قد يبدو السؤال مزعجاً، لكنه ليس جديداً. فمنذ سنوات ومع كل بطولة كبرى يتجدد الجدل حول قرارات الحكام وتزداد الاتهامات بوجود محاباة لمنتخب أو لاعب بعينه. وفي السنوات الأخيرة كان اسم الأرجنتيني ليونيل ميسي حاضراً في صلب هذا النقاش، ليس فقط بسبب مهاراته الكروية بل وأيضاً لمكانته العالمية وقيمته التسويقية الهائلة.
جدل المونديال الجديد في 2026
خلال كأس العالم 2026 عاد الجدل مجدداً. فقد اعترض الاتحاد المصري لكرة القدم على عدد من القرارات التحكيمية في مباراته أمام الأرجنتين معتبراً أنها أثرت في سير المباراة، فيما رأى آخرون أن تقنية الفيديو لم تتعامل بالمعيار ذاته مع جميع الحالات المشابهة. وفي المقابل خرج رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم بييرلويجي كولينا مؤكداً أن الحكام يعملون باستقلالية تامة وأن جميع القرارات المهمة تخضع للمراجعة وفق قوانين اللعبة وليس وفق أسماء اللاعبين أو المنتخبات.
اعتراف حكم دولي قديم
النقاش حول العدالة لا يقتصر على مونديال 2026 فقط. فقد تداول كثيرون مجدداً تصريحات الحكم التشيلي السابق كارلوس تشانديا الذي اعترف في مقابلة مع شبكة ESPN بأنه تعمد عدم منح ميسي بطاقة صفراء خلال نصف نهائي كوبا أمريكا 2007 أمام المكسيك رغم أن البطاقة كانت ستحرمه من خوض المباراة النهائية. وقال تشانديا إنه أخبر ميسي أثناء اللقاء: «هذه بطاقة صفراء لكنها ستكلفك قميصك»، قبل أن يتسلم القميص منه بعد المباراة. وأشار أيضاً إلى أنه لم يُكلَّف بإدارة النهائي لاحقاً بعد اعتراضات من الجانب البرازيلي.
هذه الواقعة وحدها لا تثبت وجود محاباة مؤسسية لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كان حكم دولي يعترف بأن مكانة لاعب أثرت في قراره داخل الملعب فهل يمكن تجاهل أثر النجومية على بعض القرارات البشرية؟
حوادث أخرى تثير الشكوك
لم تكن تلك الحادثة الوحيدة التي أثارت النقاش. ففي تصفيات كأس العالم 2014 التقط الحكم المساعد الباراجواياني نيكولاس يغروس صورة تذكارية مع ميسي بين شوطي مباراة رسمية، وهو تصرف أثار انتقادات واسعة لأنه مس بصورة الحياد التي يفترض أن يتحلى بها الحكم. كما تداولت وسائل إعلام إسبانية عام 2016 تقارير تحدثت عن أن الحكم الإسباني ريكاردو دي بورغوس بنغويتشيا طلب الحصول على قميص ميسي خلال مباراة لبرشلونة، وهي رواية بقيت محل تداول إعلامي لكنها لم تثبت مخالفة تحكيمية في تلك المباراة.
وجهة نظر خبراء التحكيم وتطور اللعبة
في المقابل يرفض كثير من خبراء التحكيم القفز من هذه الوقائع إلى استنتاجات عامة. فهم يرون أن الخطأ التحكيمي جزء من اللعبة وأن قرارات كثيرة أثارت غضب الجماهير تبين لاحقاً أنها كانت صحيحة عند مراجعتها وفق القانون. ويؤكدون أن تقنية الفيديو رغم كل ما يوجه إليها من انتقادات صححت مئات القرارات التي كان من المستحيل اكتشافها في الماضي.
وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبحت الجماهير أكثر شكاً لأن التحكيم تراجع أم لأن كل لقطة باتت تعاد عشرات المرات من زوايا مختلفة وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل أي قرار إلى قضية عالمية خلال دقائق؟
الحقيقة أن كرة القدم اليوم تختلف عن كرة القدم قبل ثلاثين عاماً. وكأس العالم اليوم يختلف عن كأس العالم في السبعينيات والثمانينيات، فاللاعب لم يعد مجرد لاعب بل أصبح مشروعاً اقتصادياً متكاملاً والبطولة لم تعد مجرد منافسة على الكأس بل منصة إعلامية وتسويقية تستثمر فيها الشركات مليارات الدولارات. وفي ظل هذا الواقع يصبح الحفاظ على ثقة الجمهور في نزاهة المنافسة مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.
لا أحد يستطيع أن يجزم بوجود محاباة لميسي أو لغيره كما لا يستطيع أحد أن ينفي أن بعض الوقائع تثير التساؤلات. وبين هذين الموقفين تبقى الحقيقة رهينة الأدلة ويبقى الجدل مشروعاً ما دام قائماً على الوقائع لا على الانطباعات.
وربما لهذا السبب لم تعد القضية اليوم من هو أفضل لاعب في العالم ولا من يستحق اللقب بل سؤال أكثر عمقاً: كيف تستطيع كرة القدم وهي أكبر صناعة رياضية على وجه الأرض أن تحافظ على أثمن أصولها، ألا وهو ثقة جمهورها؟ لأن البطولة قد تخسر بطلاً وتجد بطلاً آخر وقد تعوض راعياً براع جديد لكنها إذا خسرت ثقة الناس بعدالة المنافسة فإنها تخسر شيئاً لا يمكن شراؤه بأي مبلغ مهما بلغت قيمة حقوق البث أو عقود الرعاية.