تبحث سوريا ولبنان تحويل الجغرافيا المشتركة بينهما إلى بوابة اقتصادية نحو أسواق المنطقة وأوروبا، عبر تكامل يشمل الاستثمار وإعادة الإعمار والنقل والمرافئ وإزالة العوائق أمام حركة التجارة ورؤوس الأموال.
انعقد المنتدى اللبناني-السوري للاستثمار في بيروت يوم الأربعاء برعاية الرئيس اللبناني جوزاف عون، وشارك فيه وفد حكومي سوري واسع ونحو 400 من رجال الأعمال والمسؤولين من البلدين.
يأتي هذا اللقاء في وقت تسعى فيه سوريا لاستعادة عافيتها الاقتصادية بعد سنوات الحرب، بينما يبحث لبنان عن سبل لتحريك اقتصاده واستقطاب الاستثمارات.
ويعقد المنتدى amid إعادة رسم للعلاقات بين بيروت ودمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع توجه رسمي نحو الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من معالجة الملفات العالقة إلى الشراكات والاستثمارات والمشاريع المشتركة.
المنتدى وآفاق الشراكة
ناقش المنتدى أكثر من مجرد التبادل التجاري، إذ شمل الاستثمار وتمويل الاقتصاد وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى النقل والمرافئ وسبل الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
ويشير الوزير اللبناني للاقتصاد والتجارة عامر البساط إلى أن أهمية المنتدى تكمن في أنه يأتي ضمن “فتح صفحة جديدة” في العلاقات بين البلدين، بالتزامن مع تحولات كبيرة تشهدها المنطقة.
ويقول البساط للأناضول إن العلاقة بين لبنان وسوريا “لا تشبه أي علاقة بين أي دولتين أخريين” نظراً للروابط الجغرافية والتاريخية والعائلية بينهما، ويضيف أن التحولات الإقليمية بما فيها الحروب وتغير أنماط التجارة والحواجز الجمركية “تغير خريطة المنطقة”.
ويعتقد أن لبنان وسوريا يمكن أن يشكلا جزءاً أساسياً من خريطة جديدة تربط البحر المتوسط بالأسواق العربية عبر مسارات برية تصل إلى تركيا والأردن والعراق ودول الخليج، مشيراً إلى أن الاقتصادين اللبناني والسوري “يكملان بعضهما” ولا يُطلب تحويلهما إلى “اقتصادين متنافسين” بل الاستفادة من عناصر التكامل وربطها بالخريطة الاقتصادية الجديدة للمنطقة.
ويوضح أن المسار بدأ منذ مايو/أيار الماضي على مستوى الحكومة مع تشكيل لجنة وزارية عليا تبحث نحو 40 بروتوكولاً واتفاقية، بينها اتفاقية اقتصادية، وأن المنتدى ينقل هذا المسار إلى القطاع الخاص ويضعه في صلب العملية كونه الطرف القادر على الاستثمار والتشبيك والاستفادة من الفرص المتاحة، بينما يتركز دور الحكومات على “تهيئة الأرضية” المناسبة أمام الاستثمارات.
النقل والبنية التحتية
يحتل النقل مكاناً بارزاً في النقاش الاقتصادي بين البلدين بوصفه أحد المفاتيح لتحويل الموقع الجغرافي المشترك إلى ميزة اقتصادية.
ويقول وزير النقل السوري يعرب بدر للأناضول إن مهمة المنتدى تتمثل في تعريف المستثمرين السوريين واللبنانيين بآفاق العمل المشترك، بينما تقع على عاتق الحكومتين توفير مستلزمات التعاون، بما في ذلك البنى التحتية والطرق والنقل والتسهيلات الحدودية.
ويضيف بدر أن تسهيل انتقال الأشخاص والمركبات والبضائع والأموال والمعلومات بين البلدين يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق “التكامل الاقتصادي”، ويمكن أن يصبح هذا التكامل محركاً للإنتاج وتحسين مستوى الرفاه.
ويشير إلى أن المنتدى يبحث مسائل النقل والمرافئ والاستثمار وتجاوز العقبات التي تحول دون وصول لبنان وسوريا إلى الأسواق الإقليمية.
العقبات التجارية والاستثمارات
من الجانب اللبناني، يربط رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير نجاح المرحلة الجديدة بقدرة الحكومتين على ترجمة التقارب السياسي إلى إجراءات عملية.
ويقول شقير للأناضول إن مشاركة وفد سوري رفيع المستوى يضم عدداً من الوزراء تمثل رسالة إلى لبنان بشأن اهتمام دمشق بتطوير العلاقات، ويؤكد أن القرار السياسي بفتح مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين قد اتخذ.
ويشير إلى وجود 42 اتفاقية قديمة يجري العمل على تعديلها، داعياً الحكومة اللبنانية إلى الإسراع في إنجازها تمهيداً لإعادة توقيعها.
ويعتقد شقير أن الفرصة الاقتصادية لا تقوم على المنافسة بين الاقتصادين بل على الشراكة، موضحاً أن لدى اللبنانيين خبرات ووكالات وقدرات يمكن أن تساعد في مرحلة التعافي السوري، بينما يمكن للاقتصاد السوري أن يشكل مجالاً مكملاً للاقتصاد اللبناني.
ويحدد ثلاثة ملفات يرى ضرورة معالجتها بعد المنتدى: إلغاء الإذن المسبق بين البلدين، ومعالجة الفوارق في الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات، وضمان معاملة الشاحنات اللبنانية في سوريا بالمثل مع الشاحنات السورية في لبنان.
الربط السككي وأوروبا
لا ينظر منظمو المنتدى إلى التعاون اللبناني‑السوري باعتباره مسألة تجارية محدودة، بل يربطونه بمسار أوسع لإعادة تنشيط الاقتصادين وفتح المجال أمام المستثمرين.
ويقول المنظم أحمد هاشمية إن سوريا بدأت مرحلة تعافٍ، بينما يحتاج لبنان أيضاً إلى التعافي بعد الحرب، معتبراً أن الهدف هو أن يسير البلدان في هذا المسار بصورة متوازية.
ويوضح أن المنتدى يسعى إلى جمع الخبرات والشركات ورؤوس الأموال والحكومات من أجل تبديد المخاوف لدى المستثمرين وتشجيع السوريين على الاستثمار في لبنان واللبنانيين على الاستثمار في سوريا.
ويذكر هاشمية أن الحكومة اللبنانية تعمل على مراجعة الاتفاقيات السابقة بين البلدين تمهيداً لإعادة صياغتها بما يضمن حقوق المستثمرين من الجانبين، ويختصر العلاقة الاقتصادية بين البلدين بالقول إن لبنان وسوريا بمثابة “رئة واحدة”، وأن تعافي أحدهما يمكن أن يساعد الآخر، مستنداً إلى ما يراه من تكامل في الخبرات والقدرات والفرص الاستثمارية.
ويبرز الربط السككي الإقليمي ضمن المشاريع التي ينظر إليها الجانب اللبناني باعتبارها فرصة تتجاوز حدود البلدين، ويقول هاشمية إن مشروع الربط السككي بين سوريا وتركيا مهم بالنسبة للبنان.
ويعتبر أن وصول لبنان إلى سوريا وربط الأخيرة بتركيا يمكن أن يفتح طريقاً نحو الأسواق الأوروبية، ويرى شقير أن استفادة لبنان من هذا المسار ستكون كبيرة، إذ أن ربط لبنان بسوريا ثم بتركيا يعني الوصول إلى أوروبا عبر شبكة نقل إقليمية أكثر تكاملاً.
ويوم الاثنين بحث وزير النقل السوري يعرب بدر ومدير النقل البري والبحري اللبناني مازن بصبوص تعزيز الربط البري والبحري والرقمي بين البلدين.
وقد سبق ذلك في 14 سبتمبر/أيلول الجاري بحث وفد من وزارة النقل والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية في لبنان إعادة تفعيل الربط السككي بين البلدين وفق وكالة “سانا”.
وفي 25 أغسطس/آب الماضي أعلن بدر ونظيره اللبناني فايز رسامني عقب مباحثات في دمشق التوصل إلى تفاهمات لتطوير النقل والخدمات اللوجستية، وتشكيل فريق فني لمتابعة تنفيذها، ووضع خطط لمشاريع الربط السككي بين البلدين.