انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

خوارزميات الإنترنت: بين صناعة الظواهر الافتراضية وتوجيه الرأي العام

خوارزميات الإنترنت: بين صناعة الظواهر الافتراضية وتوجيه الرأي العام

يُثير الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في الفضاء الرقمي قلقاً متصاعداً من زوايا متعددة، تشمل الأنثروبولوجية والاجتماعية والثقافية والصحية والاقتصادية. ففي جوهر عملها، تميل الخوارزميات إلى تقديم المحتوى الذي يتوافق مع رغبات المستخدم وقناعاته المسبقة، متجاهلة عرض وجهات النظر المخالفة أو الموضوعات التي قد لا تروق له. وهذا السلوك يُسهم، برأي المراقبين، في تعزيز التعصب والانقسام، ويدفع المرء إلى التمسك بما قد يكون خاطئاً، مدفوعاً بشعور زائف بأن ما يراه هو الحقيقة المطلقة.

دور المبرمجين والأهداف الخفية

يقف وراء تصميم هذه الخوارزميات بشر يبرمجونها ويشرفون على تشغيلها، ويحملون كغيرهم من البشر أهدافاً ودوافع شخصية. قد يُسهم هؤلاء البرمجيون، عن قصد أو دون وعي، في تعزيز ما يميلون إليه فكرياً، عبر تغذية الخوارزميات ببيانات ومعلومات وآليات تعكس تحيزاتهم ورغباتهم الخاصة.

تعزيز المحتوى الصادم وصناعة “الترندات”

تعمل الخوارزميات على نشر المحتويات الأكثر صدمة وإثارة للجدل، لأن الهدف الأساسي غالباً ما يكون تحقيق أعلى عدد من المشاهدات، وصنع ظواهر و”ترندات” سريعة الانتشار. هذا التوجه يُعزز رواج المعلومات والأخبار الزائفة أو الضارة والإشاعات، فتنتشر مواد ليست بالضرورة الأكثر أهمية أو قيمة، ولكنها تخضع لضغط الخوارزميات ومن يقف وراءها. ونتيجة لذلك، تتحول الأمور التافهة والمثيرة إلى محتويات سريعة الانتشار كالبارود، لتحقيق مكاسب تطول كلما زاد وقت تفاعل المستخدمين، مما أسهم في تفاقم العزلة والتفكك الاجتماعي والأسري، وتشوه الهوية، وتشتت الانتباه المعرفي، والإدمان الرقمي، وغيرها من السلبيات.

توجيه الرأي العام وفرض الظواهر المصطنعة

أصبح للخوارزميات دور كبير في توجيه الرأي العام نحو اتجاهات لم يكن ليتجه إليها دون تدخلها، من خلال تضخيم بعض الأحداث وتقديمها كأمور مهمة. فهي تعلو من شأن قضايا تافهة أو سلوكيات هابطة عبر عرضها على أعداد ضخمة من المستخدمين في وقت واحد، مما يوحي بوجود تأييد واسع أو اهتمام كبير بها. هذا الأمر يجبر المجتمع على الانشغال بمسائل لم تكن ضمن أولويات أفراده، ويجعل الناس، بمن فيهم النخب، يناقشون بشكل مفرط ظواهر مصطنعة لا تستحق هذا الاهتمام. وفرض هذه الظواهر باستمرار يدفع الكثيرين إلى تبني قناعات اجتماعية واستهلاكية وفكرية قد تكون خاطئة أو ضارة، أو ممارسة سلوكيات غير مألوفة. كما تسبب هذه الموجات الخادعة في حالات من عدم القناعة وعدم الاستقرار والهلع والخوف، نتيجة الشعور بأن تفاعلاً ضخماً يدور حول أمور مقلقة.

دعوة لتحويل الجهود الفردية إلى حماية جماعية

ورغم الفوائد المعترف بها للخوارزميات في تسهيل الوصول إلى المعلومات، فإن خطرها يكمن في قدرتها على جعل الرأي العام متشائماً أو متفائلاً بمجرد تعديل بسيط في المحتوى المعروض. لقد مال الفكر المجتمعي نحو الضعف والهشاشة والسطحية، وابتعاد عن العمق والتحليل والمنطقية، كما انتهكت الخوارزميات الخصوصية، وقتلت الإرادة الحرة، ووجهت الكثيرين نحو خيارات تتعلق بالشراء والغذاء والعلاج واللباس والتفكير. الكاتب يدق ناقوس الخطر، معتبراً أن التحذيرات الحالية تظل جهوداً فردية متفرقة، ويأمل في تحويلها إلى منظومة متماسكة لحماية جماعية، تتضمن دراسات جادة تنتج تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التقنية، تمنع الترويج للأفكار السلبية، وتمنح المستخدمين خيار التصفح بحرية دون توجيه. كما يحث المسؤولين على إدراج دروس لتكثيف الوعي الرقمي، ويدعو رجال الأعمال إلى الاستثمار في حلول تقنية بديلة للحد من هذه الأخطار، فرص الاستثمار في ذلك واعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني