خلال الأشهر الأخيرة، اصطدمت طائرات مسيرة أُوردت إلى أوكرانيا بمدخنة محطة لتوليد الطاقة في إستونيا، كما أصابت خزانات وقود فارغة في لاتفيا، وتعرضت لطيران مقاتل روماني متمركز في ليتوانيا. هذه الحوادث أثارت قلق دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، خاصة بعد أن شوهد ليتوانيون يلتجئون إلى مواقف سيارات تحت الأرض في العاصمة فيلنيوس يوم الأربعاء، عقب تحذير السلطات من نشاط لطائرات مسيرة ذات هوية مجهولة، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».
انعدام الخسائر البشرية وتفاقم الانتقادات
لم تُسجَّل حتى الآن أية حالات وفاة أو إصابات نتيجة لهذه الاختراقات، غير أن تزايد انتهاكات المجال الجوي دفع بعض وزراء دول البلطيق إلى توجيه انتقادات إلى أوكرانيا بسبب ما وصفوه بـ«الخروقات». وفي لاتفيا، أدت طريقة تعامل المسؤولين مع الطائرات الشاردة إلى أزمة سياسية انتهت بانهيار الحكومة في وقت سابق من هذا الشهر.
الاستهداف الأوكراني لموانئ بحر البلطيق
كثّفت أوكرانيا من هجماتها على موانئ بحر البلطيق التي تُستَخدم لتصدير الطاقة الروسية، سعيًا لضرب الموارد المالية التي تموّل الجهد الحربي لموسكو. يأتي ذلك في ظل ارتفاع أسعار النفط نتيجة لتصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لحربه ضد إيران، وهو ما يُعتبر مصدر دخل رئيسي للكرملين.
تجاوز الحدود الناتو وتداعياتها
مع توغّل الطائرات المسيرة الأوكرانية شمالًا، اقتربت من حدود دول الناتو الثلاثة — لاتفيا، ليتوانيا، وإستونيا — بالإضافة إلى فنلندا. لم تُكتشف بعض هذه الطائرات إلا بعد سقوطها داخل أراضي دول البلطيق. وقدمت السلطات الأوكرانية اعتذارًا، مؤكدة أن الطائرات كانت تستهدف أهدافًا عسكرية داخل روسيا، لكنها انحرفت عن مسارها نتيجة لتشويش إلكتروني روسي.
تساؤلات حول الدفاعات الجوية في الجناح الشرقي للناتو
تسببت سلسلة انتهاكات المجال الجوي في إثارة تساؤلات حول كفاءة الدفاعات الجوية في الجناح الشرقي لحلف الناتو. وفي هذا الإطار، تركز الهجمات الأوكرانية المتصاعدة على منشآت صناعية عسكرية، وموانئ بحر البلطيق، ومرافق طاقة، مستفيدة من الارتفاع الأخير في أسعار النفط.
تحديدًا، استُهدفت ميناؤا أوست-لوغا وبريمورسك القريبين من حدود إستونيا وفنلندا، وهما الميناءان اللذان تستخدمهما روسيا لتحميل السفن التي تنقل صادراتها النفطية عبر بحر البلطيق. خلال إحدى العمليات في أيار/مايو، اندلع حريق في جزء من ميناء بريمورسك، وأفاد حاكم منطقة لينينغراد ألكسندر دروزدينكو أن أكثر من ستين طائرة مسيرة أوكرانية سُقطت.
بعد دخول طائرات مسيرة أوكرانية المجال الجوي اللاتفي في 7 مايو، استقال وزير الدفاع أندريس سبروتس، ما دفع رئيسة الوزراء إيفيكا سيلينا إلى الاستقالة لاحقًا نتيجة فقدان الأغلبية داخل الائتلاف الحكومي.
في 19 مايو، أسقطت مقاتلة رومانية متمركزة في ليتوانيا طائرة مسيرة أوكرانية فوق جنوب إستونيا. صرح وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور أن الطائرة كانت على الأرجح متجهة نحو أهداف داخل روسيا، وطالب أوكرانيا بإرسال طائراتها المسيرة بعيدًا قدر الإمكان عن أراضي «الناتو».
وبينما رافقت طائرات مقاتلة تابعة للناتو طائرة مسيرة مجهولة الهوية اخترقت المجال الجوي الليتواني، أطلقت السلطات إنذارًا أحمرًا دعا المواطنين إلى الاحتماء في محيط العاصمة فيلنيوس، وفقًا لوزارة الدفاع الليتوانية. وأفادت الوزارة أن الاتصال بالطائرة فقد لاحقًا، وأن الجيش يواصل البحث عنها.
التشويش الإلكتروني الروسي وتأثيره
منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حذرت دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق من عمليات التشويش الإلكتروني الروسية التي تعطل الاتصالات الخاصة بالطائرات، السفن، والطائرات المسيرة. وتستخدم روسيا في منطقة البلطيق تقنيات تشويش وخداع إلكتروني لإبعاد الطائرات المسيرة عن مساراتها. صرح وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس يوم الثلاثاء أن روسيا «تعمد» إعادة توجيه الطائرات المسيرة الأوكرانية نحو أجواء دول البلطيق عبر وسائل التشويش الإلكتروني.
سجل اختراقات أجواء البلطيق
في سبتمبر 2025، دخل نحو 20 طائرة مسيرة روسية إلى الأجواء البولندية، ما أبرز ثغرات في الدفاعات الجوية للناتو، حين أُرسل طائرات مقاتلة بتكلفة ملايين الدولارات للتصدي لها. وأوضح وزير الدفاع الإستوني آنذاك أن تلك الطائرات لم تُكتشف مسبقًا. كما لم تُكتشف طائرة مسيرة عسكرية أوكرانية تحطمت وهي تحمل متفجرات في ليتوانيا الأسبوع الماضي، بحسب ما صرح به فيلمانتاس فيتكاوسكاس، مدير المركز الوطني الليتواني لإدارة الأزمات.
ردت بولندا ورومانيا العام الماضي على حوادث اختراق المجال الجوي بنشر تقنيات مضادة للطائرات المسيرة، وهي الأولى من نوعها داخل الناتو، إلا أن هذه الأنظمة لم تُنشر بعد في جميع أنحاء منطقة البلطيق. وأوضح العقيد يانو مارك من قوات الدفاع الإستونية أن التصدي للطائرات المسيرة يتطلب معالجة مجموعة معقّدة من التحديات التقنية والمالية والبيروقراطية، مؤكداً أنه «لا يوجد حل واحد يناسب جميع أنواع الطائرات المسيرة». وأضاف خلال مناورات عسكرية في جنوب شرق إستونيا أن التعامل مع أنواع مختلفة من الطائرات المسيرة التي تعمل بسرعات وارتفاعات متنوعة يتطلب نظام دفاع جوي متعدد الطبقات.
في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» يوم السبت، صرح بودريس أن دول البلطيق قد تضطر إلى الاستمرار في التعامل مع اختراقات الطائرات المسيرة الأوكرانية، بعد أن أصبحت كييف قادرة على ضرب أهداف «عميقة داخل روسيا» وكذلك موانئ بحر البلطيق. وأشار إلى أن أفضل وسيلة لمواجهة هذه الطائرات هي الاستفادة من الخبرة الأوكرانية نفسها، نظرًا لأن أكثر الأنظمة فاعلية لمك{}