البدء والعمل الدقيق
يستعمل متخصصون مشارط جراحية، تشبه تلك المستخدمة في غرف العمليات، لإزالة طبقات الأشنات التي تغطي شواهد قبور سلجوقية دفنت تحت الأرض لسنوات طويلة في ولاية وان شرقي تركيا. يعملون بحذر يشبه تعامل الجراح مع جسم على طاولة العمليات، حيث قد تؤدي أي حركة غير محسوبة إلى إضرار الحجر الذي يحمل نقوشًا وكتابات تعود إلى قرون. بعد انتهاء عملية التنظيف، يبدأ أكاديميون بقراءة الكتابات التي pojawiсь вновь وفكها وتوثيقها، إضافة إلى دراسة الزخارف الهندسية والنباتية المنقوشة على الشواهد.
ومع انتهاء التنظيف، يتولى باحثون متخصصون في التاريخ والآثار قراءة النصوص التي ظهرت وتفسيرها، بينما يدرس آخرون الزخارف التي تحملها الشواهد، سواء كانت هندسية أو نباتية، لفهم السياق الثقافي الذي تعود إليها.
التوثيق والاكتشافات الجديدة
خلال العام الحالي، نجح الفريق في تثبيت خمسة وثلاثين شاهد قبر تم إخراجها إلى السطح، كما أزال الأشنات عن خمسة شواهد تضررت أسطحها بفعل التكوينات البيولوجية، ووثق أربعة شواهد للمرة الأولى لم تكن مسجلة من قبل.
وبدعم من وزارة الثقافة والسياحة وبإشراف الجهات المختصة في ولاية وان، جُددت الأجزاء المتضررة من مسارات المشي وجرت ترتيبات في محيط المقبرة.
تعتبر إزالة الأشنات إحدى أكثر المراحل حساسية في العمل، إذ يعتمد الخبراء على مشارط جراحية مماثلة لتلك المستخدمة في العمليات الطبية لتنظيف الشواهد دون الإضرار بنسيجها التاريخي.
وباستخدام حركات دقيقة، يزيل المتخصصون طبقات الأشنات المتراكمة على سطح الحجارة، لتظهر الكتابات التي كانت غير مقروءة والزخارف الهندسية والنباتية مرة أخرى بعد أن غطتها الترسبات والزمن.
الأهمية الثقافية والمستقبل
بعد إتمام عملية التنظيف، يقوم الباحثون المتخصصون بقراءة النصوص المحفورة على الشواهد وفحصها وتسجيلها بدقة.
ويشير رئيس فريق التنقيب الدكتور أرجان تشاليش إلى أن العمل يشبه إجراء عملية جراحية في عمق الأرض، موضحا أن الدقة التي يطبقها الجراح على الجسد تطبقها الفرقة على الحجارة والتاريخ والثقافة. ويضيف أن الفريق يجلب التاريخ والثقافة والفن المدفون إلى السطح، ويزيل بعناية طبقات الأشنات المتعددة المتراكمة على الحجارة. ويصف المقبرة بأنها متحف مفتوح يسعى لجعل معالمها أكثر وضوحا وفهماً وإيصالها إلى الأجيال القادمة.
ويؤكد الدكتور أرجان تشاليش أن فائدة النقوش لا تقتصر على تحديد هوية الميت، بل تمثل وثائق تاريخية تكشف عن الجوانب السياسية والدينية والثقافية للفترة التي تعود إليها، بينما تساعد الزخارف على فهم الخصائص الفنية لتلك الفترة. ويشير إلى أن ثراء الزخارف على شواهد مقبرة كفاش السلجوقية يميزها عن غيرها، إذ نادراً ما يجد الفريق شاهدين متطابقين؛ كل حجر يتميز بزخارف وتركيب فني خاص، ما يمنح كل وحدة قيمة مستقلة لدراسة العصر الذي ينتمي إليه. ويضيف أن كل شاهد قبر يُظهر للضوء يحمل هوية منفصلة ويعكس جانباً مختلفاً من فنون وثقافة زمنه، словно يعيد إحياء جزء من تاريخ تلك الفترة بكل غناه.
لم تقتصر أعمال التنقيب عن الكشف عن الشواهد المعروفة فقط، بل استخرجت من باطن الأرض شواهد لم تكن مسجلة سابقاً. ويبين الدكتور أرجان تشاليش أن توثيق أربعة شواهد لأول مرة خلال العام الحالي يشكل تطوراً مهماً في الموقع، مشيراً إلى أن هذه الشواهد remained مدفونة منذ فترات مبكرة لكنها حافظت إلى حد كبير على صفاتها الأصلية، ما يجعلها مصدراً قيّماً للمعلومات ويعين الباحثين على دراسة المرحلة من زوايا متعددة. ويذكر أن الفريق قد حدد في بداية المشروع عام 2022 نحو سبعماية شاهد قبر، وارتفع العدد مع استمرار الأعمال إلى أكثر من ألف. ويؤكد أن توثيق الشواهد لا يبدأ عند اكتشافها، بل يسبقها مرحلة تقسيم أرض الموقع وتحديد موقع كل قطعة بدقة؛ وتشرح نائبة رئيس فريق التنقيب والدكتورة في قسم تاريخ الفن بجامعة وان يوزونجو يل، غولجان أوزبك، أن الفريق يضع قبل الحفر نظاماً شبكياً لتقسيم المنطقة. وتؤكد أن هذا النظام يضمن دقة توثيق مواقع الشواهد التي يتم العثور عليها، وتقول إن الفريق يواصل تحديد المناطق بعناية. وتضيف: “ننظف كل صخر على الأرض بعناية تقارب دقة الفحص الطبي، ونستخرج المعلومات الموجودة عليه بدقة مشابهة لتلك المستخدمة في الجراحة، ثم نسجلها”.
مع كل طبقة تزيلها الأدوات بعناية، تظهر أحرف كانت غير مقروءة وخطوط زخارف هندسية ونباتية كانت مخفية تحت الترسبات والزمن، قبل أن تنتقل من أيدي المتخصصين في الترميم إلى الباحثين لقراءتها وتدوينها. ويستمر الفريق في استخراج شواهد جديدة من تحت الأرض، بينما يستخدم المشرط بحركات محسوبة لإظهار مزيد من التفاصيل على سطح الحجارة التي شهدت أصحابها وعصورها على مر القرون.