انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

في قلب أسواق حلب القديمة.. حرفي يحارب اندثار فن زخرفي يعود لأربعة عشر قرناً

في قلب أسواق حلب القديمة.. حرفي يحارب اندثار فن زخرفي يعود لأربعة عشر قرناً

في ممرات أسواق حلب التاريخية المزدحمة، يجلس الحرفي السوري أيمن سعيد منكباً على ألواح خشبية يحفر فيها نقوشاً شرقية وخطوطاً عربية توارثتها الأجيال، في مسعى لإنقاذ فن يمتد تاريخه نحو ألف وأربعمائة عام من خطر الاندثار.

يمارس سعيد هذه الحرفة منذ ثلاثين عاماً، ولا يقتصر دوره على المحافظة عليها، بل يسعى جاهداً لنقلها إلى نجله، مؤمناً بأن بقاءها رهين بانتقالها إلى جيل جديد يحمل في ذاكرته هذا الإرث الفني العريق.

يعتمد الحرفي السوري على الرسم والنحت على الخشب لإنتاج لوحات وزخارف بارزة مستلهمة من التراث العربي والإسلامي، في وقت تناقص فيه عدد العاملين بهذه المهنة، مما جعلها من الحرف التقليدية المهددة بالزوال.

فضاء جديد لفن عريق

شكل فن الزخرفة العربية البارزة، المعروف أيضاً باسم “الرسم العجمي”، لقرون طويلة أحد أهم مكونات العمارة والزخرفة في المنطقة، حيث استُخدم في تزيين سقوف وجدران المساجد والكنائس والقصور، بفضل دقته في التنفيذ وقيمته الجمالية.

ما زالت نماذج من هذا الفن حاضرة في معالم تاريخية بارزة، مثل قاعة العرش في قلعة حلب والمسجد الأقصى في القدس، حيث تشكل الزخارف الخشبية جزءاً من التراث الفني والمعماري للمنطقة.

مع تحول أنماط البناء والديكور، تراجع استخدام هذا الفن في المنشآت الكبيرة، لكنه وجد مساحة جديدة في صناعة الصناديق التذكارية واللوحات الفنية والقطع الخشبية الصغيرة التي يقبل عليها عشاق الأعمال اليدوية.

إرث ينتقل عبر الأجيال

أفاد سعيد (42 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال، لوكالة الأناضول، بأنه تعلم المهنة في الثانية عشرة من عمره، ويحرص اليوم على تعليمها لنجله لضمان استمرار هذا التراث الثقافي للأجيال القادمة.

أضاف أنه يواصل عمله في الأجواء التراثية لأسواق حلب القديمة، معتبراً أن الحفاظ على هذه الحرفة هو الحفاظ على جزء من الذاكرة الثقافية للمدينة.

شرح أن الزخرفة البارزة كانت أحد أهم عناصر الطراز الشرقي الذي ميز أسقف وجدران البيوت العربية التقليدية، مشيراً إلى أن العمل يبدأ برسم التصميم على الورق ثم نقله إلى الخشب.

أوضح أن الحرفيين يستخدمون بعد ذلك معجوناً خاصاً يُصنع من مواد نباتية لتشكيل الزخارف البارزة، ثم تُدهن القاعدة وتُضاف طبقة حماية.

أضاف أنه بعد ذلك تُلون الزخارف يدوياً بالفرشاة، لتكتمل في المرحلة الأخيرة برسم الخطوط السوداء الدقيقة التي تمنح العمل مظهره النهائي.

شغف لا ينضب

قال سعيد إنه لا يزال يمارس الحرفة بنفس الشغف الذي بدأ به منذ سنوات طويلة، مضيفاً: “هذه المهنة لا تصيب صاحبها بالملل”.

أوضح أن كل قطعة ينجزها تكشف له تفاصيل جديدة، مما يجدد حماسه للاستمرار في العمل وتطوير مهاراته.

أشار إلى أن الألوان والخامات المستخدمة في الزخرفة الخشبية تغير الأجواء البصرية للمكان، فبعض الدرجات تمنح إحساساً بالبرودة في المساحات المشمسة، بينما تضفي درجات أخرى شعوراً بالدفء في الأماكن الأقل إضاءة.

أضاف: “الزبائن الذين يزورون ورشتي يمضون وقتاً طويلاً في تأمل الجدران والأسقف وملاحظة التفاصيل الدقيقة للأعمال”.

دعا سعيد إلى إنشاء سوق تقليدية تضم الحرفيين تحت سقف واحد، مما يسهم في حماية المهن التراثية من الاندثار.

أوضح أن مثل هذه السوق يمكنها جمع حرف تقليدية متعددة، كالزخرفة البارزة، وصناعة الأدوات النحاسية، والنسيج، وحياكة السجاد، معتبراً أن وجود الورش في مكان واحد يشجع المنافسة بين الحرفيين ويرفع جودة الإنتاج.

وفي وقت تتراجع فيه المهن التقليدية أمام أنماط الحياة الحديثة، يواصل أيمن سعيد رسم الزخارف على الخشب، واضعاً بين يدي نجله حرفة حملها عن أسرته منذ طفولته، على أمل ألا تكون لوحاته آخر ما تبقى من فن يعيش منذ 1400 عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني