انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

من برلين إلى باريس.. كيف توظف شبكات الإخوان المساجد في الانتخابات الأوروبية؟

من برلين إلى باريس.. كيف توظف شبكات الإخوان المساجد في الانتخابات الأوروبية؟

في مشهد يكشف توظيفاً متصاعداً لدور العبادة في الحياة السياسية الأوروبية، تحولت مناظرة انتخابية داخل مسجد دار السلام في برلين إلى مؤشر على آلية تعتمدها شبكات الإخوان لاستثمار الجمعيات الدينية في حشد الأصوات، والتفاوض مع المرشحين عبر تقديم المصلين باعتبارهم كتلة انتخابية يمكن توجيهها بالخطب وتوظيف احتياجاتها.

جاءت المناظرة قبل أسابيع من انتخابات برلمان برلين، المقررة في 20 سبتمبر، وتحولت إلى مواجهة عندما رفع كريستوف ماير، مرشح الحزب الديمقراطي الحر، صورة قديمة تظهر إمام المسجد مع شخصيات تتهمها جهات غربية بالعمل ضمن شبكات حماس.

ويضع مختصون هذه الواقعة في سياق ملف أوسع، وثّقته تقارير حكومية ومحاضر برلمانية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ويشمل دعوة المرشحين واستقبالهم في المساجد، واختبار مواقفهم، وإصدار توجيهات تصويت، وربط أي تأييد بتحقيق مكاسب مثل المقار والتمويل والخدمات ومواقع في المجالس البلدية.

ويلفت مختصون تحدثوا إلى “سكاي نيوز عربية” إلى أن شبكات الإخوان لا تحتاج إلى الظهور بوصفها حزباً معلناً، بل تعمل عبر مساجد وجمعيات ومدارس وكيانات اجتماعية، تستخدمها أداة للتأثير في الناخبين والمرشحين والقرارات المحلية.

مواجهة داخل مسجد برلين

نظمت جهة تقدم نفسها باسم “أئمة برلين” المناظرة داخل قاعة الصلاة في مسجد دار السلام بحي نويكولن، تحت شعار “السياسة عن قرب.. برلين في حوار”، في أجواء الانتخابات المقررة لبرلمان الولاية ومجالس الأحياء.

وشارك في اللقاء شتيفن كراخ عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وإليف إرالب عن حزب اليسار، وبتينا ياراش ممثلة حزب الخضر، إلى جانب كريستوف ماير عن الحزب الديمقراطي الحر، فيما لم يتلق حزب البديل من أجل ألمانيا دعوة للحضور.

وغاب شتيفان إيفرز، مرشح الاتحاد الديمقراطي المسيحي، عن اللقاء احتجاجاً على الشبهات التي تحيط بالجمعية المشغلة للمسجد وعلاقاتها السابقة بشبكات الإخوان.

أما ماير، فواجه المنظمين بصورة جماعية تعود إلى عام 2017، قال إنها تجمع إمام المسجد ورئيس جمعيته طه صبري بشخصيات تتهمها جهات غربية بالارتباط بشبكات حماس.

وقاطعت مديرة المناظرة إيمان أندريا رايمان ماير مراراً، وهددته بسحب الكلمة، ما حول اللقاء إلى قضية سياسية وإعلامية حول حدود استخدام المساجد في الحملات الانتخابية ذات الطابع الأيديولوجي. ونقلت صحيفة “تاغس شبيغل” أن وسائل إعلام عدة حُرمت من اعتماد تغطية المناظرة.

وأعادت الواقعة الضوء إلى “جمعية ملتقى نويكولن” المشغلة للمسجد، التي ظهر اسمها في تقارير هيئة حماية الدستور في برلين بين عامي 2014 و2016، بناءً على صلات رصدتها الهيئة مع جمعية وصفتها بأنها أبرز أطر أنصار الإخوان في ألمانيا.

وفي عام 2018، طلبت المحكمة الإدارية العليا في برلين توضيح طبيعة التوصيف الذي أطلقته تقارير حماية الدستور على الجمعية، من دون أن يمنع ذلك استمرار مراقبتها، فيما يبقي الحادث الجديد ملف علاقاتها مفتوحاً تحت المجهر.

فرنسا.. ساحات لاختبار المرشحين

وتقدم السجلات الرسمية للبرلمان الفرنسي تفاصيل أكثر وضوحاً حول تحويل المساجد إلى فضاءات لاختبار المرشحين والتفاوض معهم.

ففي أكتوبر 2025، أدلى عالم الاجتماع الفرنسي برنار روجيه بشهادته أمام لجنة تحقيق في الجمعية الوطنية حول الروابط بين السياسيين والشبكات التي تنشر الفكر الإسلاموي.

وأفاد روجيه بأن مرشحي الانتخابات البلدية في أوبرفيلييه خلال عامي 2008 و2014 تلقوا دعوات لتقديم برامجهم داخل مسجد الأخوة، وهو ما وصفه بأنه قريب من الإخوان، وخضعوا بعدها لتقييم مدى استجابتهم لمطالب قادة المسجد.

وأضاف أن مساجد أخرى شهدت إصدار تعليمات تحضّ المصلين على اختيار المرشح “الأقل سوءاً تجاه الإسلام”، كما تحدث عن شهادات متكررة حول قيام جمعيات بدور الوسيط مع البلديات للحصول على مساكن اجتماعية ووظائف وخدمات محلية، بحسب محضر الجلسة البرلمانية.

وفي مانت لاجولي، قدم روجيه نموذجاً قال إنه قام على منح مزايا مادية لمؤسسات تدور في فلك مسجد تسيطر عليه شبكة إسلاموية، مقابل استفادة سياسيين محليين من أصوات النسيج الجمعوي المرتبط بها.

وتتقاطع هذه الوقائع مع تقرير “الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا”، الذي أصدرته وزارة الداخلية الفرنسية في مايو 2025.

وتضمن التقرير رصداً لآلية تبدأ بتعبئة الناخبين في الأحياء، مروراً بإصدار توصيات انتخابية، والتفاوض لإدماج مطالب فئوية في برامج المرشحين، وصولاً إلى السعي لنيل مواقع داخل المجالس البلدية أو على القوائم الانتخابية.

ولا تتطلب هذه الآلية حضوراً وطنياً واسعاً؛ ففي الانتخابات المحلية المتقاربة، تكفي مئات الأصوات المنظمة لتتحول إلى ورقة ضغط تستخدم في مساومة المرشحين على التمويل والمقار والتعيينات والقرارات البلدية.

بريطانيا.. واجهات بلا اسم الإخوان

وتوثق المراجعة الرسمية التي أجرتها الحكومة البريطانية لجماعة الإخوان الجذور المبكرة للأسلوب ذاته.

فقد خلصت المراجعة إلى أن الجماعة وحلفاءها أسسوا منذ تسعينيات القرن الماضي منظمات بواجهات عامة لم تعلن صراحة ارتباطها بالإخوان، بينما بقيت العضوية الفعلية داخل الجماعة سرية.

وذكرت المراجعة أن رابطة مسلمي بريطانيا أصبحت ناشطة سياسياً، وروّجت لمرشحين في الانتخابات الوطنية والمحلية، في حين تمكنت منظمات أخرى من فرض نفسها طرفاً محاوراً للحكومة والشرطة ومؤسسات الدولة.

ويكشف النموذج البريطاني أن شبكات الإخوان لا تحتاج إلى وضع اسم الجماعة على مقارها أو مرشحيها، بل تتقدم عبر جمعيات تدّعي تمثيل المسلمين، وتستخدم هذا الادعاء للوصول إلى المسؤولين والتأثير في المؤسسات.

شبكات محلية ومؤشرات انكشاف الحشد

من جهتها، ترى فلورنس بيرجو-بلاكلر، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ورئيسة المركز الأوروبي للبحث والمعلومات حول الإخوانية، أن شبكات الإخوان تسعى إلى تقديم نفسها بصفتها “الوسيط الإلزامي” بين الناخبين المسلمين والمرشحين.

وتذهب إلى أن تحويل المسجد إلى أداة سياسية يبدأ حين يُعرض التصويت لمرشح بعينه بوصفه واجباً دينياً أو دفاعاً عن المسلمين ضد خطاب الملاحقة و”الإسلاموفوبيا”.

وتضيف أن الجماعة تدرك صعوبة تمرير مشروعها باسمها داخل الأنظمة الغربية، لذلك تلجأ إلى التأثير غير المباشر عبر المساجد والجمعيات والمدارس والمنصات الحقوقية.

ويحوّل هذا الأسلوب تنوع آراء المسلمين إلى كتلة انتخابية يزعم قادة الجمعيات امتلاكها، ثم يعرضونها على المرشحين مقابل الاستجابة لمطالبهم.

أما فرانك فارنيل، الخبير في العلاقات الدولية، فيرى أن شبكات الإخوان تعمل عبر منظومة مترابطة من المساجد والجمعيات الخيرية والمدارس والكيانات المجتمعية، بدلاً من التحرك عبر حزب سياسي معلن.

ولا يتعلق الأمر بماكينة انتخابية أوروبية موحدة، بل بمنظومات محلية تستخدم الأساليب نفسها: تنظيم الناخبين، والتأثير في المرشحين، والتفاوض مع السلطات، وتقديم شخصيات مرتبطة بها لشغل مواقع سياسية أو جمعوية.

ويحدد فارنيل مؤشرات تكشف هذا النشاط، أبرزها تكرار توجيهات التصويت، وإعلان دعم مرشحين بعينهم، واستخدام موارد المساجد والجمعيات الخيرية في الحملات الانتخابية، وتداخل القيادات بين المؤسسات الدينية والكيانات السياسية.

وتشمل المؤشرات أيضاً وجود مفاوضات تربط الدعم الانتخابي بالحصول على تمويل عام أو مقار أو تراخيص بناء أو تعيينات ومواقع على القوائم الانتخابية.

ويتطلب تتبع هذه الشبكات فحص أعضاء مجالس الإدارة المشتركين، والمانحين، والعناوين، والشركات العقارية، والوسطاء الماليين، إلى جانب مقارنة الرسائل الداخلية الموجهة إلى الأعضاء بالخطاب الذي يقدم إلى السلطات والإعلام.

ويقوم كشف النمط على تقاطع مسارات المال والقيادات والتوجيه الانتخابي والمطالب المحلية، بما يفضح انتقال النشاط من العبادة والعمل الخيري إلى بناء شبكات للضغط السياسي.

ومن برلين إلى ضواحي باريس ومدن بريطانيا، لا يظهر الإخوان باسمهم عند صناديق الاقتراع، بل يصلون إليها عبر المسجد والجمعية والوسيط الذي يزعم امتلاك أصوات المصلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني