زار خبير عقاري دولي المملكة العربية السعودية مرات عديدة على مدى أكثر من عشرين عاماً، وفي كل زيارة يخرج بقناعة متزايدة بحجم الفرص المتاحة في السوق المحلية، مشيراً إلى أن حجم التحول الذي تشهده المملكة وسرعته يختلفان عن أي سوق أخرى يعمل فيها، بما في ذلك المملكة المتحدة وسوريا وأستراليا والإمارات العربية المتحدة.
ويرى الخبير أن هذا التحول يعود إلى رؤية حكومية واضحة وطويلة الأمد، ومجتمع شاب يرتفع سقف طموحاته، ومدن تتغير بوتيرة متسارعة، واستثمارات ضخمة تعيد تشكيل أنماط الحياة والعمل والسكن في البلاد.
مؤشرات السوق والحاجة إلى زيادة المعروض السكني
تكشف مؤشرات السوق عن حاجة واضحة إلى زيادة المعروض السكني لمواكبة الطلب، فبموجب رؤية السعودية 2030، تستهدف المملكة رفع نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 70% بحلول نهاية العقد، بعد أن بلغت النسبة 66.24% في عام 2025، متجاوزة المستهدف المحدد لذلك العام.
وتشير التقديرات إلى أن تلبية الطلب المحتمل في ضوء نمو عدد الأسر وتغير أنماط تكوينها قد يتطلب توفير أكثر من 115 ألف وحدة سكنية إضافية سنوياً، بالتزامن مع سلسلة من الإصلاحات التنظيمية التي بدأ أثرها يظهر في بيئة الاستثمار ويوسع الفرص المتاحة للمستثمرين.
فمنذ 22 يناير 2026، دخل القانون المنظم لتملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ، مما أتاح مسارات لتملك المقيمين وغير المقيمين والشركات والجهات غير السعودية وفق الضوابط التنظيمية المعتمدة. وهذه الخطوة لا توسع قاعدة المشترين المحتملين فحسب، بل تدعم أيضاً استقطاب المطورين والشركات الدولية المتخصصة.
كما تم تحديث منظومة رسوم الأراضي البيضاء بهدف زيادة المعروض من الأراضي المطورة والوحدات العقارية وتحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب، مع تطبيق رسوم تصل في بعض الشرائح ذات الأولوية القصوى للتطوير إلى 10% من قيمة الأرض سنوياً.
ومع نمو أدوات الاستثمار والتمويل العقاري واستمرار الاستثمارات في البنية التحتية، تتشكل سوق أكثر عمقاً وتنوعاً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة فقط. ويرى الخبير أن عام 2027 قد يمثل مرحلة مهمة في تطور السوق، مع اتساع أثر التغييرات التنظيمية الأخيرة على قرارات الاستثمار والتطوير والشراء.
تحديات السوق واستراتيجية الدخول
غير أن السوق لا تخلو من تحديات، فتكاليف البناء لا تزال مرتفعة كما هو الحال في كثير من دول العالم، في حين تزيد المشاريع العملاقة في المملكة من الطلب على العمالة الماهرة ومواد البناء، مما يرفع تكاليف التطوير ويتطلب تخطيطاً دقيقاً.
كذلك ارتفعت أسعار المساكن في بعض مناطق المملكة بوتيرة تفوق نمو الدخل، وقد انعكس ذلك على حركة السوق على المدى القصير، حيث شهد الربع الأول من عام 2026 تراجعاً ملحوظاً في نشاط المبيعات. وهي معطيات لا يمكن لأي مطور يدخل السوق اليوم أن يتجاهلها.
لكن الشركة تؤكد أن قراراتها الاستثمارية لا تبنى على أداء ربع مالي واحد أو تقلبات قصيرة الأجل، بل تنظر إلى الاتجاهات طويلة الأجل، وفي مقدمتها النمو السكاني، والطلب على السكن، وتطور المدن، وتحسن البيئة التنظيمية، والاستثمار في البنية التحتية، إلى جانب تطور توقعات السكان تجاه جودة المجتمعات التي يعيشون فيها.
ومن هذه الزاوية، لا تغير التحديات الحالية نظرة الشركة إلى السوق السعودية، بل تؤكد بالنسبة إليها أهمية الدخول برؤية طويلة المدى، وانضباط في التطوير، ومشاريع تتناسب مع الحاجات الفعلية للسوق. ولهذا ترى الشركة أن الوقت مناسب لاتخاذ هذه الخطوة، مستندة إلى شراكة مع شركة سعودية راسخة ومتخصصة في قطاع جودة الحياة، وإلى محفظة أراضٍ بقيمة 50 مليار ريال سعودي تتيح لها بناء حضور واسع وطويل الأمد في المملكة.
أرادَ تبدأ أول مشاريعها في الرياض
تأتي هذه الخطوة امتداداً لخبرة عالمية بنتها شركة «أرادَ» عبر محفظة مشاريع تبلغ قيمتها 189 مليار ريال سعودي في خمسة أسواق، وتضم أكثر من 70 ألف وحدة سكنية، تم تسليم 17,500 وحدة منها بالفعل. وهذه الخبرة هي ما تنقله الشركة اليوم إلى السوق السعودية، وفي مقدمتها أول مخطط رئيسي لها في الرياض.
وتدعم هذا التوجه نتائج دراسة مستقلة طلبت الشركة إجراءها، أظهرت أن المملكة تعد واحدة من أكثر الأسواق الدولية جذباً للمشترين من مختلف أنحاء العالم. فقد أشار 57% من المستثمرين المشاركين في الدراسة إلى سهولة إجراءات شراء العقارات في المملكة، إلى جانب إمكانات تحقيق عوائد قوية، ونظرة المستثمرين الإيجابية إلى مستويات الأمان والاستقرار.
وترى «أرادَ» أن الفرصة الحقيقية في المملكة تكمن في تطوير مجتمعات متكاملة قادرة على تحسين تجربة الحياة اليومية لسكانها. وهذا هو النموذج الذي عملت خلال السنوات الماضية على بناء القدرات اللازمة لتطويره، إذ تنظر الشركة إلى المجتمع باعتباره منظومة واحدة تشمل السكن والضيافة والرياضة واللياقة البدنية والعافية والرعاية الصحية والتعليم والترفيه والمساحات العامة.
ويؤكد الخبير أن هذا هو الفارق بين تطوير مجموعة من المباني وبين بناء مجتمع، لأن نجاح المجتمعات السكنية لا يقاس بجودة الوحدات وحدها، بل بقدرتها على تلبية حاجات السكان اليومية من التعليم والرياضة إلى الطعام والترفيه والمساحات العامة.
وتعد «أرادَ» من المطورين القلائل عالمياً الذين يجمعون بين تطوير المجتمعات السكنية الراقية، وامتلاك علامات خاصة في قطاع الضيافة، وشبكة للياقة البدنية، ومرافق للرعاية الصحية، إلى جانب قدرات متكاملة في قطاع الإنشاءات. ولهذا استثمرت الشركة خلال قرابة عقد في بناء منظومة من القدرات والأعمال التي تدعم هذا النموذج، بدلاً من الاعتماد فقط على نموذج المطور العقاري التقليدي.
وفي هذا السياق، يبرز تحول مهم في السوق السعودية نحو التركيز على جودة المجتمعات إلى جانب زيادة المعروض السكني. فالفرصة في المملكة لا ترتبط فقط بزيادة عدد المطورين، بل باستقطاب مطورين يمتلكون الخبرة والقدرة على تنفيذ مشاريع متكاملة وواسعة النطاق، ولديهم سجل حافل بالإنجاز، إلى جانب قدرات تمتد عبر مختلف مراحل التطوير والتشغيل، وتمكنهم من تطوير مجتمعات تتجاوز مفهوم المباني والوحدات السكنية.
وهذا هو النموذج الذي تعتزم الشركة تطبيقه في المملكة من خلال أول مشاريعها، وهو مخطط سكني متكامل بقيمة 14 مليار ريال سعودي في حي الرمال بمدينة الرياض، على أن يبدأ تطويره اعتباراً من الربع الأول من عام 2027.
لماذا السعودية الآن؟
يرى الخبير أن مجموعة من عوامل الجاذبية تتوافر اليوم في السوق السعودية في وقت واحد، من طلب كبير ومستمر على السكن، ومجتمع شاب، ومدن تنمو وتتغير، وإصلاحات تشريعية تفتح السوق أمام شرائح جديدة من المستثمرين، واستثمارات كبيرة في البنية التحتية، إلى جانب تحول متزايد نحو تطوير مجتمعات توفر مستويات أعلى من جودة الحياة. ولذلك فإن المملكة العربية السعودية تمثل من وجهة نظره واحدة من أكثر الأسواق جاذبية للمطورين الدوليين في العالم اليوم.
وبالنسبة للشركة، فإن السبب الأهم لدخولها إلى المملكة هو أن حاجات المرحلة القادمة في السوق السعودية تتقاطع بصورة مباشرة مع نوع الخبرة التي بنتها في «أرادَ». وتنظر الشركة إلى المملكة باعتبارها سوقاً تبني فيها حضوراً طويل الأمد، وتسهم من خلاله في المرحلة القادمة من تطور مدنها ومجتمعاتها. وتفخر الشركة بوجودها في المملكة، وتتطلع إلى بناء حضور مستدام يمتد لسنوات طويلة.