المشكلة ليست في مجرد عبارة لافتة، بل في طريقة توظيفها. فالمفهوم المتداول لا يقدم معيارًا علميًا دقيقًا ولا حسابًا أخلاقيًا متوازنًا، بل يعمل كحكم مسبق: أي رحمة تُذكر تصبح «استثمارًا قاتلًا»، وأي سياسة إنسانية تُوصف بأنها «تدمير». وعندما يُطرح بهذا الشكل، فإنه لا يناقش الواقع بل يُحوِّله إلى تهمة.
القفزة المغالطة في منطق العبارة
أولاً، يحمل منطق العبارة قفزة مغالطة تخلط بين التعاطف وغياب التخطيط. فقد يكون للإنسان عطف حقيقي، ومع ذلك يضع ضوابط رعاية وتقييمًا وإدارة. كما قد تكون دولة «واقعية» بلا عطف، لكنها تدفع ثمنًا أخلاقيًا واقتصاديًا بالغًا لأن غياب المعايير يولد عنفًا وفسادًا وفشلًا مؤسساتيًا. فليس «التعاطف» وحده ما يحدد النتيجة، بل بنية النظام: التمويل، والقانون، والإجراءات، والتوافق الاجتماعي، وشفافية التنفيذ. عندما تُختزل الأسباب في عامل واحد – التعاطف – فإننا نفقد أدوات التفسير بدل أن نكسبها.
التأطير الانتقائي وإعفاء السياسات من المحاسبة
ثانيًا، تُمارس العبارة «تأطيرًا انتقائيًا» يُسقط من الحساب ما لا يخدمها. فبدلاً من أن نقول: هل توجد سياسات هجرة أو رعاية أو اندماج سيئة التنفيذ؟ نقول: إن أصل الداء هو «التعاطف» نفسه. هذا يُعفي القائل من سؤال جوهري: ما هي السياسة تحديدًا؟ ما أثرها على المدى القصير والمتوسط والطويل؟ وما البدائل؟ وكيف نمنع استغلال الحاجات الإنسانية بدل أن ننقضها؟ إن تحريك المشاعر ضد «التعاطف» بدل محاسبة السياسات هو أسلوب جدلي لا بحثي.
ربط الأخلاق بالعداء لهويات بعينها
ثالثًا، تتغذى العبارة – كما شاع في الخطاب المرتبط بها – على ربط الأخلاق بالعداء لهويات بعينها. في النقاش العام، ارتبط المصطلح بخطاب يتحدث عن «المهاجرين» و«المسلمين» و«السود» وغيرهم بحسب ما تقتضيه الحاجة، باعتبارهم تهديدًا حضاريًا، وليس باعتبارهم بشرًا داخل منظومة قوانين ومتطلبات اندماج. هذا الربط ليس تفصيلًا جانبيًا؛ إنه يغير طبيعة النقاش من «كيف ننظم العيش المشترك؟» إلى «من نجلده أو نُبعده؟». والانتقال من سؤال إدارة إلى سؤال إقصاء هو نقطة الانحراف الأكبر، لأن الإقصاء يُبرَّر أخلاقيًا على طريقة: نحن لا نكره الناس، نحن «نحمي الحضارة». وهنا تتشكل خطورة المفهوم: يصبح غطاء لغريزة التمييز.
خلفية المفهوم وأصوله الفكرية
رابعًا، ثمة سؤال عن من أين جاءت هذه الفكرة، لأن أي نظرية اجتماعية – حتى إن لبست لغة التحليل – قد تحمل تاريخ صاحبها ومصالحه ومصادر إلهامه. يُذكر أن المصطلح ارتبط بصياغات ومنشورات الدكتور جاد سعد، وهو مؤلف وكاتب كندي يهودي الأصل، مع خلفية مرتبطة بحياته أو لنقل شبابه الذي قضاه في لبنان قبل أن يهاجر إلى كندا. هذه المعلومات بالذات تعطينا مؤشرات أو على الأقل تحرك أجراس إنذار داخلية عند المتلقي مما يشكك في صياغة نظريته وما وراءها. إن ذلك يذكّرنا بقاعدة معرفية: لا توجد أفكار «تولد من فراغ»، بل هناك مسار اجتماعي وشعوري يوجّه أسئلة الباحث. عندما نعرف خلفية الكاتب، لا نبحث عن «تدين» أو «نقاء قلب» بقدر ما نبحث عن زاوية الرؤية: ما الذي يجعله يفسر التعاطف بوصفه خطرًا؟ ولماذا تكون النتيجة المتوقعة دائمًا ضد الفئات الضعيفة؟ إن كشف الخلفية لا يبرّر الهجوم، بل يطلب من القارئ يقظة: هل يبني صاحب النظرية استنتاجاته من حالات معقدة أم من سرديات تُستخدم كذخيرة؟
ضرورة التوازن بين الرحمة والعدل
خامسًا، حتى لو افترضنا – جدلًا – أن «التعاطف بلا حدود» قد يسبب ضررًا في بعض السياقات (وهذا ممكن)، فإن ذلك لا يثبت شيئًا اسمه «التعاطف الانتحاري». فالضرر لا يثبت أن الرحمة «مرض»؛ يثبت فقط ضرورة التوازن بين الرحمة والعدل والقدرة المؤسسية. التوازن هنا هو جوهر الأخلاق السياسية: أن نرحم دون أن نُهمل، وأن نضع شروطًا دون أن نتحول إلى قساوة تلقائية. أما عندما يتحول خطاب «التعاطف الانتحاري» إلى شعار سياسي ضد جماعات بعينها، فإنه يتجاوز التحذير ليصبح أداة تعبئة.
تحويل التعاطف إلى عدو أخلاقي
سادسًا، لنكن أكثر صراحة: في المجتمعات المتوترة، تُستخدم أفكار من هذا النوع لتقديم «عدو أخلاقي». بدلاً من مواجهة التعقيد المؤسسي – الوظائف والاقتصاد والاندماج والفساد وقرارات الدولة – يُقدّم العدو: «أولئك الذين يشعرون كثيرًا». وحين يكون العدو شعورًا، يسهل ضربه لأن الاعتراض عليه يُصوَّر كأنك ترفض الإنسانية! وهنا تُصنع فخاخ عقلية: إن قلت «نحن نحتاج إدارة»، اتهموك بقلة الرحمة؛ وإن قلت «نحن نحتاج رحمة»، اتهموك بالغباء أو بالخيانة. هذا هو منطق الجدل الذي لا يفضي إلى حل.
سؤال أخير حول التحكم في الأخلاق السياسية
سؤال أخير يُلزمنا به هذا الخطاب: عندما تتحول الرحمة إلى «اتهام» وتُستبدل محاسبة السياسات بمحاسبة النوايا، فمن سيحكم على من؟ وهل سنقبل أن تكون حياتنا الأخلاقية – التي من المفترض أن توازن بين العدالة والإنسانية – مسجونة تحت شعار واحد يختصر الواقع ويُحمِّل الضعفاء ثمن سوء الإدارة والقلق السياسي؟ سؤال يجب أن يطرأ على فكر كل مواطن في الغرب وبخاصة في أمريكا، أجراس تدق وهم لا يزالون في غفلة عمن يتحكم بهم!