منذ نحو خمسة عقود، حمل المصور السوري جمعة سليمان كاميرته لتسجيل ذاكرة مدينته دير الزور، شرقي سوريا. تجول بعدسته بين جمال نهر الفرات وتفاصيل الحياة التقليدية، ثم مشاهد الدمار الذي خلفته الحرب، وصولاً إلى خطوات إعادة الإعمار. ولم تقتصر صوره على حفظ ملامح المدينة وتحولاتها فحسب، بل ساهمت – وفقاً لقول سليمان – في تعزيز فكرة العودة لدى بعض أبنائها الذين غادروها خلال سنوات النزاع.
وقال سليمان، في حديث لوكالة الأناضول، إن رحلته مع التصوير انطلقت عام 1970 عندما اشترى آلة تصوير بسيطة في الثانية عشرة من عمره. في سنواته الأولى التقط صوراً لنهر الفرات والفيضانات والحياة الريفية والنسيج التاريخي للمدينة، قبل أن يجعل توثيق حياتها الاجتماعية والثقافية مهمة يواصلها منذ عقود.
نهر الفرات.. مصدر الإلهام الأول
كشف سليمان أن نهر الفرات كان أكثر ما أثر فيه خلال طفولته وشبابه. وأوضح: “كان الناس يتوافدون إلى ضفاف النهر في الربيع، وكانت طبيعة الفرات وأشجاره والحياة من حوله والتقاليد والأسواق القديمة تسحرني”. وأضاف: “كنت أرغب في تصوير كل ما هو جميل، ولا سيما المهن التقليدية والحرف اليدوية ونمط الحياة القديم في المدينة”.
ذاكرة حقبة كاملة على شرائط التصوير
لم ينظر سليمان إلى التصوير كهواية فقط، بل حرص على حفظ الصور السالبة (على شرائط التصوير) التي التقطها طوال عشرات السنين. ومع ظهور التصوير الملون، اقتنى آلات جديدة، لكنه لا يزال يحتفظ بالصور السالبة لعدد كبير من اللقطات التي التقطها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وقال: “لا تزال لدي صور سالبة تعود إلى أعوام 1974 و1975 و1977 و1978، وحافظت على معظم الصور بالأبيض والأسود وبالألوان، لأنها ليست مجرد صور، بل ذاكرة حقبة كاملة”.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، ركز سليمان على توثيق الأسواق التاريخية والمهن التقليدية والفعاليات الثقافية والمهرجانات. وأفاد بأن أرشيفه يضم صوراً لفعاليات ثقافية عديدة في دير الزور قبل عام 2011، في إشارة إلى أوضاع المدينة قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد في مارس/آذار من ذلك العام.
ومع انتقاله إلى الكاميرات الرقمية في العقد الأول من القرن الحالي، أتاحت له التكنولوجيا توثيق تفاصيل كان يصعب الوصول إليها سابقاً. فاستخدم عدسات بعيدة المدى لتصوير الطيور والحياة الطبيعية على ضفاف الفرات، وتمكن من التقاط صور لطيور “مالك الحزين” على الضفة المقابلة من مسافة مئات الأمتار.
قبل الحرب: ازدهار ودهشة.. وبعدها: مدينة من الركام
وصف سليمان مرحلة ما قبل الحرب بأنها الفترة الأكثر ازدهاراً في دير الزور، إذ نظم في عامي 2011 و2012 معارض للصور في المدينة والعاصمة دمشق، عرض خلالها جمال دير الزور الطبيعي والتاريخي. وقال إن زوار المعارض كانوا يبدون دهشتهم من ثراء دير الزور، و”كان الناس يعجبون كثيراً بالمدينة عندما يرون مدى جمالها في الصور”.
لكن مع اندلاع الحرب (2011-2024) في سوريا، دمر قسم كبير من الأحياء التاريخية التي أمضى سليمان سنوات في تصويرها. وأوضح أن مناطق الحميدية والشيخ ياسين والأسواق القديمة تعرضت لأضرار جسيمة. وأضاف: “دمرت الأماكن التي كانت تشكل هوية المدينة، وتحولت الأحياء القديمة والأسواق والأماكن المليئة بذكريات الناس إلى أطلال”. ووصف سليمان المشهد الذي رآه بعد الحرب بأنه “مدينة من الركام”.
عودة الحياة.. ونبض المدينة مجدداً
منذ عام 2017، بدأ سليمان تصوير دمار دير الزور، ثم شرع في توثيق عملية إعادة الإعمار بالعزيمة نفسها. وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أطاحت فصائل سورية بنظام بشار الأسد، الذي حكم البلاد منذ عام 2000 بعد أن ورث السلطة عن والده حافظ الأسد.
ولإظهار عودة الحياة إلى دير الزور، واصل سليمان تصوير الأسواق والشوارع والمواقع التاريخية، موثقاً استئناف الحركة التجارية واليومية تدريجياً في بعض المناطق التي كانت مدمرة بالكامل. وقال: “كان الناس يسألونني: ماذا بقي في دير الزور كي تصوره؟ لكنني كنت مؤمناً بأن الحياة ستعود”. وتابع: “مع مرور الوقت، فتحت المتاجر، وعادت الحركة إلى الشوارع، وأضيئت الأنوار، ووثقت كل ذلك”.
وشدد على أن صوره منحت كثيراً من أبناء دير الزور المقيمين خارج البلاد أملاً بشأن مدينتهم. وأردف أن بعضهم تواصل معه وأخبره بأن الصور عززت لديهم فكرة العودة إلى دير الزور. وقال إن دير الزور شهدت تغيراً ملحوظاً بعد عام 2024، مع بدء عودة الناس إلى منازلهم وأماكن عملهم.
وأضاف أن الأعمال الجارية في المناطق المدمرة والاستثمارات الجديدة تثير حماسه، وأنه يواصل التجول في شوارع المدينة لتوثيق “عودة الحياة إليها”. واستطرد: “مهمتي أن أتابع نبض المدينة. نريد ألا تعود دير الزور إلى ما كانت عليه فحسب، بل أن تصبح مدينة أجمل”. وختم قائلاً: “لا تزال هناك أماكن مدمرة، لكن الحياة تعود، وسأواصل توثيق هذا التحول كما فعلت طوال السنوات الماضية”.