سباق زمني لتجنب الرسوم
دخلت المكسيك والولايات المتحدة في مفاوضات مكثفة لإنجاز اتفاق تجاري ثنائي خلال أقل من ثمانية أسابيع، وذلك قبل موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة في الثالث من نوفمبر. يأتي هذا التسرع بعد انهيار المحادثات بين واشنطن وكندا وتصاعد التوترات الجمركية بين الجارين.
هدف الاتفاق والمقترحات المطروحة
وفقًا لستة مصادر مطلعة على المفاوضات نقلتها وكالة رويترز، يسعى الطرفان إلى اتفاق مؤقت يمنح المكسيك إعفاءات أو تخفيضات في بعض الرسوم الأمريكية مقابل تنازلات في مجالات مثل قواعد محتوى السيارات والاستثمارات الصينية في المكسيك. وأكد مصدر مكسيكي أن عامل الوقت بات حاسمًا للحكومة المكسيكية.
دافع المكسيك الداخلي
تسعى الرئيسة كلوديا شينباوم إلى إنجاز الاتفاق بسرعة لتخفيف مخاوف ضعف الاقتصاد وتحسين التصنيفات الائتمانية للديون المكسيكية. وقدمت إدارة شينباوم هذا الأسبوع مشروع موازنة البلاد لعام 2027، وترى أن الاتفاق مع واشنطن سيُطمئن الأسواق ويعزز ثقة المستثمرين.
موقف وزارة الاقتصاد mexican
نفت وزارة الاقتصاد المكسيكية وجود موعد نهائي محدد لإتمام الاتفاق، مؤكدة استمرار الالتزام بالحوار مع واشنطن. وقالت متحدثة باسم الوزارة: «لا توجد مواعيد نهائية محددة في الوقت الحالي»، مشيرة إلى أن المفاوضات ما زالت مفتوحة.
التطورات بعد انهيار محادثات كندا
جاء التحرك المكسيكي المكثف بعد انهيار المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا الشهر الماضي، مما دفع واشنطن لفرض حظر على واردات كندية متنوعة مثل المشروبات الكحولية والدراجات النارية ومنتجات الألبان، بينما تعهدت أوتاوا بالرد برسوم مماثلة على المنتجات الأمريكية.
الاعتماد على السوق الأمريكية
تستند المكسيك بشكل كبير إلى السوق الأمريكية، إذ تتجه أكثر من 80% من صادراتها إلى جارتها الشمالية، ما يجعل استقرار العلاقات التجارية مع واشنطن أمرًا حيويًا للاقتصاد المكسيكي.
اجتماع افتراضي بين شينباوم ولوتنيك
في مؤشر على تسارع وتيرة المفاوضات، عقد وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك اجتماعًا افتراضيًا مع شينباوم يوم الخميس لمناقشة الملفات التجارية. كان الاجتماع مُقرَّرًا أصلًا حضوريًا، ويأتي بعد أقل من أسبوعين من طرح شينباوم تشريعًا يمنح الحكومة صلاحيات جديدة لمراجعة ومنع الاستحواذات الأجنبية على الشركات المكسيكية.
التشريع المقترح والاستثمارات الصينية
ينظر إلى هذا التشريع على أنه استجابة لضغوط أمريكية لتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في المكسيك، إذ سيُنشئ نظامًا لفحص الاستثمارات الأجنبية يشبه النماذج المستخدمة في الولايات المتحدة وكندا، مما يسمح للسلطات المكسيكية بالتدقيق في بعض الاستثمارات والاستحواذات الأجنبية.
مستقبل اتفاق USMCA
تجري المحادثات الأمريكية-المكسيكية في إطار محاولة التوصل إلى اتفاق ثنائي مؤقت، بالتزامن مع استمرار المفاوضات حول اتفاق التجارة الثلاثي لأمريكا الشمالية (USMCA). وقد ارتفع مستوى عدم اليقين حول الاتفاق الثلاثي في يوليو بعد رفض الولايات المتحدة تجديده لمدة 16 سنة إضافية.
الرسوم الجمركية كعقبة رئيسية
ما زالت الرسوم المفروضة بموجب المادة 232 من قانون التجارة الأمريكي تمثل أكبر عائق أمام أي اتفاق مؤقت، حيث تفرض واشنطن رسومًا بنسبة 50% على واردات الصلب والألومنيوم من المكسيك وكندا، و25% على السيارات. وفي المقابل، نجحت إدارة ترمب في التوصل إلى ترتيبات جمركية أقل مع شركاء آخرين، مثل 15% على سيارات اليابان والاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية، و10% على السيارات البريطانية.
ما تريده واشنطن مقابل خفض الرسوم
تعتقد شركات عاملة في قطاع السيارات أن واشنطن قد تقدم للمكسيك نفس الإطار الذي نوقش مع كندا، أي فرض رسوم بنسبة 15% على واردات السيارات مع خفض إضافي عند زيادة المحتوى الأمريكي، ما قد يخفض المعدل الفعلي إلى نحو 7%. ومن المتوقع أن تقدم المكسيك تنازلات بزيادة المكونات الأمريكية في السيارات المصنعة أو المصدرة منها، خاصة المحركات والإلكترونيات والبرمجيات.
وجهة نظر مكسيكية حول متطلبات المحتوى
قال مصدر مكسيكي ثانٍ إن المكسيك تعارض فرض متطلبات صريحة لنسبة المحتوى الأمريكي، لكنها ستعمل على صيغة تساعد في زيادة المحتوى القادم من الولايات المتحدة، مضيفًا أن السؤال الأكبر يتمثل في الشكل النهائي للحل التوافقي.
بعد سياسي للاتفاق
لا تقتصر دوافع التوصل إلى الاتفاق على الجانب التجاري فحسب، بل تحمل أبعادًا سياسية لكل من واشنطن ومكسيكو سيتي. يرى مسؤولون ومراقبون أن إبرام الاتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي قد يمنح ترمب والحزب الجمهوري فرصة لإنجاز اقتصادي يُقدَّم كنجاح في وقت يواجه الحزب خطر فقدان السيطرة على الكونغرس، كما قد يساعد في خفض أسعار بعض السلع للمستهلكين الأمريكيين.
رأى خبير تجاري
قال دييجو ماروكين بيتار، خبير التجارة بأمريكا الشمالية، إن الإدارة الأمريكية يمكنها تقديم الاتفاق كانتصار سياسي، وربما تحميل كندا مسؤولية عدم التوصل إلى اتفاق معها. وفي الوقت نفسه، تحتاج شينباوم إلى تقدم مع واشنطن لدعم الاقتصاد المكسيكي وطمأنة المستثمرين والأسواق، ما يجعل التوصل إلى تسوية ثنائية مكسبًا سياسيًا واقتصاديًا للطرفين.
نافذة زمنية ضيقة
بهذا الشكل، تجد واشنطن ومكسيكو سيتي أنفسهما أمام نافذة زمنية ضيقة للتوصل إلى تسوية تجارية مؤقتة قبل الثالث من نوفمبر، بينما أصبحت العلاقات التجارية في أمريكا الشمالية أكثر تعقيدًا بعد انهيار مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وكندا. رغم عدم وجود موعد نهائي رسمي، فإن الضغوط السياسية والاقتصادية تدفع الطرفين إلى تسريع المحادثات، بينما تبقى ملفات الرسوم الجمركية وقطاع السيارات والاستثمارات الصينية ومستقبل اتفاق USMCA من القضايا الحاسمة التي ستحدد ما إذا سينتهي السباق باتفاق أم بمزيد من الخلافات التجارية.