مع اتساع تداعيات النزاع على الاقتصاد الإيراني، تدخل دول مجلس التعاون الخليجي المرحلة الراهنة من موقع قوة، وفقاً لإحسان خومان، رئيس قسم أبحاث الشرق الأوسط في شركة BlackRock. ويعزو ذلك إلى مدخرات مرتفعة، ومستويات دين منخفضة، وقدرة أكبر على استشراف مسار النمو خلال السنوات المقبلة.
العقوبات تضغط على الاقتصاد الإيراني
يعود خومان إلى بداية الحرب، مشيراً إلى أن الاقتصاد الإيراني تأثر بشكل كبير جراء هذا النزاع. ويُرجّح أن السماح باستمرار الصادرات النفطية لفترة من الوقت كان من أبرز العوامل التي فاجأت الأسواق، قبل أن تتوقف تلك الصادرات بعد إغلاق مضيق هرمز من الجانب الأميركي.
وبحسب تحليله، فإن الولايات المتحدة، بعد استنفاد إجراءاتها العسكرية، بدأت التركيز على الجانب الاقتصادي، وتحديداً عبر العقوبات التي أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت. ويصف خومان حجم هذه العقوبات وسرعتها بأنهما مفاجئان، ولا سيما مع استهداف أي هيئة أو مؤسسة تتعامل مع إيران بشكل أو بآخر. ويقدّر أن ذلك قد يُسرّع قدوم إيران إلى طاولة التفاوض، مع انتظار الرد الإيراني.
2.1 تريليون دولار تعكس ثقل المنطقة الاستثماري
في الجانب الخليجي، يؤكد خومان أن دول مجلس التعاون دخلت النزاع أو شهدته من “وضعية قوة”، مستشهداً بعدم تعرضها لتأثيرات كبيرة مقارنة بأسواق ناشئة أخرى حول العالم. ويعزو ذلك إلى قوة اقتصاداتها ومدخراتها والإجراءات التي اتخذتها منذ بداية النزاع.
ويكشف أن حسابات BlackRock تشير إلى 2.1 تريليون دولار من الاستثمارات المحلية التي أُعلن عنها قبل النزاع وبعده، خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2030. ويرى أن هذا الرقم يمثل شهادة على أهمية المنطقة من حيث النمو وإمكانيات النمو المستقبلية. بالنسبة لسوق العمل، لا تتضمن تصريحات خومان تقديراً مباشراً للوظائف، بل تشير إلى اتساع نطاق المشاريع والاستثمارات في قطاعات متعددة، دون تحديد عدد الوظائف أو طبيعتها.
الذكاء الاصطناعي في صلب الرهان الخليجي
يضع خومان الذكاء الاصطناعي ضمن القطاعات التي يرى أنها لم تحظَ بحديث كافٍ، لا سيما في الإمارات العربية المتحدة، حيث يشير إلى وجود إصرار على بناء قطاع الذكاء الاصطناعي، مع توافر الأراضي والطاقة إلى حد كبير. كما يشير إلى التركيز على الأصول الرقمية والذكاء الاصطناعي في دول الخليج عموماً، وإلى مشاريع ضخمة في المملكة العربية السعودية، فضلاً عن الاستثمارات والمشاريع التي سيدعمها صندوق الاستثمارات المباشرة. ويؤكد خومان أهمية هذه القطاعات، دون تقديم أرقام محددة بشأن الوظائف المرتبطة بها.
البنية التحتية والطاقة محور المرونة
مع استمرار النزاع، يشير خومان إلى تنامي الحديث عن المرونة، وخصوصاً في قطاعات الدفاع والموانئ وكل ما يمكن أن يحمي المنطقة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز مستقبلاً. ويذكر الموانئ في الفجيرة القريبة من المحيط المفتوح قرب عُمان، إلى جانب الأنابيب التي تمر عبر السعودية، واحتمال الإعلان عن أنابيب جديدة بتوجيه حكومي. كما يشير إلى خطوط أنابيب جديدة بين أبوظبي والفجيرة.
وفي قطاع الطاقة، يلفت إلى استمرار الاستثمار في النفط والغاز، موضحاً أن الغاز مهم في عمليات تحول الطاقة عالمياً، وأن مشاريع الغاز في الإمارات والسعودية وقطر ستكون ذات أهمية كبرى. ويرى خومان أن الحماس للاستثمار في المنطقة يأتي من القطاع العام وصناديق الثروة السيادية، بالتوازي مع حماس واضح من القطاع الخاص. ويشير إلى اهتمام BlackRock وشركاء آخرين في إدارة الأصول بالاستثمار في الخليج، إضافة إلى تصاعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة قبل النزاع.
ويضيف أن التصنيف الائتماني الجيد في المنطقة يجذب المستثمرين، في ظل مزيج من الاستثمارات العامة والخاصة وأشكال متعددة من التمويل. كما يلفت إلى أسلوب جديد للاستثمارات بعد النزاع، من بينها التدفقات النقدية التعاقدية، فضلاً عن الفرص المرتبطة بكأس العالم لكرة القدم 2034 المحتمل تنظيمه في السعودية، والأحداث الرياضية والترفيهية الأخرى.
ويحدد خومان ثلاثة عناصر أساسية تفسر قدرة المنطقة على جذب رؤوس الأموال: المدخرات الجيدة والصناديق السيادية التي يصفها بأنها غير مسبوقة حول العالم؛ وانخفاض مستويات الدين في دول مجلس التعاون؛ ثم بناء الأسواق المالية عبر إصدار السندات، مما عزز قدرة القطاع المالي على الصمود. ويضيف أن وضوح الرؤية بشأن استراتيجية النمو خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، خصوصاً في الإمارات والسعودية، يمنح المستثمرين قدرة أفضل على استشراف المستقبل واتخاذ قراراتهم الاستثمارية.
أما أسواق الأسهم والدخل الثابت، فيقول خومان إنها لم تتأثر، وهو ما يعكس، في رأيه، مستوى مرتفعاً من الثقة في الأسواق وفي مستويات النمو.
العقارات أكثر نضجاً وحماية من تداعيات التصحيح
يبقى قطاع العقارات، وفق خومان، أحد القطاعات التي ينتظر معرفة المزيد بشأنها، في ظل حالة عدم اليقين في دول مجلس التعاون. ويقارن الوضع الحالي بأزمة عام 2010، عندما كانت تُمنح للمستثمرين في القطاع مزايا كبيرة وقروض كبيرة. أما الآن، فيشير إلى تدابير صارمة من الحكومة والمصرف المركزي في الإمارات العربية المتحدة، مما يحمي المصارف بدرجة كبيرة حتى في حال حدوث تصحيح تنازلي في قطاع العقارات.
ويرى خومان أن قطاع العقارات حقق نضجاً كبيراً مقارنة بالأزمة السابقة، وأن مسؤولية كبيرة لا تقع على عاتق المستثمر الأخير مقارنة بالمصارف. ويؤكد أن أزمة محتملة في القطاع العقاري لن تتسرب إلى القطاعات الأخرى، في ظل بقاء القطاع محمياً بدرجة أكبر مقارنة بالماضي.
وتبرز في تصريحات خومان استثمارات ومشاريع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة والغاز والموانئ والأنابيب، إلى جانب المشاريع والأحداث الرياضية والترفيهية، بما في ذلك كأس العالم لكرة القدم 2034 والأحداث الرياضية الأخرى. أما الوظائف، فلم يقدم خومان في تصريحاته أرقاماً أو توقعات مباشرة بشأنها.