انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

​”أُمَّةُ البَنِي عَامِر وَنِظَامُ “الخَاسَا”.. دِرَاسَةٌ تُفَكِّكُ المَوْرُوثَ السِّيَادِيَّ فِي القَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ وَالأَكَادِيمِيِّ

​”أُمَّةُ البَنِي عَامِر وَنِظَامُ “الخَاسَا”.. دِرَاسَةٌ تُفَكِّكُ المَوْرُوثَ السِّيَادِيَّ فِي القَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ وَالأَكَادِيمِيِّ

تَنْوِيهٌ

​يُحَاطُ القَارِئُ الكَرِيمُ عِلْمًا بِأَنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ مِنَ الدِّرَاسَةِ هِيَ نُسْخَةٌ مُعَدَّلَةٌ؛ لِتَعْمِيقِ المِعْمَارِ النَّقْدِيِّ لِلْأُطْرُوحَةِ، وَتَحْصِينِهَا عِلْمِيًّا بِمَا يَلِيقُ بِأَمَانَةِ التَّوْثِيقِ، لِتَكُونَ مَرْجِعًا بَحْثِيًّا مُحَكَّمًا.

​يَأْتِي هَذَا التَّعْدِيلُ وَالتَّدْقِيقُ فِي هَذَا المَوْضِعِ لِيَسْتَدْرِكَ مَا طُلِعَ عَلَيْهِ فِي الطَّبْعَةِ أَوِ القِرَاءَةِ الأُولَى لِلْدِرَاسَةِ؛حَيْثُ نُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ التَّارِيخِيَّةَ وَالتَّوْثِيقَ الإِدَارِيَّ يَأْتِيَانِ كَامْتِدَادٍ طَبِيعِيٍّ وَوَفَاءٍ عِلْمِيٍّ رَاسِخٍ لِإِرْثِ الآبَاءِ المُؤَسِّسِينَ الَّذِينَ أَطْلَقُوا شَرَارَةَ النِّضَالِ الوَطَنِيِّ الإِرِيتْرِيِّ مُنْذُ خَمْسِينِيَّاتِ القَرْنِ المَاضِي. فَمِنْ فَيْضِ تِلْكَ التَّضْحِيَاتِ الجِسَامِ، تَسَلَّمَ جِيلُ النُّخْبَةِ الشَّبَابِيَّةِ لِلرَّعِيلِ الأَوَّلِ مَسْؤُولِيَّةَ مَأْسَسَةِ العَمَلِ الثَّوْرِيِّ؛ تَنْفِيذِيَّاً، وَقَضَائِيَّاً، وَدِبْلُومَاسِيَّاً، حِفْظَاً لِلرَّايَةِ وَامْتِدَادَاً لِلأَثَرِ دُونَ غَمْطٍ لِفَضْلِ مَنْ سَبَقَ.

​د. عَبْدُ الوَهَّابِ مَحْمُودِ جَمْعِ

مِيلَانُو – إِيطَالِيَا ٤ أُكْتُوبَرَ ٢٠٢٤

تَصْدِيرُ الدِّرَاسَةِ

​ إِنَّ هَذِهِ الدِّرَاسَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيِ القَارِئِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِحَوَادِثِ المَاضِي، بَلْ هِيَ “مِعْمَارٌ مَنْهَجِيٌّ مُكَثَّفٌ” يَقُومُ عَلَى أَرْضِيَّةِ التَّحْقِيقِ لِإِعَادَةِ قِرَاءَةِ المَوْرُوثِ السِّيَادِيِّ وَالإِدَارِيِّ لِأُمَّةِ “البَنِي عَامِرٍ” وَمَنْظُومَةِ (الخَاسَا) فِي القَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ.

​ لَقَدْ فَرَضَتْ سَنَوَاتُ الحُرُوبِ وَالتَّهْجِيرِ القَسْرِيِّ فَجْوَةً مَعْرِفِيَّةً عَمِيقَةً بَيْنَ أَبْنَاءِ الجِيلِ الحَدِيثِ فِي المَهَاجِرِ وَبَيْنَ جُذُورِهِمْ بِفِعْلِ الظُّرُوفِ الطَّارِئَةِ؛ وَمِنْ رَحِمِ هَذِهِ الثَّغْرَةِ النَّفْسِيَّةِ تَسَلَّمَتْ مَقَالِيدَ السَّرْدِ أَقْلَامٌ مُشَوَّهَةٌ، وَتَبَنَّى بَعْضُ المُتَعَالِمِينَ مِنَ العَوَامِّ مَفَاهِيمَ نَشَازاً نَضِحَتْ بِهَا مَنَصَّاتُ اللَّغَطِ الرَّقَمِيِّ لِتَزْيِيفِ الحَقَائِقِ بِتَأْثِيرَاتٍ مَعْرِفِيَّةٍ غَرْبِيَّةٍ مَشْنُوعَةٍ لَا تَمُتُّ لِوَاقِعِنَا المَيْدَانِيِّ بِصِلَةٍ.

​ وَمِنْ مَوْقِعِ الشَّاهِدِ الَّذِي عَاصَرَ الرَّعِيلَ الأَوَّلَ، وَطَوَّفَ بِجَامِعَاتِ المِنْطَقَةِ، وَخَبِرَ آفَاقَ العَمَلِ الدَّوْلِيِّ، تَسْعَى هَذِهِ الدِّرَاسَةُ إِلَى تَفْكِيكِ تِلْكَ الاِدِّعَاءَاتِ؛ إِذْ يَتَأَسَّسُ المِعْمَارُ المَنْهَجِيُّ هُنَا عَلَى ضَرُورَةِ الفَصْلِ الإِبِسْتِمُولُوجِيِّ الحَاسِمِ بَيْنَ “البِنْيَةِ العِرْقِيَّةِ الأَصِيلَةِ” لِلشُّعُوبِ، وَبَيْنَ “المَنْظُومةِ الإِدَارِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ” الَّتِي قَدْ تَطْرَأُ عَلَيْهَا.

​ إِنَّ نُظُمَ الحَوْكَمَةِ المُشْتَرَكَةِ فِي الفَضَاءِ النِّيلِيِّ وَالقَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا أَدَوَاتٌ حَرَكِيَّةٌ وَظِيفِيَّةٌ لا تُعَبِّرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْ كينُونَةٍ عِرْقِيَّةٍ أَحَادِيَّةٍ. وَيُشْبِهُ هَذَا التَّطَوُّرَ تَمَامَاً تَبَنِّي مُجْتَمَعَاتٍ حَدِيثَةٍ لِنُظُمٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَافِدَةٍ كَالرَّأْسُمَالِيَّةِ، أَوِ الاِشْتِرَاكِيَّةِ، أَوِ اللِّيبِرَالِيَّةِ، كَمَا حَدَثَ تَارِيخِيَّاً فِي اسْتِعَارَةِ النُّظُمِ المَمْلُوكِيَّةِ وَالشَّرْكَسِيَّةِ فِي الإِدَارَةِ؛ إِذْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ انْسِلَاخُ تِلْكَ المُجْتَمَعَاتِ مِنْ هُوِيَّاتِهَا الأَصْلِيَّةِ، بَلْ كَانَ تَجَلِّيَاً لِعَبْقَرِيَّةِ التَّكَيُّفِ الإِدَارِيِّ وَتَبَادُلِ الخِبْرَاتِ الحَضَارِيَّةِ إِنَّ صَوْنَ هَذِهِ الرَّايَةِ نَقِيَّةً مِنْ شَوَائِبِ التَّفْرِيقِ هُوَ أَقْدَسُ الوَاجِبَاتِ. 

أُمَّةُ البَنِي عَامِر

​(الذَّاكِرَةُ المُمْتَدَّةُ، التَّدَاهُلُ الحَضَارِيُّ، وَفَلْسَفَةُ الهُوِيَّةِ العَابِرَةِ لِلْحُدُودِ)

​بِقَلَمِ: الدُّكْتور / عَبْدِالوَهَّابِ مَحْمُودِ جَمْعِ

■ بَاحِثٍ وَأَكَادِيمِيٍّ، وَخَبِيرٍ بِالإِدَارَةِ الأُمَمِيَّةِ، وَمِنْ رِمَازِ القِيَادَةِ الشَّبَابِيَّةِ لِلرَّعِيلِ الأَوَّلِ بِجَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الإِرِيتْرِيَّةِ:

■​ رَئِيسُ مَحْكَمَةِ الاِسْتِئْنَافَاتِ العُلْيَا بِجَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الإِرِيتْرِيَّةِ، بِعُضْوِيَّةِ الأَسَاتِذَةِ الأَجِلَّاءِ: مُحَمَّد صَالِح عَبْدُه، وَحَامِد تُرْكِي، وَقَبْرُو حَقُّوس.

■  ​قَاضِي دَائِرَةِ المَحْكَمَةِ الشَّرْعِيَّةِ تَحْتَ رِئَاسَةِ مَوْلَانَا إِبْرَاهِيمَ عَمَّار.

■  ​المُحَافِظُ المُكَلَّفُ لِمَدِينَةِ (تَسَنِّي) فِي الفَتْرَةِ مَا بَيْنَ (1976 – 1977م)؛ وَمُهَنْدِسُ مَشْرُوعِ التَّكَامُلِ الأَمْنِيِّ وَالاِقْتِصَادِيِّ مَعَ مُحَافَظَةِ مَدِينَةِ كَسَلَا بِالتَّنْسِيقِ الإِدَارِيِّ المُبَاشِرِ مَعَ مُحَافِظِهَا آنَذَاكَ السَّيِّد/ مُحَمَّد عَبْدِالقَادِر.

■  المُشْرِفُ المُنَسِّقُ لِغُرْفَةِ العَمَلِيَّاتِ المُشْتَرَكَةِ لإِدَارَةِ الدَّعْمَ الرُّوسِيَّ(السُّوفْيَاتِيَّ) لجَبْهَةُ التَّحْرِيرِ الإِرِيتْرِيَّةِ. 

 

التَّمْهِيدُ

​قَبْلَ أَنْ نُبْحِرَ فِي فُصُولِ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ، وَنَغُوصَ فِي تَفْكِيكِ النُّظُمِ الْإِدَارِيَّةِ وَالْبِنْيَوِيَّةِ لِهَذَا الْإِقْلِيمِ، لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَعِيشَ مَعاً، وَبِأَعْيُنٍ بَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ، طَبِيعَةَ الْبِيئَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ الَّتِي نَبَتَ فِيهَا هَذَا الْكِيَانُ الْعَرِيقُ.

إِنَّ القَارِئَ لِتَارِيخِ هَذِهِ المِنْطَقَةِ الحَسَّاسَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ الفَضَاءَ الرَّابِطَ وَالعَابِرَ بَيْنَ الهَضَبَةِ الحَبَشِيَّةِ وَالسَّاحِلِ البَحْرِيِّ وَالسُّهُولِ المُمْتَدَّةِ ويَجِبُ أَنْ يُدْرِكَ عَمِيقًا أَنَّ هَذَا المَجَالَ لَمْ يَكُنْ فَضَاءً مُسْتَقِرًّا أَوْ هَادِئًا فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، بَلْ كَانَ عَلَى مَرِّ العُصُورِ أَشْبَهَ بِسَاحَةِ صِرَاعٍ كُبْرَى، تَتَلَاطَمُ فِيهَا أَمْوَاجُ الجُيُوشِ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ، وَتَتَصَادَمُ فِيهَا العَقَائِدُ وَالأَدْيَانُ، وَتَتَحَرَّكُ فِيهَا القَبَائِلُ فِي حَالَةِ مَدٍّ وَجَزْرٍ دَائِمَيْنِ.

​لَقَدْ شَهِدَتْ هَذِهِ الأَرْضُ النَّابِضَةُ بِالأَحْدَاثِ مُوَاجَهَاتٍ عَقَائِدِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً مَصِيرِيَّةً؛ بَدْءًا مِنْ صُعُودِ المَمَالِكِ المَسِيحِيَّةِ القَوِيَّةِ فِي أَعَالِي الهَضَبَةِ، وُصُولًا إِلَى تَمَدُّدِ السَّلْطَنَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى طُولِ السَّاحِلِ وَفِي عُمْقِ السُّهُولِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ مَمَالِكَ وَكِيَانَاتٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ تَبْحَثُ عَنْ بَقَائِهَا الوُجُودِيِّ، لِتَتَشَكَّلَ دَاخِلَهَا جُزُرٌ قَبَلِيَّةٌ مَعْجُونَةٌ بِالتَّحَدِّي.

​هَذَا التَّصَادُمُ الدِّينِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ المُسْتَمِرُّ كَانَ يَفْرِضُ عَلَى المَجْمُوعَاتِ السُّكَّانِيَّةِ لُعْبَةً مُعَقَّدَةً مِنْ تَبْدِيلِ التَّحَالُفَاتِ، وَالمُنَاوَرَاتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ، وَالهِجْرَاتِ المُتَلَاحِقَةِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ لِتَجَنُّبِ السَّحْقِ الِاسْتِرَاتِيجِيِّ. فَالحَمَلَاتُ العَسْكَرِيَّةُ العَنِيفَةُ الَّتِي كَانَتْ تَشُنُّهَا إِمْبَرَاطُورِيَّاتُ الهَضَبَةِ، وَغَزَوَاتُ القَبَائِلِ المُتَنَافِسَةِ، ثُمَّ التَّوَغُّلُ العُثْمَانِيُّ التُّرْكِيُّ لَاحِقَاً، كُلُّ هَذِهِ القُوَى العُظْمَى كَانَتْ تُشَكِّلُ حَالَةَ ضَغْطٍ هَائِلٍ وَمُتَوَاصِلٍ عَلَى المُكَوِّنَاتِ المَحَلِّيَّةِ.

​وَفِي وَسَطِ هَذَا الغَلَيَانِ التَّارِيخِيِّ المُسْتَمِرِّ، وَهَذِهِ الحُرُوبِ الَّتِي لَمْ تَخْمَدْ نِيرَانُهَا لِقُرُونٍ، كَانَ عَلَى العَشَائِرِ وَالقَبَائِلِ الصَّغِيرَةِ أَنْ تَخْتَارَ طَرِيقَهَا بَيْنَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا.

إِمَّا الفَنَاءُ التَّامُّ وَالتَّلَاشِي تَحْتَ سَنَابِكِ خَيْلِ المَمَالِكِ الكُبْرَى، أَوْ الذَّوبَانُ الِاخْتِيَارِيُّ الذَّكِيُّ فِي كِيَانَاتٍ أَوْسَعَ وَأَكْبَرَ، تَمْتَلِكُ شَوْكَةَ الحِمَايَةِ، وَبَرَاعَةَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ، وَمَوْرُوثَ الفُرُوسِيَّةِ وَمِنْ رَحِمِ هَذَا المَخَاضِ العَسِيرِ، وَمِنْ قَلْبِ هَذَا المَدِّ وَالجَزْرِ القَبَلِيِّ وَالدِّينِيِّ، بَرَزَتِ الشَّوْكَةُ السِّيَادِيَّةُ وَالعَبْقَرِيَّةُ الإِدَارِيَّةُ لِـ (بَنِي عَامِرٍ)؛ حَيْثُ اسْتَطَاعَ أُمَرَاءُ هَذَا البَيْتِ العَرِيقِ، بِمَا مَلَكُوا مِنْ حَسَبٍ وَنَسَبٍ وَفُرُوسِيَّةٍ، أَنْ يَكُونُوا مَشْرُوعَ حِمَايَةٍ، وَمَعْقِلَ عِزٍّ، وَجِسْرَ سَلَامٍ صَهَرَ كُلَّ هَذِهِ التَّنَاقُضَاتِ الجُغْرَافِيَّةِ وَالعَقَائِدِيَّةِ، مُحَوِّلِينَ خُطُوطَ النَّارِ وَمَحَاوِرَ الصِّرَاعِ إِلَى مِسَاحَاتٍ رَحْبَةٍ لِلِاسْتِقْرَارِ، وَالتَّعَايُشِ، وَالتَّدَاهُلِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي حَمَى بَيْضَةَ المَنْطَقَةِ لِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ.

إِنَّ الحَدِيثَ عَنْ هَذَا التَّارِيخِ لَا يَنْطَلِقُ عِنْدِي مِنْ هَوَامِشِ الرِّوَايَاتِ المَنْقُولَةِ، بَلْ يَنْبَعِثُ مُبَاشَرَةً مِنْ دَاخِلِ مَحَاوِرِهِ التَّنْفِيذِيَّةِ وَالمَيْدَانِيَّةِ الَّتِي خُضْتُ غِمَارَهَا؛ فَإِنَّنِي أَنْتَمِي بِيُولُوجِيَّاً وَفِكْرِيَّاً إِلَى حَاضِنَةٍ قَبَلِيَّةٍ عَرِيقَةٍ مَثَّلَتْ طَبَقَةَ الحَضَرِ وَالتَّمَدُّنِ المُبَكِّرِ، وَشَكَّلَتْ نُوَاةَ الطَّبَقَةِ النُّخْبَوِيَّةِ المُتَعَلِّمَةِ فِي المِنْطَقَةِ، سَلِيلَ بَيْتٍ عُجِنَ بِالعِلْمِ وَالحِكْمَةِ وَالقَضَاءِ فِي قَبِيلَتَيِ (الأَسْفَدَا وَاللَّالْمَدَا)، حَيْثُ كَانَ وَالِدِي عَالِمَاً فَقِيهَاً تَدَرَّجَ فِي مَنَاصِبِ الدَّوْلَةِ الحَدِيثَةِ حَتَّى تَبَوَّأَ رُتْبَةَ “مُفَتِّشٍ عَامٍّ” فِي الحُكُومَةِ .   

وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِامْتِدَادُ النُّخْبَوِيُّ لِلْوَالِدِ إِلَّا تَرْجَمَةً لِإِرْثٍ تَلِيدٍ، جَسَّدَهُ وَالِدُهُ (أَيْ جَدِّي) جَمْعِ إِدْرِيس مُحَمَّد عَلِي، الشَّهِيرِ بِلَقَبِ “غَبْرَسَ”   ገገብ )) وهو لَقَبٌ إِدَارِيٌّ وَتَنْفِيذِيٌّ أَصِيلٌ تَعَارَفَتْ عَلَيْهِ مُجْتَمَعَاتُ المُرْتَفَعَاتِ فِي (إِرِيتْرِيَا وَإِثْيُوبِيَا).

وَيُقْصَدُ بِهِ اصْطِلَاحَاً: “رَئِيسُ العَشِيرَةِ، أَوِ الوَجِيهُ المَحَلِّيُّ المُفَوَّضُ رَسْمِيَّاً مِنَ السُّلْطَةِ لِإِدَارَةِ شُؤُونِ البَلْدَةِ، وَتَنْظِيمِ جِبَايَةِ العَوَائِدِ، وَتَمْثِيلِ الأَهَالِي أَمَامَ نُظُمِ الحُكْمِ”.

وَفِي سِيَاقٍ لُغَوِيٍّ وَتَارِيخِيٍّ أَعْمَقَ، يَنْطِقُهُ الْبَعْضُ “غَبْرِيسَ”، وَيُرَادِفُهُ فِي الْمَقَامِ لَقَبُ “تَكْلِيسَ”؛ وَهِيَ أَوْصَافٌ تَعْظِيمِيَّةٌ سِيَادِيَّةٌ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى كِبَارِ مَسْؤُولِي الدَّوْلَةِ بِدَلَالَةِ أَنَّهُمْ “خُدَّامُ الْجَنَابِ السُّلْطَانِيِّ”، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يُرَادِفُ تَمَاماً الْمُصْطَلَحَاتِ الْبُرُوتُوكُولِيَّةَ الصَّارِمَةَ الَّتِي كَانَتْ تُسْتَخْدَمُ فِي بِلَاطِ وَمُكَاتَبَاتِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الرِّفْعَةِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ؛ كَمَا أَنَّهُ كَاسْمٍ قَدِيمٍ فِي الْهَضَبَةِ ገብሪሰ” ” كَانَ إِذَا سُمِّيَ بِهِ أَحَدٌ عَنَى “عَبْدَ الْمَلِكِ”، وَهُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَخْدَمَهُ الْعُثْمَانِيُّونَ لِخُدَّامِ الْجَنَابِ السُّلْطَانِيِّ؛ وَهُمَا اللَّقَبَانِ اللَّذَانِ تَشَرَّفَتْ عَائِلَتُنَا بِتَوَارُثِهِمَا عَبْرَ التَّارِيخِ فِي فُرُوعِهَا الْأَصِيلَةِ.

​وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذَا المَنْصِبَ الوَظِيفِيَّ قَدِ انْدَثَرَ فِي ظِلِّ الدَّوْلَةِ الحَدِيثَةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّقَبَ ظَلَّ حَيًّا كَرَمْزٍ تَارِيخِيٍّ، وَمَوْرُوثٍ تَتَدَاوَلُهُ الأَجْيَالُ عَقْدًا بَعْدَ عَقْدٍ. وَمِنْ لَطَائِفِ التَّسْمِيَاتِ التَّارِيخِيَّةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ، أَنَّ جَدِّي إِدْرِيسَ كَانَ يُلَقَّبُ أَيْضًا بِـ “فَكَّاك”؛ تَيَمُّنًا بِاسْمِ جَدِّهِ لِأُمِّهِ الشَّهِيرِ بِلَقَبِ “فَكَّاك العُقَدِ”، وَهُوَ وَصْفٌ مَجَازِيٌّ بَلِيغٌ يَعْكِسُ مَكَانَتَهُ الاِجْتِمَاعِيَّةَ الرَّفِيعَةَ بِوصْفِهِ مَرْجِعًا لِلْحِكْمَةِ، وَفَصْلِ الخُصُومَاتِ، وَحَلِّ المُعْضِلَاتِ القَبَلِيَّةِ المُسْتَعْصِيَةِ.

​ وَمِنْ مَظَاهِرِ هَذَا الِامْتِدَادِ الأَهْلِيِّ المَشْهُودِ، أَنَّ جَدِّي إِدْرِيس هُوَ عَمُّ أُمِّنَا “رُقَيَّةَ”؛ زَوْجَةِ السَّيِّدِ جَعْفَرِ المِيرْغَنِيِّ، وَأُمِّ وَلَدَيْهِ وَبَنَاتِهِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى مَا يَجْمَعُنَا بِهِمْ مِنْ أَوَاصِرَ رَحَمِيَّةٍ أُخْرَى لَيْسَ هَذَا مَقَامَ ذِكْرِهَا. وَإِنَّ إِيرَادَ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ هُنَا َهُوَ من باب التَوْثِيقٌ .

 لِعُمْقِ التَّدَاخُلِ الأَهْلِيِّ، وَدَلَالَةٌ حَيَّةٌ تُبْرِزُ رَمْزِيَّةَ وَمَكَانَةَ السَّيِّدِ جَعْفَرٍ وَشُهْرَتِهِ فِي القُطْرَيْنِ ،وَيَتَشَعَّبُ هَذَا الِامْتِدَادُ تَبَعَاً لِدِرَايَتِي وَمَعْرِفَتِي بِأَنَّ أَحَدَ أَجْدَادِنَا قَدْ أَتَى مِنْ شَمَالِ السُّودَانِ؛ وَهُوَ يَحْمِلُ دِمَاءَ (الدَّنَاقِلَةِ) مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَ(الشَّايْقِيَّةِ) مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ.

 وَلَمْ تَنْقَطِعْ صِلَتُنَا أَوْ تَوَاصُلُنَا الرَّحَمِيُّ المَشْهُودُ مَعَ أَقَارِبِنَا مِنْ هَذِهِ الأَفْرُعِ لَهُمُ التَّحِيَّةُ الخَالِصَةُ كَمَا تَلْتَقِي نِسَبُنَا بِبَعْضِ بُيُوتَاتِ (الهَدَنْدُوَةِ) عَبْرَ جِهَةِ الجَدَّاتِ، وَهُوَ امْتِدَادٌ نَعْتَزُّ بِهِ وَنَفْخَرُ.

مِنْ هُنَا، فَإِذَا تَسَوْدَنْتُ فَهَذَا حَقِّي الأَصِيلُ الَّذِي آخُذُهُ بِعِزَّةٍ وَفَرْضِ عَيْنٍ، لَا يَمْنَحُنِي إِيَّاهُ أَحَدٌ كَصَدَقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ، وَلَا يَمُنُّ بِهِ عَلَيَّ كَائِنٌ مَنْ كَانَ؛ فَأَنَا حَفِيدُ الحَضَارَةِ المَرْوِيَّةِ الضَّارِبَةِ فِي عُمْقِ الزَّمَانِ فِي أَوْجِ اتِّسَاعِهَا. 

وَإِذَا تَحَبَّشْتُ فَهَذَا حَقِّي التَّارِيخِيُّ وَالجُغْرَافِيُّ وَالسِّيَاسِيُّ؛ فَأَنَا حَفِيدُ مَمَالِكِ البَلَمِيِّينَ (بُوغُوس البَلِينِيَّا) فِي أَقْصَى امْتِدَادِهَا القَدِيمِ الَّذِي تَمَدَّدَ نُفُوذُهُ حَتَّى تُخُومِ مِنْطَقَةِ (البَلِينَا) المِصْرِيَّةِ، التَّي مَا زَالَتْ شَاهِدَةً حَتَّى اليَوْمِ بِرَوْنَقِهَا وَتَمَازُجِهَا العِرْقِيُّ وَالدِّينِيُّ.

​إِنَّنِي ابْنُ هَذِهِ الأَرْضِ الشَّاسِعَةِ وَتَارِيخِهَا المُتَدَفِّقِ، حَيْثُ تَلْتَقِي فِي عُرُوقِي دِمَاءُ جُلِّ فُرُوعِ هَذَا الكِيَانِ العَظِيمِ بِأَوَاصِرَ حَقِيقِيَّةٍ مَشْهُودَةٍ لَا وَهْمَ فِيهَا؛ فَتَنْصَهِرُ فِينَا دِمَاءُ (البِيجُوك،وَالمَنْصَع وَالنَّاتَاب، والمَارْيَا، وَالبَلِين، وَالحَبَاب، وَالأَشْرَافِ). 

نَحْنُ لَسْنَا قَبِيلَةً بِالمَعْنَى العَدَدِيِّ الضَّيِّقِ، بَلْ نَحْنُ بُوتَقَةٌ بَشَرِيَّةٌ مُتَكَامِلَةٌ، وَنِظَامٌ اجْتِمَاعِيٌّ سَائِلٌ وَجَامِعٌ، لَا يَدَّعِي فِيهِ أَحَدٌ انْفِرَادَاً أَوِ اسْتِعْلَاءً، بَلْ نَحْنُ مِنْهُمْ وَهُمْ مِنَّا، مُتَّصِلُونَ فِي الرَّحِمِ، مُتَوَاصِلُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، نَفْخَرُ بِهَذَا المَزِيجِ الفَرِيدِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي تَجَارِبِ الشُّعُوبِ.

وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ المَبْدَئِيِّ، نَقُولُهَا مِلْءَ الفَمِ: نَحْنُ مُنْذُ نَشَأْنَا فِي هَذِهِ الدِّيَارِ، لَا نُحَبِّذُ الِانْكِفَاءَ دَاخِلَ شَرْنَقَةٍ عَشَائِرِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ.

فَنَحْنُ (بَنُوعَامِرٍ) وَكَفَى نَعْتَزُّ بِهَذَا المُسَمَّى الشَّامِلِ الجَامِعِ الَّذِي يَعُودُ فِي أُصُولِهِ النَّسَبِيَّةِ المَجِيدَةِ إِلَى أُمَرَاءِ وَفُرْسَانِ (عَامِر بْن صَعْصَعَة)، الَّذِينَ حَمَلُوا لِوَاءَ الفُرُوسِيَّةِ وَالعِلْمِ، وَتَصَاهَرُوا عَبْرَ التَّارِيخِ مَعَ بُطُونِ وَقَبَائِلِ المِنْطَقَةِ. لَمْ يَكُنْ هَذَا الكِيَانُ يَوْمَاً مُجَرَّدَ تَجَمُّعٍ طَارِئٍ، بَلْ هُوَ نَسَبٌ عَرِيقٌ وَرَحِمٌ مَوْصُولٌ؛ قَادَهُ أَجْدَادُنَا بِالحِكْمَةِ وَالسَّيْفِ، وَجَمَعُوا تَحْتَ لِوَائِهِ الشَّمْلَ بِأَوَاصِرِ الدَّمِ المَتِينَةِ، حَتَّى غَدَوْنَا نَسِيجَاً وَاحِدَاً عَصِيَّاً عَلَى التَّفْكِيكِ.

وَمِنْ مِشْكَاةِ هَذَا الإِرْثِ الإِدَارِيِّ التَّلِيدِ الَّذِي وَرِثْتُ عَرَاقَتَهُ، وَتَشَرَّبْتُ قِيَمَهُ الحَضَارِيَّةَ فِي حَوْكَمَةِ النَّاسِ وَرِعَايَةِ شُؤُونِهِمْ، أَجِدُ الرَّابِطَ المَعْرِفِيَّ وَالوَاجِبَ الأَخْلَاقِيَّ يَقُودَانِي نَحْوَ عُبُورِ الأَجْيَالِ؛ لِأَنْقُلَ هَذِهِ الأَمَانَةَ التَّارِيخِيَّةَ غَضَّةً نَقِيَّةً إِلَى المَعْنِيِّينَ الحَقِيقِيِّينَ بِالمُسْتَقْبَلِ من أَبْنَائِي وَبَنَاتِي مِنَ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ فِي كُلِّ فَضَاءِ القَرْنِ الأَفِرِيقِيِّ المُمْتَدِّ.

أَبْنَائِي وَبَنَاتِي

مِنْ مَشَارِفِ التِّسْعِينَ أُطِلُّ عَلَيْكُمْ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكُمْ اليَوْمَ، مُسْتَصْحِبَاً مَسِيرَةً طَوِيلَةً طَوَّفْتُ فِيهَا بَيْنَ مَنَابِرِ العِلْمِ مُدَرِّسَاً وَبَاحِثَاً فِي الجَامِعَاتِ الإِثْيُوبِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ قَبْلَ عُقُودٍ، وَمُنَاضِلَاً حَمَلَ كَفَنَهُ عَلَى كَفِّهِ فِي صُفُوفِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ المُؤَسِّسِ لِجَبْهَةِ التَّحْرِيرِ الإِرِيتْرِيَّةِ؛ تِلْكَ الجَبْهَةِ الَّتِي كَوَّنَّاهَا بِأَيْدِينَا، وَسَمَّيْنَاهَا وَدَشَّنَّاهَا لِلْعَالَمِ فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ صَعْبَاً، وَكَانَتِ الحِسَابَاتُ مُعَقَّدَةً، وَالمَوَارِدُ شَحِيحَةً، وَالدِّمَاءُ ثَمَنَاً لِكُلِّ خُطْوَةٍ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهَا.

ثُمَّ اخْتِصَارَاً لِلْمَسِيرِ، عَمِلْتُ وَمَا زِلْتُ أَعْمَلُ خَبِيرَاً فِي مُنَظَّمَاتِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، وَهِيَ التَّجْرِبَةُ الَّتِي دَفَعَتْنِي بَعِيدَاً عَنْ تَقَلُّبَاتِ السِّيَاسَةِ الضَّيِّقَةِ نَحْوَ آفَاقِ العَمَلِ التَّنْمَوِيِّ الإِنْسَانِيِّ؛ حَيْثُ تَفَرَّغْتُ لِذَلِكَ المَلَفِّ الهَامِّ فِي تَارِيخِ البَشَرِيَّةِ، وَتَنَقَّلْتُ بَيْنَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَوْلَةً، مَسْؤُولَاً عَنْ لُقْمَةِ عَيْشِ الفُقَرَاءِ، وَتَنْمِيَةِ المُجْتَمَعَاتِ.

 إِنَّنِي لَمْ أَكْتُبْ إِلَيْكُمْ اليَوْمَ لأَطْلُبَ جَاهَاً قَدْ نِلْتُ مِنْ فَضْلِ اللهِ كِفَايَتَهُ.

 وَلَا تَمَكَّنَاً جِهَوِيَّاً أَوْ قَبَلِيَّاً ضَيِّقَاً قَدْ تَجَاوَزَتْهُ رُوحِي وَفِكْرِي؛ فَقَدْ غَادَرْتُ البِلَادَ مُنْذَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، وَأَحْمِلُ جِنْسِيَّاتٍ عِدَّةً، يَتَمَنَّاهَا أَغْلَبُ النَّاسِ وَيَسْعَوْنَ إِلَيْهَا، وَأَنَا بِفَضْلِ اللهِ لَمْ أَسْعَ لأَيٍّ مِنْهَا، بَلْ مُنِحَتْ لِي تَقْدِيرَاً لِجُهُودِي فِي مَجَالَاتٍ شَتَّى. فَنَحْنُ نَعْتَزُّ بِبِلَادِنَا وَانْتِمَائِنَا الوَطَنِيِّ لِتُرَابِهِ الَّذِي وُلِدْنَا وَتَرَعْرَعْنَا فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الوَطَنُ فِي كُلِّ الأَعْرَافِ الإِنْسَانِيَّةِ؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ لَمْ يُخْفِ حَنِينَهُ إِلَى وَطَنِهِ مَكَّةَ حَيْثُ وُلِدَ وَنَشَأَ، وَبِلَالٌ لَمْ يُخْفِ حَنِينَهُ إِلَى مَكَّةَ وَطَنِهِ حَيْثُ نَشَأَ.

وَبَيْنَ المِثَالَيْنِ تَبْسِيطٌ تَعْرِيفِيٌّ لِلِانْتِمَاءِ لِتَقْرِيبِ الفَهْمِ؛ فَرَسُولُ اللهِ حَنَّ إِلَى وَطَنِ أَجْدَادِهِ، وَبِلَالٌ حَنَّ إِلَى وَطَنِ نَشْأَتِهِ، فَلَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ لَهُ “أَنْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ”، فَهُوَ مِنْ أَصْلِ أَهْلِهَا، وَلَا تَسْتَطِيعُ أُصُولُهُ الحَبَشِيَّةُ عَلَى عِظَمِهَا أَنْ تَمْنَحَهُ هُوِيَّتَهَا؛ فَاللِّسَانُ الَّذِي نَطَقَ بِهِ، وَالعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ الَّتِي اكْتَسَبَهَا مِنْ نَشْأَتِهِ وَمَعَاشِهِ تَمْنَعُ ذَلِكَ قَطْعَاً، فَالإِنْسَانُ فِي نِهَايَةِ المَطَافِ ابْنُ بِيئَتِهِ الَّتِي صَنَعَتْ وَعْيَهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ كَوْنِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَبَدَّلُ.

وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الفِطْرِيَّةِ، فَإِنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ وَلَيْسَ مِنَ الحَقِّ المَنْهَجِيِّ أَوْ الأَبَوِيِّ أَنْ نَفْرِضَ عَلَى أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا.

الَّذِينَ وُلِدُوا وَنَشَأُوا فِي مُجْتَمَعَاتِ مَهَاجِرِهِمْ القَسْرِيَّةِ أَوِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، أَنْ يَنْصَاعُوا لِذَاتِ الِانْتِمَاءِ الوَطَنِيِّ الَّذِي نَنْتَمِي إِلَيْهِ نَحْنُ، أَوْ أَنْ نَقْسِرَهُمْ عَلَى تَبَنِّي قَضَايَا أَوْطَانِنَا الأُمِّ بِذَاتِ الحَرَارَةِ؛ فَهُمْ أَبْنَاءُ بِيئَاتِهِمُ الجَدِيدَةِ.

الَّتِي شَكَّلَتْ وِجْدَانَهُمْ، وَأَيُّ مُحَاوَلَةٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ لِإِعَادَةِ صِيَاغَتِهِمْ قَسْرَاً لَنْ تَكُونَ إِلَّا إِخْلَالَاً صَارِخَاً بِالفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ السَّلِيمَةِ،إِنَّ هَذَا الِانْفِصَامَ الَّذِي نُحَاوِلُ صِنَاعَتَهُ لَنْ يَقْبَلَهُ الأَبْنَاءُ مِنَّا لِأَنَّهُ يُصَادِمُ وَاقِعَهُمُ اليَوْمِيَّ، كَمَا أَنَّ مُجْتَمَعَاتِنَا الأَصْلِيَّةَ فِي دُوَلِنَا لَنْ تَقْبَلَهُمْ بِشَكْلٍ كَامِلٍ لِاخْتِلافِ المَشْرَبِ وَالثَّقَافَةِ؛ وَإِنْ حَدَثَ ذَلِكَ التَّقَبُّلُ، فَلَنْ يَتَخَطَّى فِي هَذَا الزَّمَانِ الحَدِيثِ صُوَرَ الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ وَالمُعَامَلَاتِ الإِدَارِيَّةِ الجَافَّةِ، دُونَ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى عُمْقِ الرُّوحِ وَالهُوِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. سَيَظَلُّ الإِنْسَانُ مَهْمَا نَأَى يَحْمِلُ حَنِينَهُ النَّقِيَّ لِذَاكِرَةِ النَّشْأَةِ الأُولَى، وَلَوْ حَاوَلَ المَرْءُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي تَقَمُّصِ هُوِيَّةٍ لَمْ يَعِشْ تَفَاصِيلَهَا اليَوْمِيَّةَ، سَيَتَحَوَّلُ بِالتَّأْكِيدِ إِلَى صَوْتٍ نَشَازٍ، وَمُغْتَرِبٍ حَتَّى فِي وَسَطِ مُجْتَمَعِهِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، فَلَا هُوَ اسْتَقَرَّ فِي حَاضِرِهِ، وَلَا هُوَ لَحِقَ بِمَاضِي أَجْدَادِهِ.

إِنَّ هَذَا الِاغْتِرَابَ النَّفْسِيَّ وَالمَعْرِفِيَّ هُوَ مِثَالٌ لِتَقْرِيبِ المَعْنَى وَلَيْسَ مَوْضُوعِيَ الآنَ، وَلَقَدْ فَرَّغْتُ مَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا العُمْرِ الفَانِي لِلْعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ وَالخَيْرِيِّ الصِّرْفِ. لَكِنَّنِي أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ مَحْفُوزَاً بِدَافِعِ الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ، وَنَاظِرَاً بِعَيْنِ الأَسَى إِلَى فَجْوَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ خَطِيرَةٍ وَأَخْلَاقِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، أَفْرَزَتْهَا سَنَوَاتُ الحُرُوبِ المُتَّصِلَةِ وَالنِّزَاعَاتِ المُسَلَّحَةِ وَالتَّهْجِيرِ القَسْرِيِّ،.

هَذِهِ الظُّرُوفُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ أَتَتْ بِأَجْيَالٍ نَالَتْ أَعْلَى الشَّهَادَاتِ الأَكَادِيمِيَّةِ العُلْيَا مِنْ جَامِعَاتٍ وَدُوَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَكِنَّهَا دَرَسَتْ نَظَرِيَّاً بَعِيدَاً عَنْ حَاضِنَتِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ الأَصْلِيَّةِ. وَهَذَا فِي تَقْدِيرِي شَرْخٌ تَعْلِيمِيٌّ وَتَرْبَوِيٌّ بِنْيَوِيٌّ خَطِيرٌ، يَجِبُ عَلَى النُّخَبِ الِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ وَعِلَاجُهُ.

لِأَنَّ التَّلْقِينَ التَّعْلِيمِيَّ وَالنَّظَرِيَّ مُمْكِنٌ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنَ العَالَمِ، لَكِنَّ انْتِزَاعَ الطَّالِبِ مِنْ بِيئَتِهِ وَفَصْلَهُ عَنْ مُجْتَمَعِهِ يُفْقِدُهُ الذَّخِيرَةَ المَعْرِفِيَّةَ التَّرَاكُمِيَّةَ الفِطْرِيَّةَ، وَهِيَ صِنْوُ التَّعْلِيمِ الأَكَادِيمِيِّ وَشِقُّهُ الأَسَاسِيِّ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ الوَعْيُ بِدُونِهِ.

لِذَلِكَ، أَسْفَرَ هَذَا الوَاقِعُ عَنْ أَقْلَامٍ تَبَنَّتْ تَصَوُّرَاتٍ مُجْتَمَعِيَّةً مُشَوَّهَةً نَفْسِيَّاً وَمَعْرِفِيَّاً، تَحْمِلُ أَفْكَارَاً مُسْتَوْرَدَةً لَا تُشْبِهُ أَهْلَهُمْ وَلَا تَنْتَمِي لِثَقَافَةِ مُجْتَمَعَاتِهِمْ، وَتَنْقُصُهُمْ أَبْجَدِيَّاتُ المَعْرِفَةِ البَسِيطَةِ عَنْ أَهْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ. وَلِلْأَسَفِ، تَنَفَّذَ بَعْضُهُمْ سُلْطَوِيَّاً وَإِعْلَامِيَّاً، وَحَاوَلُوا قَسْرَاً تَغْيِيرَ وَاقِعٍ لَمْ يَفْهَمُوا أَبْعَادَهُ، فَشَوَّهُوا بَقِيَّةَ المُجْتَمَعِ بِتِلْكَ المُحَاوَلَاتِ الفَجَّةِ الخَرْقَاءِ. وَلَوْ تَأَمَّلْتُمْ كَمَّهُمْ وَتَأْثِيرَهُمْ اليَوْمَ فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ، لَرَأَيْتُمُ الأَثَرَ السَّيِّئَ الوَاضِحَ المُنَافِيَ لِلْفِطْرَةِ الأَهْلِيَّةِ السَّلِيمَةِ، وَبِذَلِكَ وَقَعَتْ مُجْتَمَعَاتٌ كَثِيرَةٌ ضَحِيَّةً لِأَوْهَامِ أُولَئِكَ المُشَوَّهِينَ عِلْمِيَّاً، وَانْعَكَسَ ذَلِكَ لَغَطَاً وَصُرَاخَاً تَضِجُّ بِهِ مِنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ (كَالفَيْسِبُوكِ).

الَّتِي نَسْمَعُ عَنْ بَعْضِهَا وَلَا وَقْتَ لَدَيْنَا لِمُتَابَعَتِهِ، بِمَا تَنْضَحُ بِهِ مِنْ مَقَالَاتِ التَّزْيِيفِ وَالخَيَالَاتِ المَرِيضَةِ الَّتِي تُمَنْتِجُ وَاقِعَاً زَائِفَاً لَا صِلَةَ لَهُ بِالحَقَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ وَلَا بِرُوحِ وَجُغْرَافِيَا هَذِهِ المَنَاطِقِ.

وَمِنْ هُنَا، وَحَتَّى لَا يَبْقَى هَذَا الوَعْيُ الإِدَارِيُّ النُّخْبَوِيُّ مَحْضَ تَنْظِيرٍ بَعِيدٍ عَنِ الوَاقِعِ، أَوْ رَدَّاً عَقِيمَاً فِي مَسَاحَاتِ اللَّغَطِ الإِلِكْتُرُونِيِّ، كَانَ لَا بُدَّ لِلْحَقِيقَةِ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي مُمَارَسَةٍ عَمَلِيَّةٍ مَشْهُودَةٍ، وَمَاضٍ حَيٍّ مَثَّلَتْهُ شَخْصِيَّاتٌ رَائِدَةٌ قَادَتِ المَشْهَدَ التَّارِيخِيَّ لِلْمِنْطَقَةِ بِالحِكْمَةِ وَالسُّلْطَانِ. وَإِنَّنِي إِذْ أَتَحَدَّثُ بِاسْمِ هَذَا الكِيَانِ تَبْيِينَاً لِأَبْعَادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّزْكِيَةِ لِمَعْرُوفٍ أَوْ تَعْرِيفٍ لِمُعَرَّفٍ، بَلْ هُوَ حَقُّ القَارِئِ المَنْهَجِيُّ الأَصِيلُ فِي مَعْرِفَةِ جِهَةِ التَّدْوِينِ وَمَوْقِعِ الشَّاهِدِ الَّذِي يَرْوِي التَّارِيخَ ..

إن الحُدُودَ السِّيَاسِيَّةَ الرَّاهِنَةَ وَالمَخْطُوطَةَ بِالمِسْطَرَةِ الِاسْتِعْمَارِيَّةِ لَمْ تُوجِدِ القَبَائِلَ وَلَمْ تَصْنَعِ الهُوِيَّاتِ؛ فَالقَبَائِلُ أَقْدَمُ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ بِأُلُوفِ السِّنِينَ وَأَعْمَقُ جُذُورَاً، وَالتَّدَاخُلُ القَبَلِيُّ وَالتَّلَاحُمُ الدِّيمُغْرَافِيّ هُوَ الَّذِي شَكَّلَ الكِيَانَاتِ وَالدُّوَلَ الحَالِيَّةَ وَلَيْسَ العَكْسَ. فَالسُّودَانُ لَا يَنْحَصِرُ فِي هَذِهِ البُقْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ، بَلْ هُوَ دَوْلَةٌ تَمْتَدُّ لِتُحَادِدَ مِصْرَ وَلِيبْيَا وَتَشَادَ وَإِثْيُوبِيَا وَجُنُوبَ السُّودَانِ وَأَفْرِيقْيَا، وَمِنْ كُلِّ تِلْكَ المُكَوِّنَاتِ وَالتَّدَاخُلَاتِ تَشَكَّلَتْ أَعْرَاقُهُ وَتَمَايَزَتْ سُلَالَاتُهُ. وَبِنَفْسِ القَدْرِ، فَإِنَّ إِرِيتْرِيَا تُحَادِدُ جِيبُوتِي وَإِثْيُوبِيَا وَالسُّودَانَ وَاليَمَنَ عَبْرَ بَحْرٍ كَانَ دَوْمَاً جِسْرَاً. وَمِنْ كُلِّ هَذِهِ المُكَوِّنَاتِ المُتَشَابِكَةِ تَشَكَّلَتْ أَعْرَاقُهَا الحَالِيَّةُ، وَبِذَاتِ القَدْرِ يَمْتَدُّ التَّدَاخُلُ عَبْرَ كُلِّ الحُدُودِ فِي جَوَانِبِ الدُّوَلِ المُحَادِدَةِ، عَابِرَاً بِالأَعْرَاقِ، وَالأَدْيَانِ، وَالأَخْلَاقِ، وَالعَادَاتِ، لِيُثْبِتَ أَنَّ الإِنْسَانَ فِي هَذِهِ منْطَقَةِ هُوَ ابْنُ المَجَالِ الحَيَوِيِّ مفْتُوحِ، وَلَيْسَ ابْنَ الأَسْلَاكِ الشَّائِكَةِ وَالِاتِّفَاقِيَّاتِ الدَّوْلِيَّةِ الحَدِيثَةِ..

الفَصْلُ الثَّانِي: الفَضَاءُ الحَيَوِيُّ وَالجُغْرَافْيَا التَّارِيخِيَّةُ لِلْكِيَانِ

​إِنَّ قِرَاءَةَ تَارِيخِ كِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) بِمَعْزِلٍ عَنْ طَبِيعَةِ الفَضَاءِ الجُغْرَافِيِّ الَّذِي تَحَرَّكَ فِيهِ، هِيَ قِرَاءَةٌ قَاصِرَةٌ تَقَعُ فِي فَخِّ الأَسْلَاكِ الشَّائِكَةِ الَّتِي خَطَّهَا المُسْتَعْمِرُ الحَدِيثُ. إِنَّ هَذَا الكِيَانَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَاً حَبِيسَ جُغْرَافْيَا سِيَاسِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، بَلْ كَانَ وَمَا زَال هُوَ بَيْضَةَ القَبَانِ وَالشِّرْيَانَ الحَيَوِيَّ النَّابِضَ فِي المِنْطَقَةِ المُمْتَدَّةِ بَيْنَ أَدْنَى المُرْتَفَعَاتِ وَسُهُولِ وَادِي النِّيلِ الشَّرْقِيَّةِ وَسَوَاحِلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ.

أولاً: عَبْقَرِيَّةُ المَجَالِ المَفْتُوحِ وَحَرَكَةُ الهِجْرَاتِ

​لَقَدْ صَنَعَتِ الطَّبِيعَةُ الرَّعَوِيَّةُ وَالتِّجَارِيَّةُ لِهَذَا الإِقْلِيمِ نَمَطَاً فَرِيدَاً مِنَ الِاسْتِقْرَارِ الدِّينَامِيكِيِّ؛ فَالمَجْمُوعَاتُ البَشَرِيَّةُ .

الصَّانِعَةُ لِكِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِحُرِّيَّةٍ فِطْرِيَّةٍ تَابِعَةً لِمَوَاسِمِ الأَمْطَارِ وَمَرَاعِي الخَرِيفِ وَمَشَارِعِ المِيَاهِ، مِمَّا جَعَلَ الهُوِيَّةَ الثَّقَافِيَّةَ لِلْكِيَانِ تَتَّسِمُ بِـ “السُّيُولَةِ وَالمُرُونَةِ” الَّتِي تَمْتَصُّ الصَّدَمَاتِ السِّيَاسِيَّةَ. 

 هَذَا الفَضَاءُ المَفْتُوحُ لَمْ يَكُنْ مَجَالاً طَارِدَاً، بَلْ كَانَ بُوتَقَةً جَاذِبَةً تَدَفَّقَتْ إِلَيْهَا الهِجْرَاتُ الحِجَازِيَّةُ وَالعَرَبِيَّةُ قَدِيمَاً عَبْرَ المَوَانِئِ التَّارِيخِيَّةِ، لِتَلْتَقِيَ بِالعَنَاصِرِ الأَصِيلَةِ لِأَبْنَاءِ الأَرْضِ فِي السُّهُولِ وَالوِدْيَانِ، وَمِنْ هَذَا التَّمَازُجِ الفَرِيدِ، نَشَأَتِ الرَّوَابِطُ الَّتِي جَعَلَتِ الإِنْسَانَ فِي هَذِهِ المِنْطَقَةِ يَحْمِلُ مَلامِحَ السَّاحِلِ، وَصَلَابَةَ الهَضَبَةِ، وَاتِّسَاعَ أُفُقِ السُّهُولِ السُّودَانِيَّةِ.

ثانياً: الشِّرْيَانُ الرَّابِطُ بَيْنَ السَّاحِلِ وَالعُمْقِ

​عَبْرَ العُصُورِ، لَعِبَ كِيَانُ (بَنِي عَامِرٍ) دَوْرَ المُنَظِّمِ لِحَرَكَةِ التِّجَارَةِ العَالَمِيَّةِ المَارَّةِ مِنْ مَوَانِئِ البَحْرِ الأَحْمَرِ مِثْلَ (مَصَوَّعَ) وَ(عَقِيقٍ) نَحْوَ عُمْقِ السَّلْطَنَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي دَاخِلِ السُّودَانِ (كَسَلْطَنَةِ سِنَّارَ وَالفُونْجِ) وَمَمَالِكِ الهَضَبَةِ. هَذَا الدَّوْرُ لَمْ يَكُنْ نَشَاطَاً اقْتِصَادِيَّاً عَابِرَاً، بَلْ كَانَ مَصْدَرَاً لِـ “السِّيَادَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ”؛ فَأُمَرَاءُ وَفُرْسَانُ الكِيَانِ كَانُوا هُمُ الضَّامِنِينَ لِأَمْنِ القَوَافِلِ، وَالمُشْرِفِينَ عَلَى طُرُقِ الحَجِّ التَّارِيخِيَّةِ، مِمَّا أَكْسَبَهُمْ هَيْبَةً دِبْلُومَاسِيَّةً جَعَلَتِ الإِمْبَرَاطُورِيَّاتِ المُجَاوِرَةَ تَخْطُبُ وُدَّهُمْ وَتَعْتَرِفُ بِسُلْطَتِهِمْ عَلَى هَذَا المَجَالِ الحَيَوِيِّ.

ثالثاً: التَّدَاخُلُ الحَضَارِيُّ وَمَحْوُ جُدْرَانِ العُزْلَةِ

​   إِنَّ الحَقِيقَةَ الَّتِي نُؤَكِّدُهَا أَنَّ عَبْقَرِيَّةَ التَّارِيخِ فِي فِكْرِ (بَنِي عَامِرٍ) تَكْمُنُ فِي رَفْضِ الصِّرَاعِ الصِّفْرِيِّ مَعَ الجِيرَانِ؛ فَقَدْ اسْتَطَاعَ هَذَا الكِيَانُ أَنْ يَكُونَ مَسَاحَةَ التَّقَاطُعِ الأَكْبَرَ فِي القَرْنِ الأَفِرِيقِيِّ. حَيْثُ نَجَحَتِ الحِكْمَةُ الأَهْلِيَّةُ فِي تَحْوِيلِ النِّزَاعَاتِ التَّارِيخِيَّةِ مَعَ الكِيَانَاتِ المُحَادِدَةِ إِلَى عُقُودِ جِوَارٍ وَأَوَاصِرِ رَحِمٍ وَتَبَادُلٍ مَعْرِفِيٍّ وَثَقَافِيٍّ، لِذَلِكَ، فَإِنَّ مُحَاوَلَةَ حَصْرِ هَذَا الكِيَانِ العَرِيقِ دَاخِلَ حُدُودٍ دَوْلِيَّةٍ رَاهِنَةٍ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى التَّارِيخِ.

فَالإِنْسَانُ العَامِرِيُّ هُوَ صَاحِبُ الأَرْضِ مَسْقِطَاً وَمَعَاشَاً، وَامْتِدَادُهُ العَبْقَرِيُّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ مِنْ هَذِهِ المِنْطَقَةِ جِسْرَاً حَضَارِيَّاً عَابِرَاً لِلْأَزْمَانِ، عَصِيَّاً عَلَى الِانْكِسَارِ أَمَامَ أَيِّ اسْتِهْدَافٍ سِيَاسِيٍّ حَدِيثٍ.

 قَلْعَةُ السِّيَادَةِ وَأَدَوَاتُ الحَوْكَمَةِ الرَّعَوِيَّةِ

​ إنَّ الدِّرَاسَةَ العِلْمِيَّةَ الفَاحِصَةَ لِكِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةٍ أَنْثُرُوبُولُوجِيَّةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا المَزِيجَ الحَضَارِيَّ لَمْ يَكُنْ يَوْمَاً مُجَرَّدَ تَجَمُّعٍ قَبَلِيٍّ تَقْلِيدِيٍّ يَرْتَكِزُ عَلَى صِلَاتِ الرَّحِمِ الضَّيِّقَةِ..

بَلْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ “مُؤَسَّسَةٍ إِدَارِيَّةٍ وَسِيَادِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ”، وَدَوْلَةٍ سِيَاسِيَّةٍ مُصَغَّرَةٍ نَشَأَتْ فِي فَضَاءٍ جُغْرَافِيٍّ مَفْتُوحٍ لِتَسُدَّ فَرَاغَ السُّلْطَةِ المَرْكَزِيَّةِ، وَتَحْمِيَ المَجْمُوعَاتِ السُّكَّانِيَّةِ مِنْ عَوَاصِفِ الفَنَاءِ وَالِاسْتِبْدَادِ الإِمْبَرَاطُورِيِّ النَّاشِئِ عَبْرَ العُصُورِ.

 عَبْقَرِيَّةُ النُّخَبِ وَالِاسْتِشْرَافُ الجِيُوسِيَاسِيِّ

لَمْ تَكُنِ النُّخَبُ المُسْتَنِيرَةُ فِي هَذَا الفَضَاءِ بَسِيطَةَ الوَعْيِ أَوْ مَعْزُولَةً عَنِ السِّيَاقِ؛ بَلْ تَمَاهَتْ بِذَكَاءٍ بَالِغٍ مَعَ القُوَى الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ كَالعُثْمَانِيِّينَ وَالمَمَالِيكِ. وَفِي حِينِ كَانَ المُسْتَعْمِرُ يَرَى المُسْتَقْبَلَ بَعِيدَاً، كَانَتْ عَيْنُ هَذِهِ النُّخَبِ تَرْمِي إِلَى المَدَى الأَبْعَدِ؛ فَفَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ كَرَقَمٍ صَعْبٍ عَلَى الأَرْضِ، وَانْتَزَعُوا شَهَادَاتٍ مَمْهُورَةٍ وَاعْتِرَافَاتٍ سِيَادِيَّةٍ بِأَنَّهُمْ “أَهْلُ السَّاحِلِ” وَحُرَّاسُهُ.

هَذَا الِاعْتِرَافُ التَّارِيخِيُّ لَمْ يَكُنْ تَرْفَاً، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى صَكِّ ضَغْطٍ سِيَاسِيٍّ وَجِيُوسِيَاسِيٍّ ثَمِينٍ، سَاوَمُوا عَبْرَهُ الحَبَشَةَ فِي عُقُودٍ لَاحِقَةٍ. وَعِنْدَمَا نَالَتْ أَرِيتْرِيَا اسْتِقْلَالَهَا المَجِيدَ، كَانَتْ تِلْكَ الصَّكُوكُ التَّارِيخِيَّةُ هِيَ الوَثِيقَةَ الحَاسِمَةَ الَّتِي ثَبَّتَتْ مِلْكِيَّةَ هَذَا السَّاحِلِ العَرِيضِ بِأَرْخَبِيلِ جُزُرِهِ المُمْتَدَّةِ؛ لِيَتَأَكَّدَ لِلْعَالَمِ أَنَّ مَا ظَنَّهُ البَعْضُ عَفْوِيَّةً رَعَوِيَّةً تَحْتَ ظِلِّ الإِمْبَرَاطُورِيَّاتِ، كَانَ فِي حَقِيقَتِهِ عَمَلَاً نَخْبوِيَّاً مُنَظَّمَاً لِصِنَاعَةِ مُسْتَقْبَلِ شَعْبٍ أَبِيٍّ.

 التَّحَدِّي البَدَوِيُّ وَالهَنْدَسَةُ الإِدَارِيَّةُ الصَّارِمَةِ

​ تَتَجَلَّى العَبْقَرِيَّةُ الكُبْرَى لِهَذِهِ النُّخَبِ الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى إِدَارَةِ بِنْيَةٍ سُكَّانِيَّةٍ بَالِغَةِ التَّعْقِيدِ؛ إِذْ نَحْنُ أَمَامَ “شَعْبٍ أُمَمِيٍّ” يُمَثِّلُ الأَكْثَرِيَّةَ العَدَدِيَّةَ (بَنِي عَامِرٍ)، لَكِنَّهُ مُوَزَّعٌ عَلَى بُطُونٍ وَظُهُورٍ قَبَلِيَّةٍ مُعْتَزَّةٍ بِذَاتِهَا. 

 وَفِي مُجْتَمَعٍ بَدَوِيٍّ قُحٍّ، تَتَأَصَّلُ فِيهِ عِزَّةُ النَّفْسِ، وَتُقَاسُ فِيهِ الأَفْضَلِيَّةُ بِمَا تَمْلِكُهُ الأَيْدِي مِنَ الإِبِلِ وَالخَيْلِ وَالبَقَرِ، يَكُونُ الانْقِيَادُ التَّقْلِيدِيُّ ضَرْبَاً مِنَ المُسْتَحِيلِ، وَتَكُونُ أَيُّ حَرَكَةٍ تَنْظِيمِيَّةٍ خَاطِئَةٍ بِمَثَابَةِ شَرَارَةٍ تَجْلِبُ الهَلَاكَ وَالتَّشَظِّي أَمَامَ هَذِهِ المَعْضَلَةِ البِنْيَوِيَّةِ، انْفَتَحَ أُفُقُ النُّخَبِ عَلَى فِكْرَةٍ إِدَارِيَّةٍ نَاجِعَةٍ، تَلَقَّفُوهَا مِنْ بَقَايَا جُنُودِ المَمَالِيكِ الشَّرَاكِسَةِ الَّذِينَ طَابَ لَهُمُ المَقَامُ فِي تِلْكَ التُّخُومِ. هَذِهِ الفِكْرَةُ تُشَابِهُ فِي عُمْقِهَا الحَدِيثِ النَّظَرِيَّاتِ الفِكْرِيَّةَ الكُبْرَى كَالِاشْتِرَاكِيَّةِ وَالرَّأْسْمَالِيَّةِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا “أَدَوَاتِ حَوْكَمَةٍ عُلْيَا لِإِدَارَةِ المُجْتَمَعَاتِ”. دَرَسَتِ النُّخَبُ العَامِرِيَّةُ هَذَا التَّنْظِيمَ المملوكى الشَّرْكَسِيَّ، وَقَامَتْ بِإِنْزَالِهِ وَتَطْبِيقِهِ دَاخِلَ بِنْيَتِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بَعِيدَاً عَنْ مُلَاحَقَاتِ السِّيَاسَةِ اليَوْمِيَّةِ (سَاسَ يَسُوسُ)، لِيَتَحَوَّلَ إِلَى نِظَامٍ أَهْلِيٍّ صَارِمٍ، حَوَّلَ الأَعْرَافَ الشَّفَاهِيَّةَ إِلَى مُؤَسَّسَةٍ تَنْفِيذِيَّةٍ وَسِيَادِيَّةٍ مُحْكَمَةِ البِنَاءِ، عُرِفَتْ بِـ مَنْظُومَةِ (الخَاسَا).

الأُصُولُ المَفْهُومِيَّةُ لِلْمَنْظُومَةِ وَأَبْعَادُهَا العَالَمِيَّةِ

إِنَّ دِرَاسَةَ مَنْظُومَةِ (الخَاسَا) فِي هَذَا المَبْحَثِ التَّارِيخِيِّ تَقْتَضِي إِذَنْ التَّمْيِيزَ الصَّارِمَ بَيْنَ “الهُوِيَّةِ العِرْقِيَّةِ الأَصِيلَةِ لِلْمُجْتَمَعِ” وَبَيْنَ “النِّظَامِ الإِدَارِيِّ المُقْتَبَسِ”. فَالخَاسَا لَمْ تَكُنْ يَوْمَاً عِرْقَاً أَوْ نَسَبَاً دَمَوِيَّاً طَارِئَاً عَلَى أَرْضِهِ، بَلْ هِيَ مَدْرَسَةُ حَوْكَمَةٍ وَعَسْكَرَةٍ صَارِمَةٍ، يَرْتَبِطُ مُسَمَّاهَا بِتِلْكَ المَنْظُومَةِ السِّيَادِيَّةِ الَّتِي نُقِلَتْ وَتَوَارَثَتْهَا الأَجْيَالُ عَبْرَ نُظُمِ الحُكْمِ الشَّرْكَسِيَّةِ وَعُهُودِ المَمَالِيكِ الَّذِينَ حَكَمُوا المِنْطَقَةَ وَأَمَّنُوا ثُغُورَ البَحْرِ الأَحْمَرِ وَمِثْلَمَا شَهِدَ التَّارِيخُ الحَدِيثُ تَبَنِّي شُعُوبٍ شَتَّى لِنُظُمٍ إِدَارِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْقَوْمِيَّاتِ كَالِاشْتِرَاكِيَّةِ أَوِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ لِتَدْبِيرِ مَعَاشِهَا وَحَوْكَمَةِ دُوَلِهَا، دُونَ أَنْ تَنْسَلِخَ عَنْ أُصُولِها الإِثْنِيَّةِ أَوْ تَتَحَوَّلَ إِلَى أَعْرَاقِ مُؤَسِّسِي تِلْكَ النُّظُمِ؛ كَذَلِكَ كَانَ تَمَثُّلُ هَذَا الإِرْثِ الإِدَارِيِّ بِمَثَابَةِ دِرْعٍ تَنْظِيمِيٍّ حَدِيدِيٍّ لَبِسَهُ الكِيَانُ الأَصِيلُ لِبَنِي عَامِرٍ لِحِمَايَةِ سِيَادَتِهِ وَمَوَارِدِهِ.

وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ مُصْطَلَحِ (الخَاسَا) بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ لَفْظٍ مَحَلِّيٍّ عَابِرٍ، أَوْ تَأْوِيلَهُ بِدَلَالَاتٍ طَبَقِيَّةٍ دُونِيَّةٍ، هِيَ جِنَايَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ كُبْرَى حَاوَلَتْ مَطَابِخُ التَّدْوِينِ المُعَادِيَةِ تَرْسِيخَهَا عَبْرَ سَنَوَاتِ الشَّتَاتِ لِتَزْيِيفِ الحَقَائِقِ.

مَأْسَسَةُ التَّنْظِيمِ البَيْنِيِّ وَإِدَارَةُ المَوَارِدِ

​لَقَدِ اسْتَلْزَمَتْ هَذِهِ الهَنْدَسَةُ الإِدَارِيَّةُ الَّتِي حَرَسَتْهَا النُّخَبُ وُجُودَ حَلَقَاتِ وَصْلٍ تَنْظِيمِيَّةٍ رَاصِدَةٍ عَلَى الأَرْضِ، وَهُنَا بَرَزَ دَوْرُ مَا يُعْرَفُ بِـ “شُيُوخِ الرَّبْطِ”؛ وَهِيَ صِفَةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ بَحْتَةٌ لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الرُّوحِيَّةِ أَوِ المَشْيَخَاتِ الطَّارِئَةِ. كَانَ “شَيْخُ الرَّبْطِ” بِمَثَابَةِ الضَّابِطِ الإِدَارِيِّ الـمَسْؤُولِ عَنْ تَحْقِيقِ الِانْتِصَافِ وَالِانْصِيَاعِ العُرْفِيِّ كُلِّيَّاً، وَتَنْظِيمِ الجِبَايَاتِ، وَتَنْفِيذِ الأَحْكَامِ الصَّارِمَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ المَجَالِسِ العُرْفِيَّةِ لِمَنْعِ التَّشَظِّي.

​وَتَكَامَلَ هَذَا الضَّبْطُ البِنْيَوِيُّ مَعَ عَقْلِيَّةٍ حِسَابِيَّةٍ صَارِمَةٍ فِي تَدْبِيرِ الِاقْتِصَادِ الرَّعَوِيِّ وَإِدَارَةِ المَرَاعِي وَمَصَادِرِ المِيَاهِ (العُدُدِ) فِي أَزْمِنَةِ الشَّحِّ. هَذِهِ المَأْسَسَةُ الدَّقِيقَةُ حَوَّلَتِ الخَاسَا فِي نَظَرِ الرَّحَّالَةِ وَالمُؤَرِّخِينَ الأَجَانِبِ إِلَى “آلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَإِدَارِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ”.

وَهِيَ الحَقِيقَةُ الَّتِي تُبْطِلُ رَأْسَاً عَلَى عَقِبٍ كُلَّ دَعَاوَى الوَصْمِ، لِتُعِيدَ المَسْمَى إِلَى مَقَامِهِ الرَّفِيعِ كَإِرْثٍ تَنْظِيمِيٍّ حَمَى الهُوِيَّةَ الأَصِيلَةَ.

التَّمَازُجُ البِنْيَوِيُّ وَمَعْرَكَةُ البَقَاءِ

​عِنْدَمَا امْتَزَجَ هَذَا الإِرْثُ التَّنْظِيمِيُّ بِالتَّرْكِيبَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِكِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ)، تَشَكَّلَتِ الخَاسَا كَمَنْظُومَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ حَدِيدِيَّةٍ تَمْتَلِكُ أَدَوَاتِ الِاسْتِمْرَارِ، مِمَّا جَعَلَ هَذَا المُجْتَمَعَ بِمَثَابَةِ “دَوْلَةٍ دَاخِلَ دَوْلَةٍ” أَعْجَزَتِ القُوَى الإِقْلِيمِيَّةَ وَالِاسْتِعْمَارِيَّةَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَصَنَعَتْ بِذَلِكَ أَرْضِيَّةَ الِاسْتِقْلَالِ التَّارِيخِيِّ.

أولاً: الأُصُولُ العَالَمِيَّةُ وَالضَّبْطُ المَفْهُومِيُّ لِلْمَنْظُومَةِ

​ إِنَّ دِرَاسَةَ مَنْظُومَةِ (الخَاسَا) فِي هَذَا المَبْحَثِ التَّارِيخِيِّ تَقْتَضِي أَوَّلاً التَّمْيِيزَ المَنْهَجِيَّ الصَّارِمَ، وَالفَصْلَ الإِبِسْتِمُولُوجِيَّ [1] بَيْنَ “الهُوِيَّةِ العِرْقِيَّةِ الأَصِيلَةِ لِلْمُجْتَمَعِ” وَبَيْنَ “النِّظَامِ الإِدَارِيِّ المُقْتَبَسِ”. فَالخَاسَا لَمْ تَكُنْ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ سُلَالَةً عِرْقِيَّةً مَحْضَةً، وَلَا نَسَبَاً دَمَوِيَّاً طَارِئَاً عَلَى جُغْرَافِيَّتِهِ، بَلْ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا المَوْثُوقَةِ مَدْرَسَةُ حَوْكَمَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ صَارِمَةٍ، وَنِظَامُ إِدَارَةٍ سِيَادِيٍّ عَابِرٍ لِلْحُدُودِ الإِقْلِيمِيَّةِ. يَرْتَبِطُ مُسَمَّاهَا بِنَمُوذَجٍ تَنْظِيمِيٍّ عَالَمِيٍّ، نُقِلَ وَتَوَارَثَتْهُ النُّخَبُ الحَاكِمَةُ عَبْرَ نُظُمِ العَسْكَرَةِ الشَّرْكَسِيَّةِ وَعُهُودِ المَمَالِيكِ الَّذِينَ بَسَطُوا سُلْطَانَهُمْ عَلَى ثُغُورِ البَحْرِ الأَحْمَرِ وَأَمَّنُوا مَوَانِئَهُ الحَيَوِيَّةَ [2]. وَمِثْلَمَا شَهِدَ التَّارِيخُ الإِنْسَانِيُّ الحَدِيثُ تَبَنِّي شُعُوبٍ وَأُمَمٍ شَتَّى لِنُظُمٍ إِدَارِيَّةٍ، وَفَلْسَفَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْقَوْمِيَّاتِ كَالِاشْتِرَاكِيَّةِ، أَوِ الرَّأْسْمَالِيَّةِ، أَوِ الشُّيُوعِيَّةِ، أَوِ اللَّيْبِرَالِيَّةِ ، لِتَدْبِيرِ مَعَاشِهَا وَتَنْظِيمِ دُوَلِهَا، دُونَ أَنْ تَنْسَلِخَ تِلْكَ الشُّعُوبُ عَنْ أُصُولِهَا الإِثْنِيَّةِ الرَّاسِخَةِ، أَوْ تَتَحَوَّلَ جِينِيَّاً إِلَى أَعْرَاقِ الفَلَاسِفَةِ وَالمُؤَسِّسِينَ لِتِلْكَ النُّظُمِ؛ كَذَلِكَ كَانَ تَمَثُّلُ هَذَا الإِرْثِ الإِدَارِيِّ المَمْلُوكِيِّ فِي مَجَالِنَا الحَيَوِيِّ. 

لَقَدْ كَانَ بِمَثَابَةِ دِرْعٍ تَنْظِيمِيٍّ حَدِيدِيٍّ، طَوَّعَهُ وَلَبِسَهُ الكِيَانُ الأَصِيلُ لِأُمَّةِ (البَنِي عَامِرٍ) لِحِمَايَةِ سِيَادَتِهِ الإِقْلِيمِيَّةِ، وَصَوْنِ مَوَارِدِهِ الِاقْتِصَادِيَّةِ فِي وَجْهِ التَّهْدِيدَاتِ المُحِيطَةِ بِهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ.

بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّأْصِيلِ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ مُصْطَلَحِ (الخَاسَا) بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ لَفْظٍ مَحَلِّيٍّ بَدَائِيٍّ، أَوْ تَأْوِيلَهُ بِدَلَالَاتٍ طَبَقِيَّةٍ دُونِيَّةٍ قَائِمَةٍ عَلَى الِاسْتِعْبَادِ أَوِ السُّخْرَةِ، لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ “جِنَايَةً مَنْهَجِيَّةً كُبْرَى”، وَتَزْيِيفَاً مَعْرِفِيَّاً مُتَعَمَّدَاً. هَذِهِ القِرَاءَةُ المَشُوهَةُ صَنَعَتْهَا وَرَعَتْهَا مَطَابِخُ التَّدْوِينِ المُعَادِيَةِ الَّتِي اسْتَغَلَّتْ سَنَوَاتِ الشَّتَاتِ لِتَفْكِيكِ المَاضِي المَجِيدِ، وَتَصْوِيبِ السِّهَامِ إِلَى صَدْرِ الوَحْدَةِ الأَهْلِيَّةِ الجَامِعَةِ.

​وَمِمَّا زَادَ الخَرْقَ اتِّسَاعَاً، أَنَّ هَذَا التَّرْوِيجَ المَسْمُومَ لَقِيَ سُوقَاً رَائِجَةً بَيْنَ ثُلَّةٍ مِنَ المُتَعَالِمِينَ مِنَ الجُهَّالِ، وَسَوَادٍ مِنَ العَوَامِّ الَّذِينَ تَلَقَّفُوا هَذَا المَفْهُومَ النَّشَازَ لِلْمُسَمَّى، وَطَبَعُوهُ فِي أَذْهَانِهِمْ كَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مُسَلَّمٌ بِهَا حَتَّى غَدَا النَّاسُ يَرِدُونَ مَوَارِدَ الهَلَاكِ المَعْرِفِيِّ بِأَقْلَامِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ، مُرَدِّدِينَ أُطْرُوحَاتٍ وُضِعَتْ أَصْلَاً لِتَجْرِيدِهِمْ مِنْ إِرْثِهِمْ السِّيَادِيِّ الرَّصِينِ.

أولاً: فَلْسَفَةُ البِنَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَمَفْهُومُ السِّيَادَةِ التَّارِيخِيَّةِ.

​   لَقَدْ قَامَ المِعْمَارُ الِاجْتِمَاعِيُّ القَدِيمُ لِهَذَا الكِيَانِ الرَّائِدِ عَلَى تَقْسِيمٍ وَظِيفِيٍّ صَارِمٍ وَمُتَكَامِلٍ، تَمَايَزَتْ فِيهِ الأَدْوَارُ دُونَ تَنَافُرٍ. وَهُنَا يَجِبُ عَلَى الأَقْلَامِ الأَكَادِيمِيَّةِ الحَدِيثَةِ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ المَفَاهِيمِ الغَرْبِيَّةِ المُسْتَوْرَدَةِ الَّتِي تُحَاوِلُ قَسْرَ هَذَا التَّرْكِيبِ دَاخِلَ أُطُرِ “الإِقْطَاعِ” أَوْ “العُنْصُرِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى الطَّبَقَةِ” بِمَفْهُومِهَا الأُورُوبِّيِّ المَشُوهِ. إِنَّ التَّحْقِيقَ التَّارِيخِيَّ يُثْبِتُ أَنَّ هَذَا التَّمَايُزَ الوَظِيفِيَّ.

كَانَ فِي أَصْلِهِ “عَقْدَاً اجْتِمَاعِيَّاً إِدَارِيَّاً تَبَادُلِيَّاً” لِحِمَايَةِ الحَيَاةِ الرَّعَوِيَّةِ وَالِاسْتِقْرَارِ الِاقْتِصَادِيِّ وهوالرَّكِيزَةُ السِّيَادِيَّةُ وَالدِّفَاعِيَّةُ الَّتِي تَوَلَّتِ القِيَادَةَ العَسْكَرِيَّةَ وَالِاسْتِرَاتِيجِيَّةَ، وَحَمَلَتْ عَلَى عَاتِقِهَا الكُلْفَةَ البَاهِظَةَ لِحِمَايَةِ الحُدُودِ وَصَدِّ الغَزَوَاتِ الخَارِجِيَّةِ، وَإِدَارَةِ العَلَاقَاتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ المُعَقَّدَةِ مَعَ القُوَى الإِقْلِيمِيَّةِ الحَاكِمَةِ فِي السَّوَاحِلِ وَالمُرْتَفَعَاتِ.

​الرَّكِيزَةُ الإِنْتَاجِيَّةُ وَالدِّيمُغْرَافِيَّةُ َهِيَ القَاعِدَةُ البَشَرِيَّةُ العَرِيضَةُ الَّتِي شَكَّلَتِ العُمْقَ الِاقْتِصَادِيَّ لِلْكِيَانِ عَبْرَ رِعَايَةِ المَاشِيَةِ، وَالزِّرَاعَةِ، وَتَأْمِينِ الشِّرْيَانِ الحَيَاتِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا التَّقْسِيمُ يَعْنِي انْفِصَالاً فِي المَصِيرِ، بَلْ كَانَ انْصِهَارَاً تَامَّاً تَحْتَ لِوَاءِ اللِّسَانِ الجَامِعِ وَالهُوِيَّةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُ كُلَّ مَنْ تَنَفَّسَ هَوَاءَ هَذَا الفَضَاءِ.

​وَلَمْ يَكُنْ هَذَا التَّقْسِيمُ بِأَيِّ حَالٍ يَعْنِي انْفِصَالاً فِي المَصِيرِ، أَوْ تَمَايُزاً فِي مَرْتَبَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، بَلْ كَانَ انْصِهَارَاً عُضْوِيَّاً كَامِلَاً تَحْتَ لِوَاءِ اللِّسَانِ الجَامِعِ (تَقْرِي) وَالهُوِيَّةِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي صَهَرَتْ كُلَّ مَنْ تَنَفَّسَ هَوَاءَ هَذَا الفَضَاءِ وَانْتَمَى إِلَى تُرَابِهِ.

ثَالِثَاً: التَّحَوُّلُ البِنْيَوِيُّ.. مِنَ النِّظَامِ المَحْصُورِ إِلَى الهُوِيَّةِ الثَّقَافِيَّةِ الجَامِعَةِ

​إِنَّ العَبْقَرِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لِهَذَا الفَضَاءِ الحَضَارِيِّ لَا تَكْمُنُ فَقَطْ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِيرَادِ النُّظُمِ السِّيَادِيَّةِ العَالَمِيَّةِ وَتَطْوِيعِهَا مَحَلِّيَّاً، بَلْ فِي مَقْدِرَتِهِ الفَذَّةِ عَلَى إِحْدَاثِ “تَحَوُّلٍ أَنْتُرُوبُولُوجِيٍّ عَمِيقٍ” . 

فَمَعَ مُرُورِ القُرُونِ، وَبِفِعْلِ العَيْشِ المُشْتَرَكِ وَالمَصِيرِ الوَاحِدِ، ذَابَتِ الفَوَارِقُ الوَظِيفِيَّةُ التَّنْظِيمِيَّةُ الحَتْمِيَّةُ، لِتَتَحَوَّلَ “الخَاسَا” مِنْ مُجَرَّدِ لَقَبٍ لِمَنْظُومَةِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ لِجِهَازٍ إِدَارِيٍّ عَسْكَرِيٍّ، إِلَى هُوِيَّةٍ إِثْنِيَّةٍ، وَثَقَافَةٍ رَاسِخَةٍ، وَنَسِيجٍ سُوسْيُولُوجِيٍّ مُتَمَاسِكٍ، انْصَهَرَتْ فِيهِ المَجْمُوعَاتُ كُلُّهَا فِي بُوتَقَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَقْبَلُ القِسْمَةَ.

​وَقَدْ لَعِبَ “اللِّسَانُ الجَامِعُ” (التَّقْرِي) الدَّوْرَ المِحْوَرِيَّ وَالحَاسِمَ فِي هَذَا الِانْصِهَارِ التَّارِيخِيِّ؛ فَلَمْ يَكُنِ اللِّسَانُ هُنَا مُجَرَّدَ أَدَاةٍ لِلتَّوَاصُلِ اليَوْمِيِّ المَعِيشِيِّ، بَلْ كَانَ — بِأَبْعَادِهِ السَّامِيَّةِ العَرِيقَةِ وَاشْتِقَاقَاتِهِ الضَّارِبَةِ فِي عُمْقِ التَّارِيخِ المَحَلِّيِّ [5] — وِعَاءً حَضَارِيَّاً نَقَلَ المَفَاهِيمَ السِّيَادِيَّةَ، وَصَاغَ الوِجْدَانَ الجَمْعِيَّ، وَأَسَّسَ لِمَنْظُومَةٍ قِيَمِيَّةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ عُرِفَتْ بِـ (التَّدَاهُلِ). هَذِهِ المَنْظُومَةُ جَعَلَتِ الحُقُوقَ وَالوَاجِبَاتِ تَبَادُلِيَّةً وَمَقْدُوسَةً، وَحَوَّلَتِ التَّبَايُنَ الوَظِيفِيَّ القَدِيمَ إِلَى مَصْدَرِ قُوَّةٍ وَتَكَامُلٍ، لَا مَصْدَرَ ضَعْفٍ وَتَنَاحُرٍ.

​وَبِنَاءً عَلَيْهِ، فَإِنَّ مُحَاوَلَاتِ بَعْضِ المَدَارِسِ التَّارِيخِيَّةِ الطَّارِئَةِ، أَوْ أَقْلَامِ المُنْبَتِّينَ فِي الشَّتَاتِ، الفَصْلَ بَيْنَ مَكَوِّنَاتِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِنَاءً عَلَى أَدْوَارِهَا القَدِيمَةِ، هِيَ مُحَاوَلَةٌ بَائِسَةٌ لِتَفْكِيكِ كِيَانٍ اسْتَقَرَّ كَحَقِيقَةٍ جِيُوبُولُوتِيكِيَّةٍ عَبْرَ مِئَاتِ السِّنِينَ. إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ هَدْمَ النَّبَاتِ الشَّامِخِ بِالعَوْدَةِ إِلَى تَفْكِيكِ البِذْرَةِ الأُولَى الَّتِي انْمَحَتْ تَفَاصِيلُهَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ لِتُعْطِيَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الوَارِفَةَ؛ فَالهُوِيَّةُ لَيْسَتْ لَحْظَةً جَامِدَةً فِي المَاضِي، بَلْ صَيْرُورَةٌ تَارِيخِيَّةٌ صَنَعَهَا الدَّمُ، وَاللُّغَةُ، وَالأَرْضُ، وَالمَصِيرُ المُشْتَرَكُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ (البَنِي عَامِرٍ) رَقْمَاً صَعْبَاً فِي مُعَادَلَةِ الشَّرْقِ وَالقَرْنِ الأَفْرِيقِيِّ.

ثانياً: النُّظُمُ العُرْفِيَّةُ وَالقَضَاءُ الأَهْلِيُّ .

​لَمْ يَكُنْ كِيَانُ (بَنِي عَامِرٍ) لِيَصْمُدَ كَقُوَّةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ مُهَابَةٍ عَبْرَ المِئَاتِ مِنَ السِّنِينَ لَوْلَا وُجُودُ بِنْيَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ عُرْفِيَّةٍ رَاسِخَةٍ عُرِفَتْ بِـ  (العُرْفِ العَامِرِيِّ المُرْتَضَى). هَذَا النِّظَامُ القَضَائِيُّ لَمْ يَكُنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ فَرْعٍ وَآخَرَ، بَلْ كَانَ يُدَارُ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ عَبْرَ مَجَالِسِ الحُكَمَاءِ وَالأَجْوَادِ..

مُرْتَكِزَاً عَلَى مَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَمَا تَوَافَقَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ العَادَاتِ الأَهْلِيَّةِ العَادِلَةِ، لَقَدْ نَظَّمَ هَذَا العُرْفُ الشَّامِلُ مَسَائِلَ الدِّيَاتِ، وَحُقُوقَ المَرَاعِي، وَتَقْسِيمَ مَشَارِعِ المِيَاهِ، فَلَا تَبْغِي مَجْمُوعَةٌ عَلَى أُخْرَى بِفَضْلِ كَثْرَتِهَا أَوْ نُفُوذِهَا، بَلْ كَانَ الجَمِيعُ يَقِفُونَ سَوَاسِيَةً أَمَامَ سُلْطَةِ “العَقْدِ الِاجْتِمَاعِيِّ الأَهْلِيِّ”. هَذِهِ العَبْقَرِيَّةُ التَّنْظِيمِيَّةُ هِيَ الَّتِي حَوَّلَتِ التَّبَايُنَاتِ البَشَرِيَّةَ إِلَى طَاقَةِ بِنَاءٍ مَتِينَةٍ،وَجَعَلَتِ الكِيَانَ يَبْدُو فِي أَعْيُنِ القُوَى الِاسْتِعْمَارِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ كَـ “حُكُومةٍ أَهْلِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهَا” لَهَا مَنَاطِقُ نُفُوذِهَا المَحْسُومَةُ وَأُطُرُهَا التَّشْرِيعِيَّةُ المُنْضَبِطَةُ.

ثالثاً: بُوتَقَةُ الِانْصِهَارِ وَالهُوِيَّةِ العَابِرَةِ لِلْحُدُودِ

​  حِينَمَا نَتَأَمَّلُ لِقَاءَ المَجْمُوعَاتِ دَاخِلَ هَذَا المُحِيطِ، نَرَى كَيْفَ ذَابَتِ الفَوَارِقُ السُّلَالِيَّةُ القَدِيمَةُ لِتَتَحَوَّلَ إِلَى هُوِيَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ وَإِسْلَامِيَّةٍ رَصِينَةٍ، حَيْثُ كَانَ هَذَا الكِيَانُ يُمَثِّلُ الحَلَقَةَ الأَبْرَزَ وَالجِسْرَ النَّابِضَ بَيْنَ الرَّوَابِطِ الوَاقِعَةِ بَيْنَ الوَادِي وَالهَضَبَةِ وَالسَّاحِلِ.

​لَقَدِ التَقَتْ كَافَّةُ العَنَاصِرِ وَالمُكَوِّنَاتِ فِي نَهْرٍ حَضَارِيٍّ وَاحِدٍ، مَحَتْ فِيهِ الحِكْمَةُ التَّارِيخِيَّةُ أَيَّ أَثَرٍ لِلِانْقِسَامِ، مِمَّا يَمْنَحُنَا القُوَّةَ المَنْهَجِيَّةَ لِنَقُولَ لِلْعَالَمِ اليَوْمَ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَاعْتِزَازٍ: نَحْنُ “بَنِي عَامِرٍ” وَكَفَى. إِنَّ هَذَا الِاسْمَ جَامِعٌ مَانِعٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ يُضْعِفُهُ، وَلَا إِلَى تَفْرِيعٍ يُشَتِّتُ مَعْنَاهُ. 

نَحْنُ أَبْنَاءُ هَذِهِ الأَرْضِ الشَّاسِعَةِ المُمْتَدَّةِ، عَيْنُنَا عَلَى المَاضِي المَجِيدِ لِنَسْتَلْهِمَ مِنْهُ حِكْمَةَ التَّمَاسُكِ، وَأَقْدَامُنَا رَاسِخَةٌ فِي أَرْضِ الحَقِيقَةِ لِنَبْنِيَ المُسْتَقْبَلَ بِأَجْيَالٍ تَعْرِفُ قِيمَةَ الوَحْدَةِ وَتَرْفُضُ مَنْطِقَ التَّجْزِئَةِ.

الفَصْلُ الرَّابِعُ: الـتَّكَاتُفُ الـمُجْتَمَعِيُّ وَالـبِنْيَةُ الـفَلْسَفِيَّةُ لِلْكِيَانِ.. أَرَاحِمُ مَوْصُولَةٌ وَأَعْرَافٌ رَاسِخَةٌ

​  إِنَّ الـقُوَّةَ الـحَقِيقِيَّةَ لِكِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) لَمْ تَكُنْ يَوْمَاً مُسْتَمَدَّةً مِنْ عَتَادٍ عَسْكَرِيٍّ أَوْ تَحَالُفَاتٍ سِيَاسِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ كَانَتْ نَتِيجَةً لِـ “فَلْسَفَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ صَلْبَةٍ” تَقُومُ عَلَى الـتَّضَامُنِ الـعُضْوِيِّ وَالـتَّكَاتُفِ الـمَصِيرِيِّ. هَذَا الـتَّمَاسُكُ الـبِنْيَوِيُّ هُوَ الَّذِي حَمَى الـكِيَانَ مِنَ الـتَّفْتِيتِ عَبْرَ الـحُقَبِ الـتَّارِيخِيَّةِ الـمُتَعَاقِبَةِ، وَشَكَّلَ الـمِصَدَّ الـمَنِيعَ ضِدَّ كُلِّ عَوَامِلِ الـتَّعْرِيَةِ الـثَّقَافِيَّةِ وَالـسِّيَاسِيَّةِ.

أولاً: شَبَكَةُ الأَوَاصِرِ الـرَّحَمِيَّةِ كَنِظَامٍ حِمَائِيٍّ

​ لَمْ تَكُنِ الأَنْسَابُ فِي الـمَنْظُورِ الـعَامِرِيِّ لِمُجَرَّدِ الـمَفَاخِرِ، بَلْ كَانَتْ تُعَامَلُ كَـ “نِظَامٍ حِمَائِيٍّ وَتَكْافُلِيٍّ مُتَكَامِلٍ”. الـرَّوَابِطُ الـرَّحَمِيَّةُ الـمَمْدُودَةُ بَيْنَ الـبُيُوتَاتِ الـقِيَادِيَّةِ وَالأُسَرِ فِي أَدْنَى الـمُرْتَفَعَاتِ وَالـمُنْخَفَضَاتِ خَلَقَتْ شَبَكَةً مِنَ الـمَصَالِحِ الـمُشْتَرَكَةِ والـدِّفَاعِ الـمُتَبَادَلِ.

​عِنْدَمَا كَانَتْ تَمُرُّ بِالإِقْلِيمِ جَائِحَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ أَوْ هِجْمَةٌ خَارِجِيَّةٌ، كَانَتْ هَذِهِ “الأَرَاحِمُ الـمَوْصُولَةُ” تَتَحَرَّكُ تِلْقَائِيَّاً عَبْرَ آلِيَّاتٍ أَهْلِيَّةٍ مِثْلَ الـقَضَاءِ الـعُرْفِيِّ وَالـتَّعْوِيضِ الـجَمَاعِيِّ، مِمَّا يَمْنَعُ انْكِسَارَ أَيِّ جُزْءٍ مِنَ الـبِنْيَةِ الـقَبَلِيَّةِ، وَيُحَافِظُ عَلَى تَوَازُنِ الـمُجْتَمَعِ وَهَيْبَتِهِ الإِدَارِيَّةِ.

ثانياً: فَلْسَفَةُ الـتَّضَامُنِ الأَهْلِيِّ (العُرْفُ وَالـمُعَالَجَةُ الـمُجْتَمَعِيَّةُ)

​تَمَيَّزَ الـكِيَانُ بِوُجُودِ دُسْتُورٍ عُرْفِيٍّ غَيْرِ مَكْتُوبٍ لَكِنَّهُ نَافِذٌ وَمُقَدَّسٌ لَدَى الـجَمِيعِ. هَذَا الـعُرْفُ لَمْ يَكُنْ أَدَاةً لِفَضِّ الـنِّزَاعَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ رُؤْيَةً فَلْسَفِيَّةً لِـ “الـمُعَالَجَةِ الـمُجْتَمَعِيَّةِ الـمَسْؤُولَةِ”.

​حِمَايَةُ الـضَّعِيفِ وَالـمُسْتَجِيرِ: كَانَ الـتِزَامُ الـكِيَانِ بِإِغَاثَةِ الـمَلْهُوفِ وَتَأْمِينِ الـخَائِفِ صِفَةً سَائِدَةً، مِمَّا جَعَلَ الـمِنْطَقَةَ نُقْطَةَ جَذْبٍ وَاسْتِقْرَارٍ لِلْقَبَائِلِ وَالـهَجَرَاتِ الأُخْرَى الَّتِي صُهِرَتْ دَاخِلَ هَذَا الـنَّسِيجِ لِتُصْبِحَ جُزْءاً مِنَ الـكِيَانِ بَعْدَ ذَلِكَ.

​الـتَّكَاتُفُ الِاقْتِصَادِيُّ (الـمِنْحَةُ وَالـعَوْنُ): وُجِدَتْ نُظُمٌ أَهْلِيَّةٌ دَقِيقَةٌ لِإِعَادَةِ تَوْزِيعِ الـثَّرْوَةِ (مِثْلَ مَاشِيَةِ الـمِنْحَةِ أَوْ الـقَرْضِ الـحَسَنِ الـمُجْتَمَعِيِّ) لِضَمَانِ أَلَّا يَفْتَقِرَ بَيْتٌ أَوْ تَسْقُطَ أُسْرَةٌ، وَهُوَ مَا خَلَقَ رَفَاهَاً نِسْبِيَّاً وَاسْتِقْرَارَاً نَفْسِيَّاً تَرَعْرَعَتْ فِي ظِلِّهِ الأَجْيَالُ.

ثالثاً: الإِرْثُ الإِدَارِيُّ كَرَافِعَةٍ لِلْوَعْيِ الـقَوْمِيِّ

​ إِنَّ تَعَوُّدَ أَبْنَاءِ الـكِيَانِ عَلَى الـنِّظَامِ الإِدَارِيِّ الـصَّارِمِ سَوَاءٌ الـمَوْرُوثِ  أَوْ الـمُطَوَّرِ فِي الـعَهْدِ الإِيطَالِيِّ جَعَلَ الـعَقْلِيَّةَ الـعَامِرِيَّةَ عَقْلِيَّةً “مُنَظَّمَةً  لَمْ يَكُونُوا يَعِيشُونَ فِي فَوْضَى بَدَاوَةٍ، بَلْ فِي إِطَارِ مَحَاكِمَ أَهْلِيَّةٍ، وَمَجَالِسَ شُورَى، وَتَقْسِيمَاتٍ إِدَارِيَّةٍ وَاضِحَةٍ.

هَذَا الـتَّنْظِيمُ الـدَّاخِلِيُّ الـمَتِينُ، وَهَذَا الـتَّكَاتُفُ الَّذِي لَا تَنْفَصِمُ عُرَاهُ، هُوَ الَّذِي صَنَعَ “الـخَلِيَّةَ الـحَيَّةَ” الَّتِي اسْتَطَاعَتْ لَاحِقَاً أَنْ تَتَحَمَّلَ صَدَمَاتِ الـسِّيَاسَةِ. وَمِنْ رَحِمِ هَذَا الـتَّمَاسُكِ الـمُجْتَمَعِيِّ الـشَّامِلِ، وُلِدَ الـوَعْيُ الـسِّيَاسِيُّ الـنَّاضِجُ كَنَتِيجَةٍ طَبِيعِيَّةٍ وَحَتْمِيَّةٍ.

الفَصْلُ الخَامِسُ: 

​لَقَدْ كَانَتِ النُّخَبُ السِّيَاسِيَّةُ وَالإِمْبَرَاطُورِيَّةُ الإِيثْيُوبِيَّةُ المُرْتَبِطَةُ بِالهَضَبَةِ تَعِي تَمَامَاً مَكْمَنَ هَذِهِ القُوَّةِ؛ فَقَدْ أَدْرَكُوا أَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ تَغَلْغُلَهُمْ وَتَحْقِيقَ أَطْمَاعِهِمُ التَّوَسُّعِيَّةِ نَحْوَ السُّهُولِ وَالسَّوَاحِلِ .

لَيْسَتِ الجُيُوشُ النِّظَامِيَّةُ النَّاشِئَةُ، بَلْ هِيَ صَلَابَةُ هَذِهِ المَنْظُومَةِ العُرْفِيَّةِ المُنْفَذَةِ العَصِيَّةِ عَلَى الِاخْتِرَاقِ . وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ، فَإِنَّ التَّمَاسُكَ البِنْيَوِيَّ الَّذِي أَدَارَتْهُ المَنْظُومَةُ بِأَبْعَادِهَا  التَّنْظِيمِيَّةِ هُوَ الَّذِي صَنَعَ المُقَاوَمَةَ الحَقِيقِيَّةَ عَلَى الأَرْضِ، وَشَكَّلَ النَّوَاةَ الصَّلْبَةَ وَالسَّبَبَ الرَّئِيسَ لِانْدِلَاعِ الثَّوْرَةِ الَّتِي أَفْضَتْ فِي النِّهَايَةِ إِلَى الِاسْتِقْلَالِ. وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى الحَقِيقَةُ التَّارِيخِيَّةُ المَسْكُوتُ عَنْهَا: إِنَّ الِاسْتِعْمَارَ عَبْرَ تَارِيخِهِ لَمْ يُحَارِبْ كِيَانَاً إِيرِيتْرِيَّاً بِذَاتِ الشَّرَاسَةِ وَالسَّعْيِ لِلْمَحْوِ، كَمَا حَارَبَ مَعَاقِلَ (الخَاسَا) فِي أَدْنَى المُرْتَفَعَاتِ وَالوِدْيَانِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ كَسْرَ هَذِهِ المَنْظُومَةِ الحَاكِمَةِ هُوَ المِفْتَاحُ لِكَسْرِ طَوْقِ الكِيَانِ كَامِلاً.

الفَصْلُ السَّادِسُ: سِيكُولُوجْيَا التَّحْقِيرِ السِّيَاسِيِّ وَمَآلَاتُ الانْفِصَالِ المَعْرِفِيِّ.. كَيْفَ حَوَّلَتْ أَعْقَابُ الحَرْبِ الفَخْرَ الأَدِيغِيَّ إِلَى مَسَبَّةٍ؟

إِنَّ اسْتِكْمَالَ تَفْكِيكِ مَنْظُومَةِ (الخَاسَا) يَقْتَضِي العُبُورَ إِلَى جَوْهَرِ المَأْسَاةِ الَّتِي صَنَعَتْهَا آلَةُ التَّجْنِي الطَّبَقِيِّ بَعْدَ أَنْ وَضَعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا المَيْدَانِيَّةَ، لِتَبْدَأَ حَرْبٌ أُخْرَى أَكْثَرُ ضَرَاوَةً؛ هِيَ حَرْبُ المَفَاهِيمِ وَالتَّلَاعُبِ بِالهُوِيَّاتِ التَّارِيخِيَّةِ. لَقَدْ كَانَ نِظَامُ الخَاسَا صَلْبَاً فِي مَوَاجَهَةِ الرَّصَاصِ، لَكِنَّ شَتَاتَ المَهَاجِرِ، وَتَغْيِيبَ النُّخَبِ الحَارِسَةِ، وَأُمِّيَّةَ العَوَامِّ، فَتَحَا ثَغْرَةً نَفَذَتْ مِنْهَا الأَذْرُعُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ وَالنُّخَبُ المُوَجَّهَةُ لِتَزْيِيفِ التَّارِيخِ.

أولاً: آلِيَّاتُ التَّدْمِيرِ المَنْهَجِيِّ لِلْعُمْقِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ

​عِنْدَمَا أَدْرَكَتِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةُ الِاسْتِعْمَارِيَّةُ وَحُلَفَاؤُهَا فِي الهَضَبَةِ أَنَّ (الخَاسَا) هِيَ المُهَنْدِسُ الفِعْلِيُّ لِتَمَاسُكِ أَدْنَى المُرْتَفَعَاتِ، لَمْ يَكْتَفُوا بِالضَّرْبِ العَسْكَرِيِّ، بَلْ عَمَدُوا إِلَى جَعْلِ مَنَاطِقِ الخَاسَا هِيَ “المَعْقِلَ الَّذِي يَجِبُ إِخْلَاؤُهُ وَإِحْرَاقُهُ بِالكَامِلِ”.

​لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الشَّرَاسَةُ انْتِقَامَاً لَحْظِيَّاً، بَلْ كَانَتْ هَنْدَسَةً اجْتِمَاعِيَّةً قَسْرِيَّةً لِـ “تَجْفِيفِ العَصَبِ الِاقْتِصَادِيِّ وَالمَعْرِفِيِّ”. فَبِضَرْبِ مَعَاقِلِ الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ المَحَلِّيَّةِ المُسْتَنِيرَةِ الَّتِي حَمَتِ النِّظَامَ لعشرات السنين تَمَّ عَبْرَ سِيَاسَةِ الأَرْضِ المَحْرُوقَةِ  وَتَحْوِيلُ المُجْتَمَعِ الرَّعَوِيِّ المُكْتَفِي ذَاتِيَّاً إِلَى لَاجِئِينَ يَشْغَلُهُمْ سَدُّ الرَّمَقِ عَنْ حِرَاسَةِ الوعْيِ التَّارِيخِيِّ.

ثانياً: كَيْفَ نَشَأَ الِانْفِصَالُ المَعْرِفِيُّ فِي أَرْحَامِ اللُّجُوءِ؟

​هَذِهِ هِيَ المَأْسَاةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نُدَقِّقَهَا بِأَعْلَى دَرَجَاتِ الِإْنصَافِ النَّفْسِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَالَعَوَامُّ مِنَ الأَبْنَاءِ بِحُكْمِ طَبِيعَتِهِمِ الرَّعَوِيَّةِ الفِطْرِيَّةِ وَأُمِّيَّتِهِمْ بِدَهَالِيزِ التَّدْوِينِ الِاصْطِلَاحِيِّ كَانُوا يَعِيشُونَ النِّظَامَ عَمَلِيَّاً وَلَا يَنْشَغِلُونَ بِكِتَابَتِهِ، مَادَامَتِ النُّخَبُ الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةُ قَائِمَةً عَلَى تَدْبِيرِهِ.

​عِنْدَمَا طَالَ أَمَدُ المَهْجَرِ، وَغَابَتِ الحَاضِنَةُ التَّنْظِيمِيَّةُ الأُولَى، نَشَأَتْ أَجْيَالٌ جَدِيدَةٌ كَامِلَةٌ فِي الشَّتَاتِ بَعِيدَاً عَنْ تُرَابِ الوَطَنِ الأُمِّ، وَارْتَبَطَتْ وِجْدَانِيَّاً وَمَعِيشِيَّاً بِمَنَاشِئِهَا الجَدِيدَةِ تَبَعَاً لِـ “قَانُونِ البِيئَةِ التِّلْقَائِيِّ” الَّذِي لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ. وَلَكِنَّ هَذَا الِارْتِبَاطَ البَدِيلَ أَحْدَثَ الفَجْوَةَ الكُبْرَى المُنْبَثِقَةَ عَنِ (الِانْفِصَالِ المَعْرِفِيِّ)؛ حَيْثُ فَقَدَ الأَبْنَاءُ شِفْرَةَ المُصْطَلَحِ السِّيَادِيَّةِ، وَلَمْ يَعُودُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ (الخَاسَا) هِيَ قَالَبُ حُكْمٍ وَمَجْلِسُ شُورَى تَرْتَعِدُ لَهُ فَرَائِصُ الهَضَبَةِ، بَلْ ظَنُّوهُ مَسْمَى تَبَعِيَّةٍ لِغِيَابِ التَّأْصِيلِ المَعْرِفِيِّ لِجُذُورِهِ العَالَمِيَّةِ.

ثالثاً: اسْتِغْلَالُ الفَجْوَةِ.. صِنَاعَةُ الِاسْتِخْفَافِ وَالِاسْتِهْجَانِ

​هُنَا تَدَخَّلَتِ “الأَذْرُعُ الطَّوِيلَةُ لِلْخُصُومِ” وَالنُّخَبِ الَّتِي انْكَسَرَتْ تَارِيخِيَّاً أَمَامَ صَلَابَةِ الخَاسَا مَيْدَانِيَّاً. حَيْثُ اسْتَغَلُّوا هَذَا الِانْفِصَال المَعْرِفِيَّ بَيْنَ نَاشِئَةِ المَهَاجِرِ، وَبَدَأُوا فِي مُمَارَسَةِ هُجُومٍ اصْطِلَاحِيٍّ خَبِيثٍ.

تَمَثَّلَ هَذَا الهُجُومُ فِي اسْتِخْدَامِ مَسْمَى (الخَاسَا الأَدِيغِيَّة) كَأَدَاةٍ لِـ “الِاسْتِخْفَافِ الطَّبَقِيِّ وَالِاسْتِهْجَانِ”، حَيْثُ حَاوَلُوا إِقْنَاعَ الأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ بِأَنَّ نِظَامَ آبَائِهِمْ لَمْ يَكُنْ سِوَى دُونِيَّةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ. وَقَدْ اسْتَفَادَ الخُصُومُ فِي ذَلِكَ مِنْ شَحِّ التَّوْثِيقِ الأَكَادِيمِيِّ، وَمِنْ تَرَفُّعِ أَعْيَانِ الكِيَانِ التَّقْلِيدِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ فِي المُسَاجَلَاتِ الصَّغِيرَةِ. لَقَدْ أَرَادَ الخُصُومُ الِانْتِقَامَ مِنَ المَنْظُومَةِ الَّتِي صَنَعَتِ المُقَاوَمَةَ وَقَادَتِ التَّحَرُّرَ، عَبْرَ تَحْوِيلِ سِلَاحِ الفَخْرِ وَالعِزَّةِ إِلَى مَسَبَّةٍ نَفْسِيَّةٍ تُطَارِدُ أَبْنَاءَ الشَّتَاتِ فِي مَغْتَرَبَاتِهِمْ.

رابعاً: المُعَالَجَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ كَرَدِّ اعْتِبَارٍ حَتْمِيٍّ

​إِنَّ التَّكَامُلَ البِنْيَوِيَّ بَيْنَ الفَصْلَيْنِ الخَامِسِ وَالسَّادِسِ فِي هَذَا المَخْطُوطِ يُمَثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي مَشْرُوعِ رَدِّ الِاعْتِبَارِ المَنْشُودِ؛ فَنَحْنُ لَا نَبْكِي عَلَى الأَطْلَالِ، بَلْ نُعِيدُ هَيْكَلَةَ الوَعْيِ المَفْقُودِ.

​عِنْدَمَا نَكْشِفُ لِلأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ حَقِيقَةَ الِاسْتِهْدَافِ الِاسْتِعْمَارِيِّ الشَّرِسِ لِمَعَاقِلِ الخَاسَا كَمَا ثَبَّتْنَاهُ آنِفَاً فَإِنَّنَا نَنْقُلُ المَفْهُومَ تِلْقَائِيَّاً مِنْ لَفْظٍ مُحَارَبٍ إِلَى “رَمْزِيَّةِ الصُّمُودِ السِّيَادِيِّ الأَعْلَى”. لَنْ يَعُودَ بِمَقْدُورِ الأَذْرُعِ الطَّوِيلَةِ أَنْ تَسْتَخِفَّ بِهَذَا البِنَاءِ؛ فَالخَاسَا الأَدِيغِيَّةُ هِيَ التَّجَسُّدُ العَمَلِيُّ لِلْعِزَّةِ الرَّعَوِيَّةِ، وَالأَصْلُ  الصَّارِمُ الَّذِي اسْتَعْصَى عَلَى الهَضَبَةِ لِعُقُودٍ. وَمَا جَرَى لِلْعَوَامِّ مِنِ انْفِصَالٍ هُوَ عَرَضٌ جَانِبِيٌّ لِآلَةِ الحَرْبِ الَعَمْيَاءِ، الَّتِي مَهْمَا بَلَغَ مَكْرُهَا، لَنْ تَسْتَطِيعَ طَمْسَ الحَقَائِقِ التَّارِيخِيَّةِ النَّاصِعَةِ الَّتِي نُعِيدُ إِثْبَاتَهَا اليَوْمَ بِكُلِّ شَرَفٍ وَأَمَانَةٍ عِلْمِيَّةٍ.

الفَصْلُ السَّابِعُ: التَّدْوِينُ المَأْزُومُ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ.. بَيْنَ اخْتِزَالِ النِّضَالِ العَسْكَرِيِّ وَشَحِّ المَصَادِرِ المُجْتَمَعِيَّةِ

​إِنَّ قِرَاءَةَ المَشْهَدِ الثَّقَافِيِّ وَالبَحْثِيِّ فِي مَرْحَلَةِ مَا بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ تَكْشِفُ عَنْ أَزْمَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ حَادَّةٍ فِي كِتَابَةِ التَّارِيخِ الإِيرِيتْرِيِّ؛ حَيْثُ انْحَصَرَتْ مُعْظَمُ الكِتَابَاتِ وَالشَّهَادَاتِ النَّاشِئَةِ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ تَقْتَصِرُ عَلَى سَرْدِ مَرَاحِلِ النِّضَالِ، وَتَعْدَادِ المَعَاركِ العَسْكَرِيَّةِ، دُونَ النَّفَاذِ إِلَى الجُذُورِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالنُّظُمِ الإِدَارِيَّةِ الرَّاسِخَةِ الَّتِي حَمَتِ الإِنْسَانَ وَالأَرْضَ لِعُقُودٍ طَوِيلَةٍ.

أولاً: سَطْحِيَّةُ التَّدْوِينِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى المُشَافَهَاتِ العَاطِفِيَّةِ

​إِنَّ جُلَّ مَنْ تَصَدَّى لِكِتَابَةِ تَارِيخِ المِنْطَقَةِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ اعْتَمَدَ فِي مُدَوَّنَاتِهِ عَلَى “المُشَافَهَاتِ الِانْطِبَاعِيَّةِ” الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى التَّدْقِيقِ الأَكْادِيمِيِّ وَالمُقَارَنَةِ الوَثَائِقِيَّةِ. وَالأَخْطَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ قَلِيلَاً مِنْ هَؤُلَاءِ الكُتَّابِ هُمْ مَنْ عَاشُوا الأَحْدَاثَ مَيْدَانِيَّاً بِوَعْيٍ تَارِيخِيٍّ مُكْتَمَلٍ.

​فَقَدْ أَخَذَتِ المَهَاجِرُ وَالمَنَافِي البَعِيدَةُ النُّخْبَةَ المَعْرِفِيَّةَ، فَكَتَبَ بَعْضُهُمْ مَا يَعْرِفُهُ لَا مِنْ بَابِ التَّأْصِيلِ المَفْهُومِيِّ الصَّارِمِ، بَلْ مِنْ بَابِ “الحَنِينِ المَأْسَاوِيِّ إِلَى المَاضِي” (Nostalgia)؛ مُعْتَبِرِينَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَنَّ كُلَّ تَارِيخِهِمْ الأَصِيلِ وَهُوِيَّتِهِمْ يَتَلَخَّصُ فِي هَذَا “النِّضَالِ الثَّوْرِيِّ” العَابِرِ. وَقَدْ غَابَ عَنْ أَوْهَاقِ تَدْوِينِهِمْ أَنَّ الثَّوْرَةَ نَفْسَهَا مَا كَانَتْ لِتَقُومَ لَوْلَا وُجُودُ نِظَامٍ مُجْتَمَعِيٍّ صَلْبٍ كَمَنْظُومَةِ (الخَاسَا) الَّتِي أَمَّنَتْ بِفَضْلِ حِرَاسَةِ نُخْبَتِهَا الأَرِسْتُقْرَاطِيَّةِ الحَاضِنَةَ البَشَرِيَّةَ وَالِاقْتِصَادِيَّةَ لِإِنْفَاذِ الكِفَاحِ.

 ثانياً: شَحُّ المَصَادِرِ وَاكْتِوَاءُ الجَمِيعِ بِنَارِ الشَّتَاتِ

​فِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ البَاحِثِينَ المُنْصِفِينَ الَّذِينَ أَرَادُوا الكِتَابَةَ عَنِ المُجْتَمَعِ، وَتَفْكِيكَ بِنْيَتِهِ الثَّقَافِيَّةِ وَأَعْرَافِهِ الإِدَارِيَّةِ العَرِيقَةِ، اصْطَدَمُوا بِـ “جِدَارِ غِيَابِ المَصَادِرِ وَالوَثَائِقِ”. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الغِيَابُ تَقْصِيرَاً بَحْثِيَّاً مِنْهُمْ، بَلْ كَانَ نَتِيجَةً حَتْمِيَّةً لِعَوَارِضِ الشَّتَاتِ القَسْرِيِّ الَّتِي اكْتَوَى بِهَا الجَمِيعُ.

​لَقَدْ أَدَّتْ آلَةُ الحَرْبِ الطَّوِيلَةِ إِلَى تَبَعْثُرِ الوَثَائِقِ الأُسَرِيَّةِ، وَضَيَاعِ صُكُوكِ الأَرْضِ، وَتَلَفِ سِجِلَّاتِ المَحَاكِمِ الأَهْلِيَّةِ الَّتِي دَوَّنَتْ نُظُمَ المَأْسَسَةِ وَشُيُوخَ الرَّبْطِ. هَذَا التَّجْفِيفُ المَقْصُودُ لِلْمَادَّةِ التَّارِيخِيَّةِ تَرَكَ البَاحِثَ النَّاشِئَ أَعْزَلَ أَمَامَ رِوَايَاتٍ مُوَجَّهَةٍ تَبُثُّهَا المَطَابِخُ المُعَادِيَةُ، مِمَّا سَاهَمَ فِي تَعْمِيقِ (الِانْفِصَالِ المَعْرِفِيِّ)، وَجَعَلَ عَوَامَّ الأَبْنَاءِ فِي المَهَاجِرِ يَتَقَبَّلُونَ التَّأْوِيلَاتِ المَغْلُوطَةِ لِمُسَمَّيَاتِهِمْ لِفَقْدِهِمُ الدَّلِيلَ التَّوْثِيقِيِّ المَكْتُوبَ.

ثالثاً: جِنَايَةُ الِاخْتِزَالِ وَأَهْدَافُ رَدِّ الِاعْتِبَارِ

​إِنَّ اخْتِزَالَ تَارِيخِ كِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) فِي “مَرْحَلَةِ الكِفَاحِ المُسَلَّحِ” فَحَسْبُ، هُوَ تَمْرِيرٌ غَيْرُ وَاعٍ لِأَجِنْدَةِ الِاسْتِعْمَارِ الَّذِي أَرَادَ مَحْوَ الِامْتِدَادِ السِّيَادِيِّ المَحْلِيِّ وَالعَالَمِيِّ لِلْمَنْظُومَةِ. فَعِنْدَمَا يُصْبِحُ المَاضِي كُلُّهُ فِي 

وَعْيِ النَّاشِئَةِ عِبَارَةً عَنْ “مَعَارِكَ وَلُجُوءٍ”، يَسْهُلُ عَلَى المُرْجِفِينَ تَصْوِيرَ هَذَا المُجْتَمَعِ النِّظَامِيِّ الصَّارِمِ عَلَى أَنَّهُ كِيَانٌ طَارِئٌ بِلَا جُذُورٍ دَوْلَتِيَّةٍ أَوْ إِرْثٍ إِدَارِيٍّ تَلِيدٍ.

​وَمِنْ هُنَا، تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ هَذَا الكتاب فِي فُصُولِهِ الحَالِيَّةِ وَالأَخِيرَةِ لِيَكُونَ هُوَ “المَصْدَرَ المَفْقُودَ” وَالمَرْجِعَ الَّذِي يَكْسِرُ طَوْقَ العَاطِفَةِ الِاجْتِرَارِيَّةِ؛ لِيَعْلَمَ الكُتَّابُ وَالنَّاشِئَةُ أَنَّ تَارِيخَنَا لَمْ يَبْدَأْ بِطَلْقَةِ الرَّصَاصِ، بَلْ هُوَ مُمْتَدٌّ فِي شَرَفِ العُرْفِ، وَوَصْلِ الرَّحِمِ، وَعُمْقِ المَنْظُومَةِ الَّتِي أَعْجَزَتِ الأَطْمَاعَ عَبْرَ العُصُورِ. وَإِنَّ الشَّتَاتَ الَّذِي حَرَمَنَا مِنَ الوَثَائِقِ سَنُعَالِجُهُ اليَوْمَ بِقُوَّةِ التَّحْلِيلِ المَنْهَجِيِّ وَالِاسْتِرْدَادِ المَعْرِفِيِّ الشَّامِلِ.

الفَصْلُ الثَّامِنُ: فِقْهُ الصَّدْمَةِ وَهَنْدَسَةُ الوَصْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ.. آلِيَّاتُ التَّفْكِيكِ السِّيَاسِيِّ وَمَنَاهِجُ المُعَالَجَةِ الشُّمُولِيَّةِ

​إِنَّ النَّفَاذَ إِلَى عُمْقِ المَأْسَاةِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا مَنْظُومَةُ (الخَاسَا الأَدِيغِيَّة) يَسْتَلْزِمُ التَّرَفُّعَ عَنِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الرَّدِّ الِانْفِعَالِيِّ المَوْضِعِيِّ، وَالعُبُورَ نَحْوَ “قِرَاءَةٍ شُّمُولِيَّةٍ” تَسْتَعِينُ بِعُلُومِ الِاجْتِمَاعِ السِّيَاسِيِّ وَفَلْسَفَةِ التَّارِيخِ؛ لِفَهْمِ كَيْفَ تُوظَّفُ الحُرُوبُ لِإِحْدَاثِ (الهَنْدَسَةِ العَكْسِيَّةِ لِلْهُوِيَّاتِ)، وَكَيْفَ يُصْنَعُ (الوَصْمُ الِاجْتِمَاعِيُّ) كَسِلَاحٍ بَدِيلٍ لِلرَّصَاصِ.

أولاً: سِيكُولُوجْيَا “الوَصْمِ” (Stigmatization) كَأَدَاةٍ سِيَاسِيَّةٍ لِلْقَهْرِ

​فِي عِلْمِ الِاجْتِمَاعِ الحَدِيثِ، لَا يُلْجَأُ إِلَى “الوَصْمِ” وَالتَّحْقِيرِ الِاصْطِلَاحِيِّ عَفْوِ الخَاطِرِ، بَلْ هُوَ “مَسَارٌ سِيَاسِيٌّ مُخَطَّطٌ” تُدِيرُهُ القُوَى الَّتِي تَعْجَزُ عَنِ الِاخْتِرَاقِ المَيْدَانِيِّ. عِنْدَمَا تَنْتَصِرُ مَنْظُومَةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ عَرِيقَةٌ كَالخَاسَا عَلَى الأَطْمَاعِ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ لِلْهَضَبَةِ، وَتُفْشِلُ مَخَاطِطَ الِاسْتِعْمَارِ، يَكُونُ الِانْتِقَامُ عَبْرَ “شَيْطَنَةِ النِّظَامِ وَتَقْلِيبِ مَعَانِيهِ”.

​تَقُومُ هَنْدَسَةُ الوَصْمِ عَلَى اسْتِغْلَالِ حَالَةِ “الضَّعْفِ الطَّارِئِ” كَأُمِّيَّةِ العَوَامِّ وَتَشَتُّتِهِمْ فِي المَهَاجِرِ بِسَبَبِ الحَرْبِ ِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ مَصَادِرِ عِزِّهِمْ عَلَى أَنَّهَا مَنَاقِصُ.

فَيُصَوَّرُ الِالْتِزَامُ الصَّارِمُ بِالقَانُونِ العُرْفِيِّ المَمْلُوكِيِّ لِلْخَاسَا عَلَى أَنَّهُ “تَخَلُّفٌ عَنِ المَدَنِيَّةِ”، وَتُصَوَّرُ العِزَّةُ الرَّعَوِيَّةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ المُكْتَفِيَةُ ذَاتِيَّاً عَلَى أَنَّهَا “بَدَاوَةٌ هَامِشِيَّةٌ”، وَيُحَوَّلُ الِاسْمُ السِّيَادِيُّ العَالَمِيُّ الأَصِيلُ إِلَى نَبْزٍ طَبَقِيٍّ. هَذِهِ العَمَلِيَّةُ النَّفْسِيَّةُ تَسْتَهْدِفُ خَلْقَ “عُقْدَةِ ذَنْبٍ وَدُونِيَّةٍ” لَدَى الأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ فِي المَغْتَرَبَاتِ، لِيَخْجَلُوا مِنْ جُذُورِهِمْ بَدَلاً مِنْ أَنْ يَرْفَعُوا بِهَا رُؤُوسَهُمْ.

ثانياً: رَفْضُ الِاخْتِزَالِ.. الكِيَانُ بِوَصْفِهِ مَنْظُومَةً حَضَارِيَّةً شَامِلَةً

​لِكَيْ لَا يَبْدُوَ مَشْرُوعُنَا التَّوْثِيقِيُّ كَمَنْ يُحَاصِرُ نَفْسَهُ فِي زَاوِيَةِ الدِّفَاعِ عَنْ جُزْئِيَّةٍ طَارِئَةٍ، نُؤَصِّلُ هُنَا لِلرُّؤْيَةِ “الشُّمُولِيَّةِ” لِكِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ)؛ إِنَّ هَذَا الكِيَانَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَاً مُجَرَّدَ قَبِيلَةٍ أَوْ تَجَمُّعٍ رَعَوِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ “نِسِيجٌ حَضَارِيٌّ مُتَكَامِلٌ” شَكَّلَ صَمَّامَ الأَمَانِ لِجُغْرَافْيَا شَرْقِ إِفْرِيقِيَا وَسَوَاحِلِ البَحْرِ الأَحْمَرِ.

​إِنَّ النِّظَامَ الإِدَارِيَّ الَّذِي أَوْجَدَتْهُ الخَاسَا كَانَ يُدِيرُ عَبْرَ  قُرُنٍ وَنِصْفٍ أَبْعَادَاً ثَلَاثَةً:

​الِاقْتِصَادَ الرَّعَوِيَّ الكُلِّيَّ: عَبْرَ تَنْظِيمِ المَرَاعِي وَإِدَارَةِ المَوَارِدِ بِاكْتِفَاءٍ يَمْنَعُ التَّبَعِيَّةَ لِلْخَارِجِ.

​الأَمْنَ الجِنَائِيَّ وَالسِّلْمَ الأَهْلِيَّ: عَبْرَ مَجَالِسِ العُرْفِ الصَّارِمَةِ الَّتِي حَفِظَتِ الحُقُوقَ بِدِقَّةٍ تَفُوقُ المَحَاكِمَ النِّظَامِيَّةَ الحَدِيثَةَ.

​التَّمَاسُكَ الرَّحَمِيَّ وَالتَّكَافُلَ المُجْتَمَعِيَّ: الَّذِي مَنَعَ الفَاقَةَ وَالعَوَزَ، وَصَنَعَ رِجَالَاً يَمْتَلِكُونَ سِيَادَةَ قَرَارِهِمْ.

​عِنْدَمَا يَنْظُرُ البَاحِثُ إِلَى هَذِهِ المَنْظُومَةِ بِشُمُولِيَّتِهَا، يَدْرِكُ أَنَّ “الوَصْمَ” الَّذِي حَاوَلَتِ المَطَابِخُ المُعَادِيَةُ تَرْسِيخَهُ كَانَ يَسْتَهْدِفُ تَعْطِيلَ هَذِهِ (المَكِينَةِ الحَضَارِيَّةِ) كَامِلَةً، وَلَيْسَ فَقَطِ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ تَعْطِيلَ المَكِينَةِ يَعْنِي تَسْهِيلَ اسْتِعْبَادِ الإِنْسَانِ وَتَقْزِيمِ دَوْرِهِ السِّيَادِيِّ فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ.

ثالثاً: عِلْمُ المُعَالَجَةِ (Therapeutics of Identity).. آلِيَّاتُ التَّعَافِي المَعْرِفِيِّ

​إِنَّ المُعَالَجَةَ الشُّمُولِيَّةَ لَا تَتِمُّ بِالبُكَاءِ عَلَى ظُلْمِ التَّارِيخِ، بَلْ بِمُمَارَسَةِ “الِاسْتِرْدَادِ المَعْرِفِيِّ الشَّامِلِ”. وَتَتَلَخَّصُ آلِيَّاتُ هَذِهِ المُعَالَجَةِ فِي ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مَنْهَجِيَّةٍ:

​هَدْمُ “الِانْفِصَالِ المَعْرِفِيِّ” بِالتَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ: رَبْطُ أَبْنَاءِ الشَّتَاتِ وَالمَهَاجِرِ بِأُصُولِهِمِ السِّيَادِيَّةِ لِلْخَاسَا، لِيَتَحَوَّلَ المُسَمَّى فِي عُقُولِهِمْ مِنْ مَصْدَرِ حَيْرَةٍ إِلَى رَمْزٍ لِلنُّخْبَوِيَّةِ وَالعُرْفِيَّةِ.

​تَبْصِيرُ الأَجْيَالِ بِتِلْقَائِيَّةِ البِيئَةِ: رَفْعُ اللَّوْمِ عَنِ العَوَامِّ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمُ المَهَاجِرُ وَخَلَقَتْ لَدَيْهِمْ وَلَاءَاتٍ بَدِيلَةً؛ فَهَذَا لَيْسَ انْسِلَاخَاً، بَلْ هُوَ طَبِيعَةٌ بَشَرِيَّةٌ فَرَضَتْهَا آلَةُ الحَرْبِ، وَبِالتَّالِي، يَجِبُ احْتِضَانُهُمْ مَعْرِفِيَّاً لَا إِقْصَاؤُهُمْ.

​تَجْرِيدُ الخُصُومِ مِنْ سِلَاحِ “الِاسْتِخْفَافِ”: عِنْدَمَا نُدَوِّنُ هَذِهِ الحَقَائِقَ بِشُمُولِيَّةٍ وَرَصَانَةٍ، نَسْلُبُ مِنَ الأَذْرُعِ المُعَادِيَةِ قُدْرَةَ التَّلَاعُبِ؛ فَتُصْبِحُ “التَّرِيقَةُ” الَّتِي كَانُوا يُمَارِسُونَهَا دَلِيلاً دَامِغَاً عَلَى عُقْدَةِ النَّقْصِ التَّارِيخِيَّةِ لَدَيْهِمْ أَمَامَ صَلَابَةِ مَعَاقِلِ الخَاسَا.

رابعاً: بَقَاءُ النِّظَامِ المُتَمَاسِكِ رَغْمَ صَدْمَةِ الشَّتَاتِ

​خِتَامُ هَذِهِ المُعَالَجَةِ الشُّمُولِيَّةِ يَقُودُنَا إِلَى حَقِيقَةٍ كُبْرَى: إِنَّ صَدْمَةَ الحَرْبِ، وَإِنْ نَجَحَتْ فِي تَشْتِيتِ الأَجْسَادِ فِي المَهَاجِرِ وَبَاعَدَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سِجِلَّاتِ التَّأْرِيخِ، إِلَّا أَنَّهَا “فَشِلَتْ فِي مَحْوِ الجِينِ الحَضَارِيِّ لِلْخَاسَا”. إِنَّ هَذَا النِّظَامَ المُتَمَاسِكَ الَّذِي رَوَّضَ الجُغْرَافْيَا وَقَاوَمَ الِاسْتِعْمَارَ، يَمْتَلِكُ مِنْ طَاقَةِ الحَيَاةِ دَاخِلَ الوِجْدَانِ مَا يَجْعَلُهُ قَادِرَاً عَلَى الِانْبِعَاثِ بِمُجَرَّدِ أَنْ تُلَامِسَهُ نُورَانِيَّةُ الحَقِيقَةِ التَّوْثِيقِيَّةِ.

​نَحْنُ لَا نَكْتُبُ لِنَعْزِلَ جُزْءَاً، بَلْ نَكْتُبُ لِنُبَيِّنَ لِلْعَالَمِ كَيْفَ أَنَّ صُمُودَ (بَنِي عَامِرٍ) الِاجْتِمَاعِيَّ كَانَ عَمَلِيَّاً، شُمُولِيَّاً، وَسِيَادِيَّاً، وَأَنَّ كُلَّ غُبَارِ الوَصْمِ الطَّارِئِ سَيَزُولُ أَمَامَ سُطُوعِ هَذَا التَّدْوِينِ الأَمِينِ.

الفَصْلُ التَّاسِعُ: الِاسْتِرْدَادُ المَعْرِفِيُّ وَآفَاقُ المُسْتَقْبَلِ.. مَانِيفِسْتُو الوَعْيِ التَّارِيخِيِّ وَتَفْكِيكِ مَصَادِرِ التَّشَظِّي لِلْكِيَانِ الجَامِعِ

​إِنَّ الغَايَةَ القُصْوَى مِنْ تَفْكِيكِ مَنْظُومَةِ (الخَاسَا) وَتَشْرِيحِ سِيكُولُوجْيَا الوَصْمِ الَّتِي طَالَتْهَا، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَصْرٍ لِلْخَسَائِرِ أَوْ إِغْرَاقٍ فِي مَاضٍ عَبَرَتْ فَوْقَهُ حِقَبُ الصِّرَاعِ الإِمْبَرَاطُورِيِّ، بَلْ هِيَ التَّأْسِيسُ لِـ “مَرْحَلَةِ الِانْبِعَاثِ الحَضَارِيِّ الوَاعِي” الَّذِي يَتَجَرَّأُ عَلَى قِرَاءَةِ أَدْوَاءِ الدَّاخِلِ بِذَاتِ الصَّرَامَةِ الَّتِي يُفَكِّكُ بِهَا تَحَدِّيَاتِ الخَارِجِ.

​أولاً: نَحْوُ “مَدْرَسَةٍ نَقْدِيَّةٍ” فِي التَّدْوِينِ الإِيرِيتْرِيِّ

​إِنَّ الخُرُوجَ مِنْ نَفَقِ “التَّدْوِينِ المَأْزُومِ” يَقْتَضِي تَدْشِينَ مَدْرَسَةٍ بَحْثِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَتَجَاوَزُ العَاطِفَةَ المَحْضَةَ. إِنَّ الكِتَابَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِتَارِيخِ كِيَانِ (بَنِي عَامِرٍ) يَجِبُ أَنْ تَقُومَ عَلَى تَفْكِيكِ مَرْكَزِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الطَّارِئَةِ.

وَإِثْبَاتِ كَيْفَ نَجَحَتْ مَنْظُومَةُ “الخَاسَا” كَظَاهِرَةٍ إِدَارِيَّةٍ عَرِيقَةٍ فِي صِيَانَةِ هُوِيَّتِهَا المَحَلِّيَّةِ وَالعُرْفِيَّةِ وَسْطَ مَوْجَاتِ التَّدَاخُلِ الإِمْبَرَاطُورِيِّ التَّارِيخِيِّ، مِمَّا جَعَلَهَا رَكِيزَةً صَلْبَةً لِلِاسْتِقْرَارِ الإِقْلِيمِيِّ.

ثانياً: جَدَلِيَّةُ الشَّتَاتِ وَتَحَدِّيَاتُ التَّحَوُّلِ الدِّيمُوغْرَافِيِّ

​لَا نُرِيدُ فِي هَذَا المَقَامِ أَنْ نَغْفَلَ عَنْ ظَاهِرَةٍ سُوسْيُولُوجِيَّةٍ هَامَّةٍ؛ فَالطَّبِيعَةُ المُتَطَاوِلَةُ لِلْهُجْرَاتِ حَوَّلَتِ المَهَاجِرَ العَالَمِيَّةَ لَدَى جُزْءٍ مِنَ الأَجْيَالِ النَّاشِئَةِ إِلَى وَطَنٍ بَدِيلٍ أَوْرَثَ بَعْضَهُمْ نَوْعَاً مِنَ الِانْفِصَالِ المَعْرِفِيِّ عَنْ مَاضِيهِمْ، مِمَّا جَعَلَهُمْ يَقِفُونَ مَوْقِفَ العَاتِبِ عَلَى المَسَارَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي أَعْقَبَتْ مَرْحَلَةَ الِاسْتِقْلَالِ، حَيْثُ شَهِدَتْ تِلْكَ المَرْحَلَةُ تَحَوُّلَاتٍ دِيمُوغْرَافِيَّةً هَائِلَةً نَتِيجَةً لِخُلُوِّ بَعْضِ المَنَاطِقِ مِنْ سُكَّانِهَا الأَصِلِيِّينَ بِسَبَبِ أَوْزَارِ الحُرُوبِ، مِمَّا فَتَحَ المَجَالَ لِتَدَفُّقَاتٍ وَسِيَاسَاتِ تَوْطِينٍ جَدِيدَةٍ أَعَادَتْ هَنْدَسَةَ الخَارِطَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

ثالثاً: جَحِيمُ الفِتَنِ الدَّاخِلِيَّةِ.. تَفْكِيكُ ارْتِدَادَاتِ الجَهْلِ المَحَلِّيِّ

​إِلَّا أَنَّ التَّحَدِّيَ الأَكْبَرَ الَّذِي يَجْتَاحُ هَذَا المُجْتَمَعَ فِي مَهَاجِرِهِ وَحَوَاضِنِهِ الحَالِيَّةِ، لَيْسَ آتِيَاً مِنْ خَارِجِهِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَابِعٌ مِنْ “فِتَنٍ دَاخِلِيَّةٍ عَمْيَاءَ” يُذْكِي نَارَهَا عَدَمُ الفَهْمِ الحَقِيقِيِّ لِطَبِيعَةِ هَذَا الكِيَانِ الجَامِعِ. إِنَّ لِوَاءَ (بَنِي عَامِرٍ) لَمْ يَكُنْ يَوْمَاً رَايَةَ جَمَاعَةٍ مَحْدُودَةٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ، بَلْ هُوَ “رَايَةُ أُمَّةٍ، وَشَعْبٍ، وَعَقْلِيَّةِ دَوْلَةٍ” صُهِرَتْ فِي بَوْتَقَتِهَا كَافَّةُ المُكَوِّنَاتِ عَبْرَ عُقُودٍ مِنَ التَّمَاسُكِ الإِدَارِيِّ وَالعُرْفِيِّ الصَّارِمِ.

​وَمِنْ أَسَفٍ، فَقَدْ بَرَزَتْ نَزَعَاتٌ رَعْنَاءُ يَتَزَعَّمُهَا بَعْضُ الأَدْعِيَاءِ مِمَّنْ يَتَمَسَّحُونَ بِالعِلْمِ وَهُوَ مِنْهُمْ بَرَاءٌ؛ حَيْثُ يَتَنَازَعُونَ مِلْكِيَّةَ هَذَا الإِرْثِ بِادِّعَاءَاتٍ قَائِمَةٍ عَلَى التَّفَاضُلِ الطَّبَقِيِّ، زَاعِمِينَ أَنَّهُمْ “أَبْنَاءُ عَامِرٍ الأَصِيلُونَ” وَأَنَّ غَيْرَهُمْ أَقَلُّ شَأْنَاً وَمَقَامَاً.

إِنَّ هَذِهِ المَسَاعِي التَّقْسِيمِيَّةَ الكَاذِبَةَ لَا تَعْلَمُ أَوْ تَعْلَمُ وَتَتَعَامَى أَنَّ الخُصُومَ يَقِفُونَ وَرَاءَ هَذَا التَّأْجِيجِ المَقْصُودِ لِشَرْذَمَةِ الكِيَانِ المُتَمَاسِكِ، وَإِغْرَاءِ العَوَامِّ بِفُتَاتٍ مِنْ وَلَاءَاتٍ جَانِبِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ. إِنَّ التَّطَاوُلَ عَلَى رَايَةِ الأُمَّةِ الجَامِعَةِ لِصَالِحِ أَوْهَامٍ فِئَوِيَّةٍ هُوَ طَعْنَةٌ فِي خَاصِرَةِ الِاسْتِقْرَارِ، وَتَسْهِيلٌ لِمَهَمَّةِ طَمْسِ الهُوِيَّةِ الكُلِّيَّةِ.

رابعاً: نَمُوذَجُ رَوَانْدَا.. عَبْقَرِيَّةُ التَّجْرِبَةِ وَحَتْمِيَّةُ البِنَاءِ

​إِنَّ الِاسْتِجَابَةَ الأَمْثَلَ لِهَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالخَارِجِيَّةِ لَا تَتِمُّ بِالِانْكِفَاءِ، بَلْ بِالِاسْتِفَادَةِ مِنْ حَرَكَةِ التَّارِيخِ؛ وَهُوَ مَا تُجَسِّدُهُ “التَّجْرِبَةِ الرَّوَانْدِيَّةِ” الَّتِي نَهَضَتْ مِنْ جَحِيمِ التَّشَظِّي وَالفِتَنِ العِرْقِيَّةِ المَدْمُورَةِ عِنْدَمَا سَامَتْ نُخَبُهَا المَعْرِفِيَّةُ فَوْقَ الخِلَافَاتِ الصَّغِيرَةِ، وَعَادَتْ مِنْ مَهَاجِرِهَا حَامِلَةً خِبْرَاتِ العَالَمِ لِتَبْنِيَ وَطَنَاً مُتَمَاسِكَاً غَدَا اليَوْمَ نَمُوذَجَاً لِلنَّهْضَةِ فِي عُمُومِ القَارَّةِ. إِنَّ العَقْلَ الجَامِعَ هُوَ المِعْوَلُ الحَقِيقِيُّ لِقَهْرِ التَّبَدُّدِ.

خامساً: مَانِيفِسْتُو النُّخْبَةِ.. صَوْنُ الرَّايَةِ كَأَقْدَسِ الوَاجِبَاتِ

​مِنْ هُنَا، يَتَوَجَّهُ هَذَا السِّفْرُ بِدَعْوَةٍ وَاعِيَةٍ، صَارِمَةٍ فِي مَقَاصِدِهَا الرِّسَالِيَّةِ، إِلَى عُمُومِ أَبْنَاءِ وبَنِي عَامِرٍ وَنُخَبِهِمْ فِي الشَّتَاتِ: إِذَا كَانَ الأَجْدَادُ الأَوَائِلُ، فِي أَزْمِنَةِ الجَهْلِ المُرَكَّبِ، قَدْ تَمَكَّنُوا بِحِكْمَتِهِمْ مِنْ صِيَاغَةِ نِظَامِ (الخَاسَا) لِصَهْرِ الكِيَانِ وَحِفْظِ نَسِيجِهِ؛ فَإِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ اليَوْمَ تَقَعُ عَلَى عِاتِقِ الجِيلِ المُتَعَلِّمِ لِنَبْذِ أَصْوَاتِ الجَهَلَةِ وَأَدْعِيَاءِ الفِتْنَةِ.

​إِنَّ رَايَةَ البَنِي عَامِرٍ هِيَ رَايَةُ أُمَّةٍ شَامِخَةٍ لَمْ تَنْكَسِرْ عَبْرَ عَصِيفِ التَّارِيخِ وَلَنْ تَنْكَسِرَ بِإِذْنِ اللهِ. وَإِنَّ المُحَافَظَةَ عَلَى هَذِهِ الرَّايَةِ جَامِعَةً، نَقِيَّةً مِنْ شَوَائِبِ التَّفْرِيقِ الطَّبَقِيِّ وَالِادِّعَاءَاتِ الجَاهِلَةِ، هُوَ “مِنْ أَقْدَسِ الوَاجِبَاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ”.

الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَلْتَزِمَ بِهَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَبْنَاءِ هَذَا الشَّعْبِ. لَا مَكَانَ لِلتَّشَظِّي بَعْدَ اليَوْمِ، وَلَا سَبِيلَ لِاسْتِرْدَادِ المَقَامِ الرَّفِيعِ إِلَّا بِالوَعْيِ الكَامِلِ أَنَّ قُوَّتَنَا فِي كُلِّيَّتِنَا، وَأَنَّ هَذَا التَّدْوِينُ الأَمِينُ هُوَ سِيَاجُ الرَّايَةِ وَحَادِي رِكَابِ المُسْتَقْبَلِ.

الفَصْلُ العَاشِرُ: الفَلْسَفَةُ الكُلِّيَّةُ لِلِانْبِعَاثِ.. رُؤْيَةٌ تَلْخِيصِيَّةٌ وَآفَاقُ النَّظَرِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ لِلْكِيَانِ

​إِنَّ الوُصُولَ إِلَى خَاتِمَةِ هَذَا السِّفْرِ التَّوْثِيقِيِّ لَيْسَ نِهَايَةً لِلْمَطَافِ، بَلْ هُوَ وُقُوفٌ عَلَى جَبَلِ الرُّؤْيَةِ لِقِرَاءَةِ المشْهَدِ الكُلِّيِّ فَوْقَ ثُنَائِيَّاتِ (المَاضِي وَالحَاضِرِ)، وَ(الشَّتَاتِ وَالأَرْضِ). هُنَا، يَنْزَعُ البَاحِثُ رِدَاءَ التَّفْصِيلِ الحَدَثِيِّ لِيَرْتَدِيَ عَبَاءَةَ التَّأَمُّلِ الفَلْسَفِيِّ النَّقْدِيِّ، صَائِغَاً الخُلَاصَاتِ النِّهَائِيَّةِ الَّتِي تَمْنَحُ لِتَارِيخِ (أُمَّةِ البَنِي عَامِرٍ) بَعْدَهُ العَالَمِيَّ وَالحَضَارِيَّ.

أولاً: جَدَلِيَّةُ الهُوِيَّةِ بَيْنِ الثُّبُوتِ وَالتَّحَوُّلِ

​تَتَأَسَّسُ الرُّؤْيَةُ الكُلِّيَّةُ لِهَذَا الكِتَابِ عَلَى أَنَّ هُوِيَّةَ (بَنِي عَامِرٍ) لَمْ تَكُنْ يَوْمَاً تَعْرِيفَاً عِرْقِيَّاً سَاكِنَاً، بَلْ كَانَتْ “دِينَامِيَّةً حَضَارِيَّةً” قَادِرَةً عَلَى الِاسْتِيعَابِ وَالصَّهْرِ. إِنَّ عَبْقَرِيَّةَ نِظَامِ (الخَاسَا) لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ أَدَاةٍ عَفْوِيَّةٍ، بَلْ كَانَتْ “مَشْرُوعَاً لِبِنَاءِ الدَّوْلَةِ المَحَلِّيَّةِ” فِي إِقْلِيمٍ مَفْتُوحٍ تَارِيخِيَّاً عَلَى كَافَّةِ مَهَابِّ الرِّيَاحِ السِّيَاسِيَّةِ.

​الرُّسُوخُ فِي الأَرْضِ وَعَالَمِيَّةُ المَنْهَجِ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمَاً نَبْتَاً عَفْوِيَّاً مَعْزُولاً، بَلْ هِيَ كِيَانٌ أَصِيلٌ جِذْرُهُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ، لَكِنَّ فِكْرَهُ الإِدَارِيَّ وَتَقَالِيدَهُ العُرْفِيَّةَ نَمَتْ بِعَقْلِيَّةِ حَوْكَمَةٍ رَصِينَةٍ تُحَاكِي نُظُمَ الدُّوَلِ الكُبْرَى؛ مِمَّا يَنْفِي عَنْهَا صِفَةَ “البَدَاوَةِ المُنْغَلِقَةِ” وَيُثْبِتُ أَنَّهَا مَنْظُومَةٌ سِيَادِيَّةٌ مُهَنْدَسَةٌ بِإِحْكَامٍ.

​صُمُودُ الجَوْهَرِ: رَغْمَ تَعَاقُبِ الإِمْبَرَاطُورِيَّاتِ (مِنْ حَبَشِيَّةٍ وَعُثْمَانِيَّةٍ وَاسْتِعْمَارٍ حَدِيثٍ)، بَقِيَ النَّسِيجُ جَامِعَاً، لِأَنَّ الفِكْرَةَ السِّيَادِيَّةَ لِلْكِيَانِ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَحْتَوِيَهَا أَدَوَاتُ الطَّمْسِ أَوْ مَحَاوِلُ التَّغْيِيبِ.

ثانياً: فَلْسَفَةُ الِانْكِسَارِ وَسِيكُولُوجْيَا الشَّتَاتِ

​يَقْرَأُ الكَتِاب فِي رُؤْيَتِهِ الكُلِّيَّةِ ظَاهِرَةَ “الِاسْتِكَانَةِ النَّفْسِيَّةِ” فِي المَهَاجِرِ بِوَصْفِهَا عَرَضَاً لِمَرَضِ (الفَقْدِ المَعْرِفِيِّ). إِنَّ اشْمِئْزَازَ بَعْضِ الأَبْنَاءِ مِنْ تَارِيخِهِمْ، أَوْ رُكُونَهُمْ لِلْوَلَاءَاتِ البَدِيلَةِ، هُوَ النَّتِيجَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِتَرْكِ السَّاحَةِ التَّدْوِينِيَّةِ خَالِيَةً لِلرِّوَايَاتِ المُعَادِيَةِ الَّتِي صَوَّرَتْ أَمْجَادَهُمْ كَأَنَّهَا عِبْءٌ يَنْبَغِي التَّبَرُّؤُ مِنْهُ.

​عِنْدَمَا تَغِيبُ المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ، يَنْشَأُ “الوَعْيُ المَأْزُومُ” الَّذِي يَسْتَسْلِمُ لِفِكْرَةِ المَظْلَمَةِ وَيُلْقِي بِاللَّوْمِ كُلِّهِ عَلَى تَحَوُّلَاتِ مَا بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ وَسِيَاسَاتِ التَّوْطِينِ الإِحْلَائِيِّ. والْفَلْسَفَةُ هُنَا تَقْتَضِي أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ “الفَرَاغَ الدِّيمُوغْرَافِيَّ” الَّذِي صَنَعَتْهُ الحُرُوبُ لَا يُعَالَجُ بِالبُكَاءِ الأَكْادِيمِيِّ، بَلْ بِالفِعْلِ المَعْرِفِيِّ النَّافِذِ الَّذِي يُعِيدُ لِلأَجْيَالِ ثِقَتَهَا بِأَنَّ الرَّايَةَ لَمْ تُهْزَمْ عَسْكَرِيَّاً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْزَمَ نَفْسِيَّاً.

ثالثاً: وَحْدَةُ الكِيَانِ صَمَّامُ أَمَانِ المَسِيرِ

​إِنَّ أَخْطَرَ مَا خَلُصَتْ إِلَيْهِ الفَلْسَفَةُ الكُلِّيَّةُ لِهَذَا العَمَلِ هُوَ تَحْذِيرٌ صَارِمٌ مِنَ الِانْتِحَارِ الدَّاخِلِيِّ. إِنَّ الِادِّعَاءَاتِ الرَّعْنَاءَ بِتَفَاضُلٍ طَبَقِيٍّ، وَتَنَازُعَ مِلْكِيَّةِ المَاضِي بَيْنَ “أَدْعِيَاءِ عِلْمٍ” يَجْهَلُونَ عُمْقَ التَّأْسِيسِ، هِيَ الفِتْنَةُ الَّتِي تُحَقِّقُ لِلْخُصُومِ مَا عَجِزَتْ عَنْهُ كَافَّةُ التَّحَدِّيَاتِ الخَارِجِيَّةِ.

فَلْسَفَةُ الِاتِّحَادِ تَقُومُ عَلَى نَبْذِ هَذَا الفُتَاتِ؛ فَلِوَاءُ (البَنِي عَامِرٍ) لَمْ يُرْفَعْ يَوْمَاً لِيَكُونَ صَكَّ نُبْلٍ لِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى، بَلْ كَانَتْ دَوْمَاً رَايَةَ أُمَّةٍ.

بِكَامِلِهَا صُهِرَتْ فِيهَا كُلُّ التَّعَدُّدِيَّاتِ. وَالمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا اللَّوِي الَّذِي لَمْ يَنْكَسِرْ عَبْرَ العُصُورِ هُوَ “الوَاجِبُ الأَقْدَسُ” الَّذِي يَصُونُ المَاضِي وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ المُسْتَقْبَلِ لِلْجَمِيعِ دُونَ تَمْيِيزٍ.

رابعاً: مَانِيفِسْتُو المُسْتَقْبَلِ.. العَوْدَةُ بِالمَعْرِفَةِ

​تَخْتَتِمُ الرُّؤْيَةُ الفَلْسَفِيَّةُ بِـ “بِعْثَةِ الأَمَلِ” المُسْتَلْهَمَةِ مِنْ تَجَارِبِ الأُمَمِ الحَيَّةِ مِثْلَ (رَوَانْدَا). إِنَّ الرِّهَانَ اليَوْمَ لَيْسَ عَلَى نَبْرَاتِ الصِّدَامِ بَلْ عَلَى “القَلَمِ وَالفِكْرِ وَالخِبْرَةِ”. إِنَّ النُّخَبَ الَّتِي نَشَأَتْ فِي المَهَاجِرِ العَالَمِيَّةِ وَتَشَرَّبَتْ أَعْلَى العُلُومِ الإِدَارِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ، مَدْعُوَّةٌ اليَوْمَ لِتَحْوِيلِ تِلْكَ المَعَارِفِ إِلَى لَبِنَاتٍ لِبِنَاءِ الهُوِيَّةِ وَإِعَادَةِ تَرْمِيمِ نَسِيجِهَا.

​إِنَّ هَذَا الكِتَابَ يُقَدِّمُ النَّظَرِيَّةَ، وَيَضَعُ الأُصُولَ، وَيَغْسِلُ غُبَارَ الوَصْمِ عَنِ التَّارِيخِ، لِيَسْلَمَ المَشْعَلَ نَقِيَّاً إِلَى يَدِ الأَجْيَالِ القَادِمَةِ. لَقَدْ أَدَّى الأَبَاءُ أَمَانَةَ عَصْرِهِمْ بِحِكْمَتِهِمْ المَحَلِّيَّةِ، وَبَقِيَتْ “أُمَّةُ البَنِي عَامِرٍ” شَامِخَةً، تَنْتَظِرُ مِنْ أَبْنَائِهَا أَنْ يَكْتُبُوا بِأَقْلَامِهِمْ الحَدِيثَةِ وَعُلُومِهِمْ العَالَمِيَّةِ صَفَحَاتِ المَجْدِ الجَدِيدِ لِحِفْظِ كَيْنُونَتِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.

 كُتِبَت هَذَا المَخْطُوطُ بِحِبْرِ الأَمَانَةِ، وَبَصِيرَةِ النَّقْدِ، لِيَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً تَنْطِقُ بِالحَقِّ عِنْدَمَا تَخْرَسُ أَقْلَامُ الهَوَى، وَلِيَظَلَّ شَاهِدَاً أَنَّ العِزَّةَ المَعْرِفِيَّةَ هِيَ حِصْنُ الأُمَمِ الَّذِي لَا يُدْحَرُ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني

للنشر و الاعلان