أكد البروفيسور بايزيد أقمان، أستاذ التاريخ والأدب في جامعة أنقرة للعلوم الاجتماعية، أن المترجم الإيطالي جيرارد الكريموني يُعد من أبرز الشخصيات التي هيأت الأرضية لقيام النهضة العلمية في أوروبا، إذ قام بنقل قسم كبير من الموروث العلمي الذي ازدهر في ظل الحضارة الإسلامية إلى العالم اللاتيني، مما فتح الباب أمام التحول الفكري الذي سبق عصر النهضة الأوروبية.
وقال أقمان، المعروف بإصداراته التاريخية القائمة على البحث الأكاديمي، في حوار مع وكالة الأناضول، إن جيرارد، الذي جعله بطلاً لروايته الجديدة “جيرارد الأندلسي”، لم يكن مجرد ناقل للنصوص، بل شخصية غيّرت مسار تاريخ المعرفة في أوروبا بعدما كرّس حياته لنقل العلوم العربية والإسلامية إلى اللغة اللاتينية.
رحلة البحث عن “المجسطي” وكنوز الأندلس
وأوضح أقمان أن قصة جيرارد انطلقت في القرن الثاني عشر عندما بحث في أنحاء متفرقة من أوروبا اللاتينية عن كتاب “المجسطي” للفلكي الإغريقي بطليموس، وهو من أهم المؤلفات في تاريخ علم الفلك، لكنه لم يعثر عليه.
وأضاف أن ذلك دفع جيرارد إلى ترك مدينته كريمونا في شمال إيطاليا، والانطلاق في رحلة شاقة نحو الأندلس، التي كانت آنذاك أحد أبرز مراكز العلم والمعرفة في العالم.
وأشار أقمان إلى أن جيرارد لم يجد في الأندلس النسخة العربية من “المجسطي” فحسب، بل اكتشف أيضاً ثروة علمية هائلة تضم مؤلفات لكبار العلماء والفلاسفة، من بينهم أرسطو وأبقراط والخوارزمي وابن سينا، مما حمله على تعلم اللغة العربية بإصرار، ثم بدأ العمل مع عالم أندلسي يُدعى غالب لترجمة تلك المؤلفات.
وأضاف أن جيرارد أمضى نحو أربعين عاماً في ترجمة أكثر من ثمانين كتاباً من العربية إلى اللاتينية، شملت أعمالاً في الفلك والطب والرياضيات والفلسفة، منها مؤلفات إقليدس وابن الهيثم والفارابي والكندي، مؤكداً أن أثر تلك الترجمات لا يزال ماثلاً في كثير من العلوم الحديثة، من الرياضيات إلى الفلك.
شخصية صنعت التاريخ وبقيت في الظل
ورأى أقمان أن جيرارد، رغم تأثيره الكبير في تاريخ العلوم، ظل لقرون شخصية شبه مجهولة، ولم يُذكر غالباً إلا في بضعة أسطر داخل الموسوعات.
وأوضح أنه تعرّف إلى هذه الشخصية أثناء دراسته للدكتوراه في الولايات المتحدة، ثم عاد إليها مراراً خلال نحو خمسة عشر عاماً من أبحاثه الأكاديمية، ولا سيما أثناء إعداده رواية “1492: أبواب الجنة”.
وأضاف أن أكثر ما لفت انتباهه في سيرة جيرارد هو استعداده للتخلي عن حياته كلها من أجل البحث عن كتاب واحد، قبل أن يجد نفسه أمام إرث علمي هائل راكمته الحضارة الإسلامية عبر قرون.
وأكد أن هذا الجانب الإنساني والعلمي من القصة يستحق أن يصل إلى جمهور أوسع، خاصة أنه يبرز الدور الذي أداه علماء الحضارة الإسلامية، مثل ابن سينا والخوارزمي والفارابي، في انتقال المعرفة بين الحضارات.
النهضة الأوروبية لم تولد من فراغ
وفي تقييمه لأوروبا قبل حركة الترجمة، دعا أقمان إلى توخي الدقة عند استخدام مصطلح “العصور المظلمة”، موضحاً أن الحياة الفكرية في أوروبا اللاتينية كانت محدودة مقارنة بما كان يشهده العالم الإسلامي من ازدهار علمي وثقافي.
وقال إن الوصول المباشر إلى التراث اليوناني القديم كان محدوداً في أوروبا آنذاك، بينما كانت الحياة الفكرية تدور إلى حد كبير في إطار المؤسسات الدينية، مشيراً إلى أن الجدل بين الإيمان والعقل كان حاضراً بقوة.
وأضاف أن مفكرين مثل بيير أبيلار واجهوا معارضة بسبب دعوتهم إلى إعمال العقل، كما تعرضت بعض مؤلفات أرسطو وابن رشد للحظر في باريس خلال القرن الثالث عشر، مؤكداً أن تقبل الفكر العلمي لم يكن مساراً سهلاً أو مستقيماً، وأن محاكمة غاليليو غاليلي تمثل أحد أشهر تجليات هذا الصراع.
وأوضح أن أهمية جيرارد تكمن في أنه نقل إلى اللاتينية المعرفة التي حفظها وطورها علماء الحضارة الإسلامية عبر قرون، الأمر الذي وفر قاعدة علمية وفكرية أسهمت لاحقاً في قيام عصر النهضة الأوروبية.
الخوارزمي في قلب التكنولوجيا الحديثة
ورفض أقمان النظر إلى علماء مثل ابن سينا والخوارزمي وابن رشد باعتبارهم مجرد وسطاء نقلوا التراث اليوناني، مؤكداً أنهم لم يكتفوا بالترجمة، بل طوروا المعرفة وأضافوا إليها وقدموا إسهامات أصلية.
وأشار إلى أن كتاب “القانون في الطب” لابن سينا ظل لقرون مرجعاً أساسياً في الجامعات الأوروبية بفضل منهجه في تصنيف الأمراض، فيما أسهمت أعمال الخوارزمي في تأسيس علم الجبر بوصفه علماً مستقلاً.
وأضاف أن الأرقام الهندية العربية، إلى جانب مفهوم الصفر، أحدثت ثورة في العمليات الحسابية مقارنة بالأرقام الرومانية، لافتاً إلى أن كلمة “الجبر” مشتقة من عنوان كتاب الخوارزمي، بينما جاءت كلمة “الخوارزمية” (Algorithm) من الصيغة اللاتينية لاسمه.
وقال: “حين نتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، فإننا في الواقع نستحضر إرث الخوارزمي، إذ لا يزال اسم عالم رياضيات عاش قبل أكثر من ألف عام حاضرا في قلب التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى الأنظمة المصرفية”.
رواية تمزج التاريخ بالمغامرة
وأشار أقمان إلى أن روايته “جيرارد الأندلسي” تقدم للقارئ مغامرة تاريخية تبدأ بالبحث عن كتاب مفقود، قبل أن تتحول إلى رحلة لكشف أسرار مخطوطات ومكتبات وكنوز معرفية شكلت مسار الحضارة الإنسانية.
وأوضح أن أحداث الرواية تنتقل بين روما وباريس وقرطبة وطليطلة، وتروي كيف انتقلت إلى أوروبا علوم الرياضيات والطب والفلك والفلسفة التي تطورت في العالم الإسلامي.
وختم بالقول إن السؤال الذي تطرحه الرواية حتى صفحاتها الأخيرة هو: “هل يمكن لكتاب واحد أن يغير مصير إنسان، بل مصير حضارة بأكملها؟”، مؤكداً أن الإجابة تكمن في قصة حقيقية أخفتها صفحات التاريخ طويلاً، لكنها أسهمت في تغيير وجه العالم.