تاريخ النشر: 12 سبتمبر 2026 • آخر تحديث: 12 سبتمبر 2026
إسطنبول / عمر فاروق مدان أوغلو / الأناضول
ما تزال سوريات خضن تجربة الاعتقال في سجون نظام بشار الأسد المخلوع يرفعن صوتهن مطالبات بالعدالة ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات التي طالتهن، في وقت تدعو جهات معنية بدعم هؤلاء الناجيات إلى تعويضهن عن الأضرار وإعادة حقوقهن ومنحهن مكانة تليق بما قدمنه خلال سنوات الثورة السورية.
وفي حديث إلى الأناضول، قالت لما لارين جسري، رئيسة مجلس إدارة جمعية العدالة والتعليم والتضامن «نسوة»، إن عشرات الآلاف من النساء والأطفال السوريين تعرضوا للتعذيب في عهد الأسد، واستعرضت تجربتها الشخصية مع الاعتقال وما عايشته من معاناة داخل السجون.
شهادات من زنازين النظام
وأفادت جسري بأنها اعتُقلت للمرة الأولى في العام 2012، ومكثت 12 يوماً خلف القضبان بسبب مشاركتها في تظاهرات مناوئة للسلطة، ثم ألقي القبض عليها مجدداً وهي طالبة جامعية، بعد أن اعتبرت الجهات الرسمية حوالة مالية أرسلها شقيقها إليها بمثابة دعم للمعارضين وتمويل للإرهاب.
وعلى الرغم من مرور سنوات على تلك التجربة، أكدت أنها ما تزال تحمل في ذاكرتها صرخات النساء ودعواتهن داخل السجن. وذكرت أن الغرفة التي احتُجزت فيها لم تكن تتجاوز مساحتها مترين في الطول ومتراً في العرض، لكنها كانت تضم أحياناً تسع نساء، وجرى الاحتجاز في زنازين تحت الأرض بلا نوافذ أو تهوية، تعمها الرطوبة ولا تتسع حتى للنوم.
وقالت: «كنت أسمع بكاء النساء وأدعيتهن وصراخهن: يا رب ساعدنا. كان لهذه الأصوات أثر بالغ في نفسيتي».
وأوضحت أن رحلة اعتقالها انطلقت من حلب ثم تواصلت في مركز للمخابرات العامة بمنطقة كفرسوسة في دمشق، حيث تعرضت لعنف شديد خلال فترة احتجاز استمرت 12 يوماً، وأدى ذلك إلى تدهور حالتها الصحية إلى حد توقف قلبها ونقلها إلى المستشفى. وقالت عن تلك المحطة: «مُتّ 12 يوماً ثم عدت إلى الحياة»، مضيفة أن ما شهدته بعد الخروج من السجن جعلها غير قادرة على تجاهل معاناة النساء الأخريات.
ونقلت جسري عن إحدى النساء قولها بعد خروجها من السجن: «لا أريد شيئاً في هذه الدنيا، أريد فقط أن أعرف أين أطفالي». وأشارت إلى أن مساعدة هؤلاء النساء على استعادة حياتهن ونيل حقوقهن والوصول إلى أطفالهن صارت لاحقاً في صميم عمل جمعية «نسوة».
مصير مجهول
وقالت جسري إن سجلات توثيق الاعتقال في سوريا تتضمن أسماء أكثر من 17 ألف امرأة، ورجحت أن يكون العدد الحقيقي للنساء اللواتي اعتقلهن نظام الأسد أكبر من ذلك بكثير. وأضافت: «النساء خصوصاً جُمعن واقتيدن، وبعضهن ما زال مصيرهن مجهولاً».
وتحدثت عن نساء اختفين داخل منظومة السجون، وروايات عن تعرض معتقلات للاتجار بالبشر والأعضاء، مشيرة إلى أن مصير بعضهن لا يزال مجهولاً، ولا تعرف عائلاتهن حتى أماكن دفنهن أو ما حل بهن.
وذكرت أن المعتقلات تعرضن لأشكال متعددة من التعذيب، من بينها اعتداءات جنسية، وأن كثيراً منهن اعتُقلن وعُذّبن من دون أن يعرفن أسباب توقيفهن.
وتطرقت إلى ما حصل لها ولشقيقتها خلال الاعتقال، فقالت: «تعرضت لعنف شديد في السجن. عشت أموراً قاسية ومروعة جداً. كانت شقيقتي معي أيضاً، وما عاشته أثر فيّ كثيراً». وأضافت أنها نظرت إلى التجربة باعتبارها ابتلاء، وحاولت التحلي بالصبر خلال تلك الفترة.
العدالة أولاً
تقيم جسري في تركيا منذ نحو 7 سنوات، وأسست بعد خروجها من السجن جمعية تهدف إلى مساعدة المعتقلين والناجين من الانتهاكات. وتعمل الجمعية في مجالات توثيق الحقيقة، وتقديم الدعم النفسي، والسعي لتحقيق العدالة، ورعاية الأيتام، وتعزيز التضامن مع الناجين.
وعلى الصعيد القانوني، أوضحت أن الجمعية تعاونت في البداية مع المحامية كولدن سونمز، وقدمت طلبات إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نيابة عن نساء تعرضن للاعتقال في سجون النظام السوري. كما بُذلت جهود في مسارات قضائية في لاهاي والأردن، ضمن مساعي ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات التي طالت معتقلين سوريين.
وبشأن مستقبل المعتقلات السابقات، أكدت جسري أن تحقيق العدالة يمثل أكبر تطلعاتهن، مشيرة إلى وجود استعداد للتقدم بدعاوى أمام المحاكم السورية. وقالت إن مدة اعتقالها كانت قصيرة مقارنة بتجارب نساء أخريات: «بعض النساء أمضين 10 سنوات من شبابهن هناك، ولم يستطعن رؤية أطفالهن طوال هذه المدة. أكبر أمل للمعتقلات هو فتح القضايا ورد حقوقهن».
جبر الضرر ورد الحقوق
وشددت جسري على ضرورة منح النساء اللواتي عانين في سجون نظام الأسد المكانة التي يستحققنها في سوريا الجديدة، بوصفهن جزءاً أساسياً من مسيرة الثورة السورية وما حملته من تضحيات. وقالت إنه ينبغي ألا ينظر المجتمع إلى المعتقلات السابقات بوصفهن فئة مهمشة، بل كناجيات لهن حقوق وكرامة ومكانة تستحق الاحترام والصون.
وأكدت أن النساء دفعن أثماناً باهظة خلال سنوات الثورة، فقالت: «دفعت هؤلاء النساء أثماناً باهظة جداً. قدمن كل شيء، ولم يكن الثمن الذي دفعنه أقل من الثمن الذي دفعه من قتلوا أو ناضلوا خلال الثورة السورية».
واختتمت حديثها بالتشديد على مطالب الناجيات: «نريد عدالة انتقالية، وجبر الأضرار التي لحقت بنا، ورد حقوقنا، وتكريم النساء».
وفي 8 ديسمبر 2024، أطاحت فصائل سورية معارضة بنظام بشار الأسد، الذي حكم البلاد منذ عام 2000 بعد رحيل والده حافظ الأسد، والذي تولى السلطة بين عامي 1971 و2000.
ومع انتقال السيطرة على المدن تباعاً، فتح الثوار السجون ومراكز الاحتجاز التابعة للنظام وأطلقوا سراح المعتقلين، بدءاً من حلب في 29 نوفمبر، مروراً بحماة في 5 ديسمبر وحمص في 7 منه، وصولاً إلى دمشق في 8 ديسمبر، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وقدرت الشبكة عدد الذين أطلق سراحهم من السجون ومراكز الاحتجاز خلال تلك العملية بنحو 24 ألفا و200 شخص، في وقت كشفت فيه عملية فتح المعتقلات حجم ملف الإخفاء القسري الذي خلفه النظام، إذ بقي مصير عشرات الآلاف ممن اعتقلوا خلال سنوات الثورة والحرب مجهولاً.