لم تعد المخاطر التي تضغط على الاقتصاد العالمي تقتصر على التضخم وأسعار الفائدة أو اضطرابات أسواق السندات، بل امتدت بشكل مباشر إلى الشركات وسوق العمل.
التوترات الجيوسياسية وتكلفتها الاقتصادية
مع انقسامات جيوسياسية تُعتبر الأكبر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحوالي 130 نزاعًا مسلحًا حول العالم مقابل 65 نزاعًا العام الماضي، إضافة إلى رسوم جمركية أميركية تستهدف 96 دولة، تزداد كلفة الاضطرابات الاقتصادية. وفقًا للمنتدى الاقتصادي العالمي، تصل الخسائر السنوية للانقسامات العالمية إلى نحو 300 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 7 تريليونات دولار إذا اتسعت نطاقها، دون احتساب المواجهات العسكرية.
ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيره على الفائدة
في هذا السياق، ارتفعت أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات، بينما يواجه العالم خطر أزمة أمن غذائي نتيجة تعطيل إمدادات الأسمدة. دفعت موجة الغلاء البنوك المركزية إلى رفع الفائدة للسيطرة على الأسعار، تزامنًا مع وصول عوائد السندات الحكومية إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عشرين عامًا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا.
ألمانيا: الإفلاس يتحول إلى أزمة وظائف
تواجه الشركات في ألمانيا موجة من الإفلاسات؛ إذ أُغلقت مليون و65 ألف شركة ومشروع خلال الست سنوات الأخيرة، بمتوسط بلغ 486 شركة يوميًا خلال هذه الفترة. وفي الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، سُجلت نحو 14,500 حالة إفلاس، مع توقع ارتفاع العدد إلى 24,650 شركة بنهاية السنة. أثرت هذه الإفلاسات على أكثر من 165 ألف وظيفة خلال النصف الأول من العام.
ترتبط هذه الإفلاسات بارتفاع تكاليف التشغيل، لا سيما أسعار الطاقة، إضافة إلى المنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، ونقص العمال.
قطاع السيارات الألماني في قلب الاختبار
يأتي قطاع السيارات الألماني في قلب الأزمة. تخطط فولكس فاغن لتسريح 50 ألف موظف بحلول عام 2030، بينما تدرس BMW إلغاء ثمانية آلاف وظيفة قريبًا. أما مرسيدس، فقد أجلت صرف مستحقات نحو 90 ألف موظف إلى العام المقبل بدلًا من دفعها في الشهر الماضي.
هذه التطورات ترتبط بعوامل منها ارتفاع تكاليف التشغيل (وخاصة أسعار الطاقة)، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، إلى جانب نقص العمال.
رأي محمد علي ياسين من مزايا الغاف
في حديثه لبرنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية، تناول الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، محمد علي ياسين، هذه التطورات ضمن قراءته للضغوط الاقتصادية والمالية الراهنة.
السندات الأميركية وتكلفة الاقتراض
يربط ياسين بين الصورة الأوسع والتوتر في السياسة الاقتصادية الأميركية. يرى أن الاقتصادات تواجه تحديات متعددة، وأن بعض التأثيرات السلبية للأحداث الحالية كانت آنية، لكن المشكلة تكمن في التضارب بين ما قد يكون صحيحًا للاقتصاد وما قد يكون صحيحًا للسياسيين.
يشير إلى أن نمو الناتج المحلي في الاقتصاد الأميركي مستمر منذ أيام إدارة بايدن، وأن هذا الاقتصاد يظهر قوة مقارنة بالأسواق والاقتصادات والدول المتطورة. ومع ذلك، يرى أن القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة تواجه تضاربًا بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات السياسية.
ويقول إن الهدف الرئيسي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يتمثل في خفض تكلفة الاقتراض وتخفيض الفائدة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصًا مع استمرار الحرب الإيرانية، جعل تنفيذ هذه الخطوة أكثر صعوبة. وفق قراءته، فإن استمرار ارتفاع التضخم مع عدم خفض الفائدة يمثل تأخرًا في اتخاذ القرار الصحيح، بل يصفه بأنه قرار سياسي اقتصادي خاطئ قد تكون له انعكاسات سلبية على المدى الطويل.
ويبرز هنا سوق السندات بوصفها مقياسًا مهمًا لهذا التوتر، إذ يرى ياسين أن التسعير الحالي يعكس هذا التضارب. فقد بلغت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عامًا 5.28% ولأجل 10 سنوات 4.84%، وهي مستويات يقول إنها لم تُرَ منذ 15 إلى 20 عامًا.
الدين الأميركي ومخاطر العجز
وأشار ياسين إلى أن ديون الحكومة الأميركية تبلغ نحو 40 تريليون دولار، بينما يصل عجز الموازنة إلى نحو تريليوني دولار. وأوضح أن الحكومة الأميركية تواصل إصدار سندات جديدة لسداد السندات السابقة، موضحًا أنه يمكن إصدار سندات لأجل عامين، ثم إصدار سندات جديدة قبل استحقاقها لسداد السندات القديمة ومواصلة عملية الاقتراض.
وقال إن هذه الآلية تزيد العجز، موضحًا أنه عندما ينمو الناتج المحلي بنسبة 3% بينما تبلغ كلفة الدين 4.5%، ينشأ فارق سلبي قدره 1.5 نقطة مئوية، مما يزيد الضغط على حساب الدين. وأضاف أن ارتفاع حساب الدين يجعل البنوك والمستثمرين أقل استعدادًا للإقراض، مشبهًا ذلك بحالة الشخص الذي تتزايد ديونه، مما يرفع مخاطر التعثر عن السداد.
وحذر ياسين من أنه إذا تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، فإنه يتوقع أن يشهد سوق الأسهم تصحيحًا كبيرًا.
عوائد السندات وتنافس الاستثمارات
ولا تتوقف المنافسة الاستثمارية عند السندات والأسهم. فقد تساءل ياسين: «إذا كان عائد السند الحكومي يبلغ 5.25%، فلماذا أشتري سهمًا يحقق عائدًا يتراوح بين 3 و4%؟» وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يخلق منافسة بين الأدوات الاستثمارية، بما فيها الودائع المصرفية، التي ينبغي أن تقدم بدورها عوائد أعلى.
وفي ظل حالة عدم اليقين، يرى ياسين أن «الأسواق تكافئ الأمان»، موضحًا أنه إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد يتراوح بين 5 و6% من خلال وديعة، مع استقرار العملة وارتباطها بالدولار، فإنه قد يتساءل: «لماذا آخذ مخاطرة؟» وأضاف أن المستثمر في أوقات عدم اليقين يمكنه الاحتفاظ بأمواله في الوديعة والحصول على عائد يتراوح بين 5 و6%.
هل تمتد أزمة السندات إلى الاقتصاد العالمي؟
وفي ما يتعلق باحتمال أن يؤدي انفجار فقاعة السندات إلى أزمة مالية عالمية جديدة، يرى ياسين أن «كل شيء معقول»، مشيرًا إلى أن الأزمات قد تقع عندما لا يكون الجميع منتبهًا إليها، لا عندما يكون الجميع يتوقعها.
ويشير ياسين إلى أن مستويات الدين الحالية غير مسبوقة تاريخيًا، لافتًا إلى تراجع الثقة في شراء السندات، وإلى أن إعادة تمويل الديون تمثل تحديًا. وحتى إذا أمكن تجاوز هذه المشكلة، فإن تداعياتها قد تمتد إلى دول وصناعات أخرى.
ويرى ياسين أن ما يحدث في ألمانيا قد يعكس مشكلة أوسع في أوروبا، مشيرًا إلى أن ألمانيا، باعتبارها قاطرة الاقتصاد الأوروبي واقتصادًا صناعيًا، تواجه منافسة من الصين. أما الدولار، فيرى أنه لا يزال عملة الاحتياطي العالمية وسيبقى كذلك لفترة، لكنه قد يصبح مستقبلًا واحدًا من مجموعة عملات، بدل أن يظل العملة الرئيسية الوحيدة.
الذهب والودائع كملاذ آمن
وفي ظل عدم اليقين، يرى ياسين أن المستثمر الذي يملك سيولة لا ينبغي أن يبيع كل شيء، لكنه في المقابل لا يرى أن ضخ سيولة استثمارية جديدة هو الخيار الأفضل بالضرورة. ويعتبر أن الاحتفاظ بها في وديعة قد يكون مناسبًا، فيما يمكن أن تمثل التذبذبات فرصة للدخول عند أسعار أفضل.
أما الذهب، فيرى أن ارتفاع العوائد إلى مستويات 5% و6% يجعله أقل جاذبية كأداة استثمارية، لكنه لا يغير موقفه من المستثمر طويل الأجل. وبحسب رأيه، فإن تخصيص 20% إلى 25% من المحفظة للذهب ليس أمرًا خاطئًا ولا يمثل مخاطرة بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل.
وهكذا، تمتد صورة الأزمة من التضخم والطاقة والسندات والدين إلى الشركات والوظائف. وفي الحالة الألمانية تحديدًا، تقدم أرقام الإفلاسات وتسريح العاملين وتأجيل المستحقات صورة مباشرة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها سوق العمل عندما تتراكم ضغوط الطاقة والتمويل والمنافسة في وقت واحد.