في مشهد طبيعي استثنائي، تتحول بحيرة الملح الواقعة في وسط تركيا إلى ما يشبه الحضانة الجماعية لآلاف فراخ طيور الفلامينغو، حيث تتجمع الصغار في مجموعات متقاربة تحت حراسة مئات الطيور البالغة التي تتناوب على حمايتها ورعايتها.
نظام حضانة نادر في عالم الطيور
هذا السلوك الاجتماعي الفريد، الذي يُعرف بـ”نظام الحضانة”، لا تتبعه إلا أعداد محدودة جداً من أنواع الطيور في العالم. وتُعد بحيرة الملح، التي تقع عند ملتقى ولايات أنقرة وقونية وأقسراي، من أبرز الأراضي الرطبة وأهم مناطق تكاثر الفلامينغو عالمياً، إذ تفد إليها الأسراب سنوياً لوضع البيض وتربية الصغار.
ووفقاً لعمليات الرصد التي تجري ضمن مشروع حكومي لحماية الأنواع والموائل الطبيعية، سُجل هذا العام في البحيرة نحو 12 ألفاً و800 فرخ خرجت من البيض، وهو أحد أعلى معدلات التكاثر خلال السنوات الأخيرة. ويشرف على المشروع وزارة البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركية، بهدف حماية الأنواع المهددة والحفاظ على التنوع البيولوجي.
كيف تعمل الحضانة الجماعية؟
أوضح منسق المشروع، أستاذ علم الأحياء البروفيسور أحمد قره طاش، أن الفلامينغو من بين عدد محدود جداً من الطيور التي تعتمد هذا النظام في تربية الصغار. وأضاف في تصريحات لوكالة الأناضول أن نحو 50 نوعاً فقط من أصل قرابة 11 ألف نوع من الطيور في العالم تستخدم هذا النظام، ومنها الفلامينغو والبطريق.
وتابع: “لدينا هذا العام نحو 12 ألفاً و800 فرخ، وإذا افترضنا وجود أكثر من ستة آلاف زوج من الطيور البالغة، فإن أكثر من 5500 طائر يغادر يومياً للبحث عن الغذاء، بينما يبقى بضع مئات فقط مع الصغار”. وأشار إلى أن الطيور المتبقية في البحيرة تجمع الفراخ في مجموعات كبيرة وتحميها من الأخطار وتقودها إلى أماكن الغذاء المناسبة، قائلاً: “تماماً كما يترك الآباء أبناءهم في دور الحضانة أثناء ساعات العمل، تتولى مجموعة محدودة من الطيور رعاية آلاف الفراخ حتى عودة البقية”.
أمطار شتوية وربيعية تنعش موسم التكاثر
أكد قره طاش أن موسم التكاثر الحالي يُعد من أفضل المواسم خلال السنوات الأخيرة، مرجعاً ذلك إلى الأمطار الغزيرة التي هطلت في الشتاء والربيع، وساهمت في تحسين ظروف التكاثر والتغذية. وأضاف أن تأثير الأمطار امتد إلى بحيرات وأراض رطبة مجاورة مثل ترساكان وبوللق وكولو، بعد أن شهدت مستويات المياه فيها تحسناً عقب سنوات من الجفاف.
لكنه حذر من أن تحسن الموارد المائية لا ينبغي أن يؤدي إلى زيادة استهلاكها في الأنشطة الزراعية، وقال: “المياه ليست ملكاً للبشر أو للمزارعين فقط، بل هي حق لجميع الكائنات الحية، ولذلك يجب أن نتعاون جميعاً للحفاظ عليها”.
غذاء فريد من نوعه
أوضح قره طاش أن الفلامينغو لا يتغذى مثل معظم أنواع الطيور، بل يعتمد على كائنات دقيقة تعيش في المياه المالحة، أبرزها الروبيان الملحي المعروف باسم “أرتيميا سالينا”، إضافة إلى بعض أنواع الطحالب. وأشار إلى أن منقار الفلامينغو يحتوي على أعضاء دقيقة تشبه الأمشاط، تمكنه من تصفية المياه واستخراج غذائه، مما يجعل من المستحيل تقريباً أن يتغذى على الأسماك أو البذور أو النباتات.
وأضاف أن بحيرة الملح، إلى جانب بحيرتي ترساكان وبوللق في ولاية قونية، تمثل أهم مناطق التغذية لهذه الطيور، فيما تفضل أسراب الفلامينغو الجزء الأوسط من بحيرة الملح لوضع البيض وتربية الصغار.
وتُعد بحيرة الملح واحدة من أهم مواقع تكاثر الفلامينغو في العالم، إذ توفر بيئة تجمع بين المياه المالحة والمسطحات المفتوحة والموارد الغذائية اللازمة لنمو الصغار. ومع استمرار آلاف الطيور البالغة في التناوب يومياً بين البحث عن الغذاء ورعاية الفراخ، تتحول البحيرة كل صيف إلى واحد من أكثر مشاهد الحياة الفطرية تميزاً، في نموذج نادر للتعاون الجماعي في عالم الطيور.