انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

إفشال انقلاب تركيا.. ذكرى عقد من مقاومة “غولن” الإرهابي

إفشال انقلاب تركيا.. ذكرى عقد من مقاومة “غولن” الإرهابي

تحل في مثل هذه الأيام من عام 2026 الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب التي شنها تنظيم غولن الإرهابي في 15 يوليو/تموز 2016، والتي تمكنت مؤسسات الدولة التركية والمواطنون من إحباطها في غضون 21 ساعة تقريبًا.

انطلق التنظيم تحت ستار ديني، وتمكن بمرور الزمن من اختراق المؤسسات الحكومية التركية، وخصوصًا القوات المسلحة، إلى أن وصل إلى مرحلة محاولة إسقاط الحكومة المنتخبة عبر القوة المسلحة.

سبق للتنظيم أن تورط في عمليات تهدف إلى السيطرة على الدولة، ومنها استدعاء رئيس جهاز الاستخبارات آنذاك هاكان فيدان وعدد من المسؤولين للتحقيق، إضافة إلى محاولة الانقلاب القضائي والأمني في 17 و25 ديسمبر/كانون الأول 2013، واعتراض شاحنات تابعة للمخابرات.

تسريع الخطط بعد انتخابات 2015

بعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بحوالي 49% من الأصوات، أدرك التنظيم أن الحكومة تتجه نحو إقصاء الضباط المرتبطين به من الجيش.

كما أدت إجراءات النيابة العامة في إزمير، التي شملت اعتقال عسكريين موالين للتنظيم بينهم جنرالات، إلى دفع قيادة التنظيم للإسراع في تحركاتها خوفًا من استبعاد المزيد من عناصرها من خلال قرارات المجلس العسكري الأعلى، واتخاذ قرار بالشروع في تنفيذ المخطط.

في 19 مارس/آذار 2016، ظهر زعيم التنظيم فتح الله غولن مرتديًا جبة باللون الخاكي في خطاب اعتبرته السلطات التركية رسالة لعناصره داخل الجيش بالتحرك.

بدأ مسؤولون مدنيون في التنظيم اعتبارًا من ديسمبر/كانون الأول 2015 بزيارات إلى الولايات المتحدة للقاء غولن، فيما عُقدت اجتماعات التخطيط النهائية بين 6 و9 يوليو/تموز 2016 داخل فيلا في العاصمة أنقرة، برئاسة عادل أوكسوز، الذي تعتبره السلطات “إمام القوات المسلحة” في التنظيم.

في 11 يوليو/تموز 2016، توجه أوكسوز وكمال باطماز، أحد أبرز القيادات المدنية السرية في التنظيم، إلى أمريكا لعرض الخطة على غولن، ثم عادا إلى تركيا في 13 من نفس الشهر.

استخدم الانقلابيون لاحقًا قاعدة أقنجي الجوية كمركز رئيسي لإدارة الانقلاب، وأُلقي القبض على عدد من المسؤولين المدنيين الذين شاركوا في التخطيط داخل القاعدة.

كان المخطط أن تبدأ العملية في الساعة 03:00 فجر 16 يوليو/تموز 2016.

بلاغ استخباراتي يغير التوقيت

قبل ساعات من الموعد المحدد، أبلغ طيار برتبة رائد جهاز المخابرات التركي أن عناصر من تنظيم غولن يخططون لاختطاف رئيس الجهاز هاكان فيدان.

نقل فيدان المعلومات إلى نائب رئيس الأركان آنذاك يشار غولر، ثم وصلت التفاصيل إلى رئيس الأركان خلوصي أكار، الذي اجتمع مع فيدان لمناقشة البلاغ واتخاذ الإجراءات اللازمة.

أمر أكار بإعادة الطائرات العسكرية إلى قواعدها وإغلاق المجال الجوي أمام الرحلات العسكرية، ومنع خروج المدرعات من ثكنة إتيمسغوت، وحظر تحليق المروحيات.

عندما وصلت معلومات الاجتماع والإجراءات إلى قادة الانقلابيين، خافوا من انكشاف مخططهم فقرروا تقديم موعد التنفيذ إلى الساعة 20:30 من مساء 15 يوليو/تموز 2016.

تحرك 33 عنصرًا من القوات الخاصة نحو مقر رئاسة الأركان، بينما اجتمع داخله محمد ديشلي، وأورهان يقيليكان، ومحمد بارتيغوتش، ورمضان غوزال لتنسيق التحرك.

عند الساعة 21:00، أبلغ محمد ديشلي رئيس الأركان ببدء الانقلاب لكنه فشل في إقناعه بالانضمام، فاحتُجز أكار داخل مكتبه.

تحركات ميدانية ومقاومة شرسة

أصدر الانقلابيون أوامر بخروج آليات عسكرية من ثكنة في بولاتلي للسيطرة على مواقع حيوية في أنقرة، وأرسلوا عبر نظام “ميداس” أوامر التحرك وقائمة تعيينات لما سموه “الأحكام العرفية”، تلتها أوامر بالسيطرة على الطرق والمؤسسات العامة.

في الساعة 21:53، صدر أمر بعودة العسكريين خارج الثكنات إلى وحداتهم، وسيطرت مجموعات انقلابية على مركز تنسيق الكوارث والطوارئ في كاغيت خانه بإسطنبول.

في مقر رئاسة الأركان، استشهد بولنت أيدن، مساعد ضابط حماية قائد القوات البرية، ليكون أول شهداء الليلة.

بدأت مقاتلات “إف-16” التحليق على ارتفاع منخفض فوق أنقرة، ونقلت وسائل الإعلام عند الساعة 22:28 أخبار التحركات العسكرية وإغلاق جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح في إسطنبول.

عند الساعة 23:02، أكد رئيس الوزراء آنذاك بن علي يلدريم في مداخلة تلفزيونية أن الحكومة المنتخبة ما زالت تمارس مهامها.

بعد ثلاث دقائق، فتحت النيابة العامة في أنقرة أول تحقيق رسمي بخصوص محاولة الانقلاب.

استهدفت طائرات الانقلابيين إدارة الطيران التابعة للشرطة وقيادة القوات الخاصة في غولباشي، وأطلقت مروحيات النار على مقر جهاز الاستخبارات.

سيطر المقدم السابق أوميت كنجر على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية وأجبر إحدى المذيعات على تلاوة بيان الانقلاب.

دعوة أردوغان وقصف البرلمان

عند الساعة 00:24 من فجر 16 يوليو/تموز، ظهر الرئيس رجب طيب أردوغان عبر قناة “سي إن إن تورك” ودعا المواطنين إلى النزول إلى الساحات والميادين لمواجهة الانقلاب.

بالتزامن، أطلق الانقلابيون النار على مواطنين تجمعوا أمام مقر قيادة الدرك، ما أسفر عن استشهاد 9 أشخاص وإصابة عشرات آخرين.

عند الساعة 00:56، قصفت طائرة مقاتلة مديرية أمن أنقرة، ثم تعرضت للقصف مجددًا من مقاتلة أخرى بعد نحو 10 دقائق.

في الساعة 01:13، وصلت إلى مطار إتيمسغوت طائرة تقل العميد الانقلابي سميح ترزي وكتيبة من القوات الخاصة بهدف السيطرة على مقر قيادة القوات الخاصة في غولباشي.

تمكن قائد القوات الخاصة زكائي أكساقاللي من الاتصال بمساعده عمر خالص دمير وأمره بإطلاق النار على ترزي. عند الساعة 02:14، أطلق خالص دمير النار على ترزي عند مدخل المقر فأرداه قتيلاً، لكنه استشهد بعد ذلك برصاص عسكريين كانوا مع ترزي. تعتبر السلطات التركية هذه اللحظة من أبرز العوامل التي ساهمت في إفشال الانقلاب.

في محيط رئاسة الأركان، أطلق الانقلابيون النار على المحتجين مما أدى إلى استشهاد 36 مواطناً. ثم قصفت إحدى المقاتلات مبنى البرلمان التركي، ما أدى إلى إصابة 32 شخصاً.

عند الساعة 03:00، استعاد المواطنون السيطرة على مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية، فيما سلم الانقلابيون الموجودون داخله أنفسهم للشرطة.

بين الساعتين 03:14 و03:19، شنت مقاتلة أربع غارات على منشآت شركة “توركسات” لمحاولة تعطيل البث.

توافد المواطنون إلى الساحات والمقار الحكومية في مدن مختلفة استجابة لدعوة أردوغان. في إسطنبول، استعادت قوات العمليات الخاصة التابعة للشرطة برج المراقبة في مطار أتاتورك بعد تحييد الانقلابيين، ثم هبطت فيه الطائرة التي تقل الرئيس أردوغان وسط حشود المواطنين.

عند الساعتين 03:24 و03:25، تعرض مبنى البرلمان لغارتين جديدتين.

في الساعة 04:00، أصدرت النيابة العامة في أنقرة قرارات بتوقيف قضاة وأعضاء نيابة مرتبطين بالتنظيم، إلى جانب أعضاء ما يسمى “مجلس السلام في الوطن” والمشاركين في الانقلاب.

إفشال الانقلاب وخسائر بشرية

عند الساعة 06:19، قصفت طائرة تقاطع المجمع الرئاسي في أنقرة، ما أسفر عن استشهاد 15 مواطناً وإصابة 7 آخرين.

في مقر قيادة الدرك، أطلق انقلابيون النار على رئيس دائرة مكافحة الإرهاب تورغوت أصلان ومرافقه حسن غولهان، ما أدى إلى إصابة أصلان بجروح بالغة واستشهاد غولهان.

منح رئيس الوزراء بن علي يلدريم الفريق ضياء كمال قاضي أوغلو صلاحية إسقاط الطائرات التي بقيت تحت سيطرة الانقلابيين.

مع اتضاح فشل المحاولة، بدأ الانقلابيون الموجودون على جسر البوسفور في إسطنبول بتسليم أنفسهم إلى قوات الأمن.

عند الساعة 08:26، نُقل رئيس الأركان خلوصي أكار، الذي كان محتجزاً في قاعدة أقنجي الجوية، إلى قصر تشانقايا في أنقرة.

استهدفت القوات الحكومية، بتوجيه من أردوغان ووزير الدفاع آنذاك فكري إشيق، المدرج الرئيسي في قاعدة أقنجي لمنع إقلاع طائرات الانقلابيين.

عند الساعة 12:57، أعلن رئيس الوزراء بن علي يلدريم خلال مؤتمر صحفي من قصر تشانقايا السيطرة على محاولة الانقلاب وإفشالها.

بهذا أحبطت المحاولة خلال نحو 21 ساعة، بفضل مؤسسات الدولة والمواطنين وقوات الأمن والعسكريين الرافضين للانقلاب.

أسفرت المحاولة عن استشهاد 253 شخصاً من المدنيين والعسكريين، فيما استخدم الانقلابيون نحو 9 آلاف عسكري، و35 طائرة، و37 مروحية، و246 آلية مدرعة بينها 74 دبابة، ونحو 4 آلاف قطعة سلاح خفيف.

وفاة غولن: بدأ فتح الله غولن نشاطه في ستينيات القرن الماضي في إزمير غربي تركيا، قبل أن يؤسس تنظيماً هدفه التغلغل في مؤسسات الدولة. منذ فراره إلى الولايات المتحدة عام 1999، أدار التنظيم من مجمع في ولاية بنسلفانيا في مزرعة تضم ثماني فيلات تحت إجراءات أمنية مشددة. قدمت تركيا سبعة طلبات رسمية لتسليمه استناداً إلى 27 تهمة، لكن السلطات الأمريكية لم تتخذ أي خطوة عملية. في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2024، توفي غولن في مستشفى بولاية بنسلفانيا، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية وفاته رسمياً في وثيقة أرسلتها إلى السلطات التركية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني