انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

المدير المهايطي: بين الطموحات الواقعية والإنجاز الفعلي

المدير المهايطي: بين الطموحات الواقعية والإنجاز الفعلي

إن إنجازات رؤية المملكة تظهر نجاحاً ملحوظاً في تحقيق العديد من الأهداف المحددة، وتُظهر نسبة معتبرة من المشاريع التقدم وفق جداول زمنية محكمة. غير أن الفرضية القائلة بأن مشروعًا بحجم إحداث تحول جذري في اقتصاد دولة، أو بإعادة رسم ملامح إقليم كامل، يمكن أن يظل ثابتًا دون أي تعديل، لا تُعَد واقعية.

التغيير جزء لا يتجزأ من أي مشروع

كل من درس أو مارس إدارة المشاريع يدرك أن التعديل لا يُستثنى بل يُعتبر عنصرًا طبيعيًا في دورة حياة أي مبادرة. وفي المشاريع الضخمة، يصبح التجديد المستمر سمة أساسية، خاصة عندما تكون الرؤية ذات طابع مرن وقابل للتحديث لملاءمة المتغيرات الاقتصادية، التقنية والجيوسياسية.

النجاح لا يخلو من الإخفاقات

بالرغم من نجاح عدد من المشاريع بصورة بارزة، لا يمكن إغفال وجود مشاريع أخرى لم تُسجِّل النتائج المتوقعة، وهذا أمر شائع في أي تجربة تنموية كبرى. ما تستدعيه المرحلة الحالية هو توجيه الانتباه إلى الواقعية، فالأفعال المتميزة تفوق الأقوال الرفيعة.

الأقوال لا تساوي الإنجازات

شهدت السنوات الأخيرة ظهور عدد من المديرين الذين بدؤوا ولاياتهم ببيانات طموحة ووعدٍ واسع، مدعومين بأوساط إعلامية رسمت صورة إنجازات كأنها تحققت قبل انطلاق العمل. إلا أن الواقع غالبًا ما خيب تلك التوقعات، حيث انتهت التجارب دون نتائج تُضاهي حجم الوعود.

كما أشار بنجامين فرانكلين إلى أن «الفعل الممتاز خير من القول الممتاز»، ولا تُقاس القيادة بعدد المؤتمرات أو المقابلات، بل بالأثر الذي يتركه بعد سنوات. وهذا ما أكده مارك توين: «الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات».

الطموحات مقابل القدرة الفعلية

تظهر أحيانًا صور مديرية تُصوَّرها الحملات الإعلامية كقادرة على تحويل الصناعة بأكملها، في حين لا يُرى أي منتج أو خدمة ملموسة. وقد سُمِعت وعود بإنشاء عشرات المصانع، لكن السنوات مرت دون أن تُظهر أي نتيجة تُقارن بتلك التصريحات.

اليوم يُعلن البعض عن نية منافسة القوى العالمية في مجالات معقدة مثل الذكاء الاصطناعي. إن الواقعية التنافسية تتطلب، مع احترام الطموح، إدراك حدود الميزة النسبية، التي تكمن في رخص الطاقة وتوفرها بجهود وزارة الطاقة، وسرعة إصدار تراخيص مراكز البيانات، إلى جانب حجم العقود الحكومية في بيئة تقنية متقدمة.

نحن لا نمتلك ملايين المبرمجين كدول ذات كثافة سكانية هائلة، ولا نحتل صدارة قطاع التكنولوجيا وأشباه الموصلات على مستوى العالم. لذا فإن الإفراط في الإعلان عن إنجازات دون دلائل ملموسة لا يخدم أهدافنا.

ينطبق نفس المبدأ على قطاع الطيران، حيث يعلن البعض عن منافسة كبرى مع شركات رائدة بسنوات من الخبرة، في حين لا يزالوا في مرحلة استلام أولى طائراتهم. المنطق الإداري السليم يقتضي تقييم الأداء والخدمة أولًا، ثم الدعم والتشجيع عند تحقق الجودة.

ليس من الحكمة الاعتماد على الملاءة المالية أو الإمكانات الضخمة وحدها كضمان للنجاح. فكما يظهر من أداء المنتخب الوطني في كأس العالم، لا يضمن الدعم اللامحدود تحقيق التطلعات إذا ارتفعت التوقعات دون توافق مع الواقع.

الهوية البصرية لا تعادل الإنجاز

تظهر أحيانًا اضطرابات مفاهيمية في بعض الجهات الإعلامية داخل الشركات، حيث يُعطى تركيز مفرط للهوية البصرية وإعادة تصميم الشعار كإنجاز أساسي، متناسياً أن الشعار لا يضيف قيمة إلا بفضل جودة المنتج وخدمة العملاء وربحية مستدامة. شركات مثل Apple وNVIDIA وWalmart لم تزد قيمة شعاراتها بفضل التصميم فحسب، بل بفضل ما تقدمه من منتجات وخدمات.

إذا أعلن رئيس مجلس إدارة شركة طاقة عن طموح منافسة العالمية في مجال الطاقة المتجددة، فإن تاريخ الشركة وإنجازاتها السابقة سيكونان الضمان الحقيقي لهذا التوجه. وبالمثل، تصريحات رئيس أرامكو حول قيادته للطاقة العالمية لا تحتاج إلى معارضة، فالأرقام والنجاحات المتراكمة تتحدث بصوت واضح.

الحملات الإعلانية لا تصنع المنتج ولا تُجسد الخدمة، ورغم أن بعض المؤثرين يروجون لكل من يدفع، فإن ذلك لا يخدم مبدأ الواقعية والشفافية. قد يصل الأمر إلى تسويق منتجات غير مفيدة تحت ستار الإغراء المالي.

الكفاءة فوق كل اعتبار

نحن في وطننا ننظر إلى المستقبل بتفاؤل، ونؤيد الشركات الوطنية بغض النظر عن جنسيات مديريها؛ فالكفاءة لا تعرف حدودًا جغرافية. وقد شهدنا نجاحات لمديرين أجانب، وإخفاقات لآخرين، وكذلك نجاحات وفشل لمديرين سعوديين. ما يهم هو نجاح النظام الذي يخدم الرؤية الوطنية.

هناك مخاطر من الوقوع في ظاهرة «دونينغ-كروجر»، حيث يبالغ الأشخاص ذوو الكفاءة المحدودة في تقدير قدراتهم، مما يولد تصرفات مبالغ فيها لا تستند إلى معرفة كافية.

كما يذكر آدم غرانت أن المتفاخرين غير آمنين ويحتاجون إلى الانتباه، وأن التفاخر غالبًا ما ينتج عنه تأثير عكسي.

في الختام، نتمنى للجميع التوفيق والسداد، فنجاح أي قائد ينعكس إيجابًا على المسيرة الوطنية بأكملها. التفاؤل مصدر طاقة، لكن الواقعية والشفافية تشكلان الحصن الحصين أمام التحديات؛ فلتتحدث أفعالكم وإنجازاتكم بدلًا من الكلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني