن أثرها يمتد إلى حياة الناس لسنوات. ولعل من علامات نضج التحول الصحي أن نتعلم كيف نرى هذا المنجز أيضاً، وكيف نقيس ما منعناه إلى جانب ما عالجناه.

الطموح القادم: سنوات أكثر صحة وجودة

الطموح يمتد أبعد من إضافة سنوات إلى العمر. فالمرحلة القادمة تتطلب أن تكون هذه السنوات أكثر صحة وجودة واستقلالية، وأن يصل أثر التحول إلى مختلف المناطق والفئات، وأن تتحول الوقاية من قناعة نتحدث عنها إلى ممارسة يومية تدعمها الحوافز والتمويل والمساءلة.

هنا يأخذ المنجز الوطني معنى أوسع: الوطن يصنع صحة الإنسان حين يوفر له مستشفى متقدماً عند الحاجة، وحين يعمل في الوقت نفسه على تقليل احتمالات احتياجه إليه، ويجعل الرعاية أقرب إلى حياته، وتتحرك المدينة والمدرسة والطريق والتشريع والنظام الصحي في اتجاه واحد.

في يومنا الوطني المجيد نفخر بما بنيناه، ويستحق الاحتفاء أيضاً ما لا تستطيع صور المشروعات أن تلتقطه بسهولة: سنوات أكثر صحة، مرض جرى تجنبه، حياة أصبحت أكثر أماناً، ومجتمع أصبحت البيئة المحيطة به أكثر دعماً لصحته.

فبعد عقود كان التحدي فيها أن نوصل العلاج إلى الإنسان أينما كان، أصبح طموحنا اليوم أكبر: أن تصل الصحة إليه قبل أن يصل المرض. وهذه قصة تتجاوز حدود قطاع يتغير، إنها قصة وطن يصنع الصحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني