انتقل إلى المحتوى الرئيسي
تداول

الفضة تستقر عند 76 دولاراً وسط تراجع النفط وعجز الإمدادات: هل تتجه نحو 90 دولاراً؟

الفضة تستقر عند 76 دولاراً وسط تراجع النفط وعجز الإمدادات: هل تتجه نحو 90 دولاراً؟

لم تعد التحركات الأخيرة في أسعار الفضة مجرد استجابة مؤقتة للتوترات الجيوسياسية أو لتقلبات النفط، بل أصبحت تعكس تحولاً أعمق في هيكل السوق العالمي للمعادن الثمينة. فقد كشف استقرار الفضة قرب مستوى 76 دولاراً للأونصة، رغم موجات البيع العنيفة التي شهدتها الأسواق مؤخراً، عن وجود طلب قوي ومتراكم لا يزال قادراً على امتصاص الضغوط قصيرة الأجل. والأهم من ذلك أن هذا التماسك السعري يأتي في وقت تتراجع فيه أسعار النفط وتتغير فيه توقعات السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما يمنح الفضة مزيجاً نادراً من العوامل الداعمة فنياً وأساسياً في آن واحد.

علاقة الفضة بالنفط: من التضخم إلى تكاليف الإنتاج

وبحسب رانيا جول، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن السوق بدأ يدرك تدريجياً أن العلاقة بين الفضة والنفط ليست علاقة تضخمية تقليدية فقط، بل علاقة مرتبطة مباشرة بتكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية. فقد رفعت التوترات الجيوسياسية تكاليف الطاقة والنقل والشحن إلى مستويات ضغطت بشدة على شركات التعدين، مما ساهم في تقليص المعروض العالمي من الفضة في وقت يتزايد فيه الطلب الصناعي والاستثماري عليها. وعندما بدأ النفط بالتراجع بعد التصريحات المتعلقة بإمكانية التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني، لم يكن ارتفاع الفضة أمراً متناقضاً كما اعتقد البعض، بل كان انعكاساً منطقياً لانخفاض الضغوط التشغيلية على قطاع التعدين، إلى جانب تحسن توقعات خفض الفائدة الأمريكية.

أزمة المعروض الهيكلية: تحدٍ طويل الأمد

وأشارت جول إلى أن الأسواق تبالغ أحياناً في ربط مستقبل الفضة فقط بمسار الدولار أو بالعوائد الأمريكية، بينما يتم تجاهل عامل أكثر أهمية يتمثل في أزمة المعروض الهيكلية. فقد أظهرت البيانات الأخيرة الصادرة عن كبار منتجي الفضة بوضوح انخفاض تركيز الخام وتراجع الإنتاج في عدد من المناجم الرئيسية، وهذه ليست مشكلة مؤقتة يمكن حلها خلال أشهر قليلة، بل تمثل تحدياً طويل الأمد يتعلق بتراجع جودة المناجم وارتفاع تكاليف الاستخراج عالمياً. لذلك، حتى لو انخفضت التوترات الجيوسياسية وعادت أسعار النفط إلى مستويات أكثر هدوءاً، فإن ذلك لن يلغي فجوة العرض المتزايدة في سوق الفضة، بل قد يساهم فقط في تخفيف سرعة تفاقمها.

تأثير السياسة النقدية الأمريكية على مسار الفضة

ورأت الخبيرة الاقتصادية أن العامل الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة سيكون موقف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فقد بدأ انخفاض النفط إلى ما دون 100 دولار للبرميل يخفف تدريجياً من مخاوف التضخم المرتبطة بالطاقة، وهو ما قد يمنح الفيدرالي مساحة أكبر للانتقال نحو سياسة نقدية أقل تشدداً خلال النصف الثاني من العام. وأوضحت أن الأسواق تدرك أن الفضة من أكثر المعادن استفادة من أي دورة خفض للفائدة، ليس فقط بسبب تراجع قوة الدولار، بل أيضاً لأن انخفاض العوائد الحقيقية يعزز جاذبية الأصول غير المدرة للفائدة. وإذا استمرت أسعار النفط في التحرك نحو نطاق 85 إلى 90 دولاراً، فإن احتمالات خفض الفائدة سترتفع بصورة أكبر، وهو ما قد يدفع الفضة إلى موجة صعود جديدة ربما تكون أكثر قوة من الارتفاعات السابقة.

نسبة الذهب إلى الفضة: فرصة للتفوق النسبي

ولفتت جول إلى أن نسبة الذهب إلى الفضة الحالية لا تزال تمنح الفضة مساحة واضحة للتفوق النسبي خلال المرحلة المقبلة. فحين تبقى هذه النسبة قرب مستويات 59 أو 60، بينما يتحرك الذهب قرب قممه التاريخية، فإن ذلك يشير إلى أن الفضة لا تزال مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية مقارنة بالذهب. وتاريخياً، عندما تبدأ الأسواق بالدخول في دورة توسع نقدي أو تراجع في العوائد الحقيقية، تميل الفضة إلى تحقيق أداء يفوق الذهب بسبب طبيعتها المزدوجة كأصل استثماري ومعدن صناعي في الوقت نفسه. ولهذا ترى جول أن أي استقرار للذهب قرب مستوياته المرتفعة الحالية قد يمنح الفضة فرصة للاندفاع بوتيرة أسرع خلال الأشهر القادمة.

وأكدت الخبيرة أن ثبات مخزونات الفضة المسجلة في بورصة كومكس رغم التراجعات السعرية الأخيرة يمثل إشارة مهمة لا يجب تجاهلها. فعادةً عندما يتراجع السعر بشكل حاد، نتوقع رؤية ارتفاع في المعروض المادي أو زيادة في عمليات التسييل، لكن ما حدث فعلياً هو العكس تقريباً. فقد بقي الطلب المادي متماسكاً، والمخزونات لم تشهد ارتفاعاً يعكس حالة ذعر بيعي حقيقية. واعتبرت أن هذا السلوك يؤكد أن المستثمرين الكبار لا ينظرون إلى التراجعات الحالية كإشارة خروج من السوق، بل كفرص لإعادة بناء المراكز الاستثمارية قبل موجة صعود محتملة.

ورغم كل هذه العوامل الإيجابية، ترى جول أن السوق لا يزال معرضاً لتقلبات مرتفعة على المدى القصير، خصوصاً إذا فشلت المفاوضات السياسية أو عادت التوترات الجيوسياسية للتصاعد من جديد. كما أن أي بيانات تضخم أمريكية أقوى من المتوقع قد تدفع الفيدرالي لتأجيل خفض الفائدة، وهو ما قد يخلق موجات تصحيح مؤقتة في المعادن الثمينة. لكن حتى في هذا السيناريو، ترى أن التراجعات ستكون محدودة نسبياً لأن الأساسيات الهيكلية لسوق الفضة تختلف اليوم عما كانت عليه في السنوات السابقة، سواء من ناحية العجز المستمر في المعروض أو من ناحية الطلب الصناعي المرتبط بالطاقة النظيفة والتكنولوجيا.

وفي المحصلة، ترى الخبيرة أن الفضة لم تدخل بعد المرحلة النهائية من موجتها الصاعدة الحالية، بل ربما ما نشهده الآن هو مجرد إعادة تموضع قبل استهداف مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة. وإذا استمرت العوامل الحالية بالتطور في الاتجاه ذاته، خاصة انخفاض النفط، وتحسن توقعات خفض الفائدة، واستمرار العجز في الإمدادات، فإن الوصول إلى مستويات قرب 90 دولاراً للأونصة لم يعد سيناريو مبالغاً فيه كما كان يُعتقد سابقاً. بل على العكس، تعتقد أن السوق بدأ تدريجياً بإعادة تسعير الفضة بما يتناسب مع واقع اقتصادي جديد أصبحت فيه المعادن المادية أكثر أهمية كأدوات تحوط واستثمار في عالم مليء بالتقلبات وعدم اليقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني