يُستعمل في النقاشات العمرانية كثيراً وصف النسيج التقليدي بأنه “عشوائي”، ثم يُستبدل هذا الوصف بألفاظ مثل “عضوي” أو “عفوي” لتفادي الدلالة السلبية لكلمة “عشوائية”. إلا أن هذا التحايل يكشف عن خلل لغوي ومنهجي؛ فالتقييم يجب أن يبدأ بتحديد المعنى اللغوي قبل الانتقال إلى الحكم الجمالي أو التخطيطي.
التعريف اللغوي للعشوائية
يذكر ابن منظور في معجمه “لسان العرب” أن كلمة “العشو” تعني “السير على غير هدى”، وأن “العشوة” هي الناقة التي لا ترى موضع قدمها. وبالتالي فإن الخلط بين الوصف (العشو) والحكم (قبيح أو جميل) من أبرز المشكلات المفاهيمية في الخطاب العمراني.
في اللغة، تُشير الفوضى إلى ترك الشيء بلا تدبير، بينما يدل النظام على الترتيب، والعشو على السير بلا وضوح. جميعها أوصاف لحالات، لا أحكام قيمية. لذا فإن الوصف يحدد حالة النظام، أما الحكم فيُعطي قيمة لتلك الحالة. الفارق بينهما مهم لتجنب الاستنتاجات غير الدقيقة.
ومن هذا المنطلق يمكن تعريف:
- العشوائية = غياب التنظيم المسبق أو الرقابة.
- التنظيم = وجود ضبط أو مراقبة أو تخطيط.
لكن لا يعني ذلك أن العشوائي هو بالضرورة قبيح، ولا أن المنظم هو دائماً حسن. هذا التفريق يحد من الخلط الشائع في الخطاب العمراني.
السنن الكونية: نظام لا يُخترق
الكون يحكمه مجموعة من السنن الثابتة، منها الجاذبية، والنسبية العامة، وقوانين الحركة، وثوابت الفيزياء الدقيقة. هذه السنن ثابتة ولا تُخالف، ولا يمكن التعدي عليها. لذلك لا يظهر في الكون انحراف تراكمي كما يحدث في العمران. فالكون لا “يتعرج” لأن قوانيده لا تسمح بالتجاوز.
الفيزياء بين الحتمية والعشوائية
في الفلسفة الكلاسيكية، يُمثِّل “شيطان لابلاس” فكرة أن الكون يمكن التنبؤ به بالكامل إذا عُرفت الشروط الابتدائية. أما أينشتاين فرفض فكرة “العشوائية الجوهرية” في الكون، معبراً عن ذلك بعبارته الشهيرة “God does not play dice”، مشيراً إلى أن النظام الكوني لا يقوم على فوضى عمياء، بل على انتظام عميق. هذا يتناغم مع قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
تجربة الشقين التي أجرها يونغ أظهرت أن سلوك الضوء يتغير عند القياس، وأن المراقبة ليست مجرد مشاهدة بل تفاعل مؤثر. في السياق العمراني‑الفلسفي، يعني ذلك أن “الرقابة” ليست مجرد مراقبة سلبية، بل شرط أساسي لمنع الانحراف.
القوانين والرقابة في العمران
بدلاً من القول إن القوانين تعمل بمفردها، يكون الأدق أن نعبّر عنها كسنن مُجراة؛ فانتظامها يدل على وجود مُدبِّر وليس على استقلالها. كما أن السنن لا تعمل بلا مُجري، ولا تستقيم الأنظمة بلا رقيب.
الكون لا ينحرف لسببين أساسيين: أولاً، السنن لا يمكن خرقها؛ ثانياً، لا توجد إرادة تُحدث تعديًا. وهذا ما ينعكس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾، حيث تُعد الرقابة الكونية مطلقة، فتمنع حدوث الانحراف.
في المقابل، يختلف العمران عن الكون في نقطتين رئيسيتين: وجود إرادة بشرية وإمكانية مخالفة النظام. لذلك تظهر في العمران التعديات، والانحرافات، والتعرجات غير المبررة، والتشوهات البصرية، وفقدان الاستقامة.
القوانين وحدها لا تكفي، لأن التعديات تبدأ صغيرة ثم تتراكم لتتحول إلى “نسيج” يُظن أنه “عفوي” أو “عضوي”، بينما هو في الحقيقة نتيجة غياب الرقابة.
مثال ذلك في الصف أثناء الصلاة، حيث قال النبي ﷺ: “استووا، تراصوا…”؛ وجود الإمام يضمن الضبط، وغيابه يؤدي إلى خلل تدريجي. وهذا يوضح أن الأنظمة البشرية تحتاج إلى مراقبة مستمرة.
الأقمار الصناعية تتحرك وفق الجاذبية، لكنها تتطلب تصحيحات ومراقبة وتدخل بشري، وإلا فإنها قد تسقط. فهي نظام شبه كوني لكنه قابل للانحراف.
التعرج لا يعني عشوائية مطلقة؛ فهو نوعان: تعرج تعدِّي (خلل) وتعرج تكيفي (نظام يتبع التضاريس أو المناخ). وهنا يبرز مرة أخرى أن العشوائية مجرد وصف، لا حكم.
يؤكد مهندسو الهندسة أن أقصر الطرق بين نقطتين هو الخط المستقيم. وهذا ليس مبدأً هندسياً فحسب، بل يكتسب بعداً أخلاقياً: الوضوح، الصدق، عدم اللف والدوران، والاستقامة في السلوك. وفي العمران، يعني الخط المستقيم كفاءة حركة، وضوح اتجاه، عدالة توزيع، وتقليل الهدر.
خلاصة الأفكار
1- العشوائية هي وصف لغياب الضبط، لا حكم على الجمال.
2- الكون ينتظم بسننه ولا ينحرف.
3- العمران لا ينتظم إلا بتوافر السنن والرقابة معاً.
4- الاستقامة، سواء في الأخلاق أو العمران، هي أقصر الطرق إلى الحقيقة.