انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

من الروضة الشريفة إلى قصور الملوك.. حرفي تركي يعيد الحياة لسجاد أثري في إسطنبول

من الروضة الشريفة إلى قصور الملوك.. حرفي تركي يعيد الحياة لسجاد أثري في إسطنبول

في قلب سوق السجاد التاريخي بمنطقة الفاتح في إسطنبول، توجد ورشة متواضعة تستقبل قطعاً نادرة من السجاد اليدوي، قادمة من قصور ملكية ومجموعات خاصة وعائلات عريقة، بل وحتى من الروضة الشريفة في المسجد النبوي بالمدينة المنورة. بعد أن ترك الزمن آثاره عليها، تبدأ رحلة جديدة تهدف إلى استعادة رونقها والحفاظ على قيمتها التاريخية والفنية والروحية.

حرفة تمتد لعقود

في هذه الورشة، يمضي الحرفي التركي أحمد بيرقدار ساعات طويلة بين خيوط الحرير والصوف والإبر الدقيقة، وهو يعيد ترميم سجاد أثري تجاوز عمر بعض قطعه قرناً من الزمن. يلتزم بيرقدار بأساليب النسج والخامات نفسها التي صنعت بها قبل سنين، في محاولة لإعادتها إلى هيئتها الأولى دون المساس بهويتها أو قيمتها التاريخية.

ولا يقتصر عمله على إصلاح ما أتلفه الزمن، بل يمتد إلى المحافظة على الطابع الفني لكل قطعة، إذ تختلف كل سجادة عن الأخرى في تاريخها وخاماتها وطريقة نسجها والحكاية التي تحملها بين خيوطها.

وتصل إلى الورشة باستمرار طلبات ترميم من داخل تركيا وخارجها، لسجاد يعود إلى جامعي التحف والمتاحف والعائلات الملكية والمقتنين الخاصين، يحمل كل منها قيمة مادية ومعنوية خاصة وقصة تختلف عن سواها.

رحلة حرفي بدأت من الصفر

وقال بيرقدار، في حديث مع الأناضول، إن رحلته مع هذه الحرفة بدأت قبل 39 عاماً، عندما قدم إلى إسطنبول عام 1987 قادماً من ولاية أقصراي بهدف الزيارة فقط، قبل أن يقرر البقاء والعمل متدرباً في إحدى ورش سوق السجاد.

وأوضح أنه بدأ تعلم حياكة السجاد وإصلاحه منذ سنوات الدراسة الإعدادية، ثم أمضى سنوات طويلة في إتقان هذه الحرفة، حتى أصبح لاحقاً مالك الورشة نفسها التي بدأ فيها متدرباً. وأشار إلى أنه ركز طوال مسيرته المهنية على ترميم السجاد الحريري القديم، وهو ما جعله يتلقى أعمالاً من جامعي التحف والعائلات الملكية من العديد من الدول.

سجادة من الروضة الشريفة.. شرف ومسؤولية

ومن بين القطع التي يستعد لاستقبالها، سجادة تحمل قيمة تتجاوز أي قيمة مادية، إذ كانت تستخدم في الروضة الشريفة، ما بين بيت ومنبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي بالمدينة المنورة. وأوضح أنه سبق أن أجرى مراسلات مع الجهات المعنية لمناقشة تفاصيل عملية الترميم والمدة اللازمة لإنجازها.

وقال: “كنا نظن أن السجادة التي ستصل إلينا ستكون من أحد القصور أو العائلات الملكية، لأننا نتلقى مثل هذه الأعمال بين حين وآخر. لكننا فوجئنا بوصول سجادة من الروضة الشريفة، وهي سجادة صلى عليها ملايين المسلمين أثناء أداء الحج والعمرة”. وتابع: “هذا الأمر أثر فينا كثيراً وأسعدنا، كما أن ترميم هذه السجادة في تركيا، داخل ورشتنا، يمثل بالنسبة إلينا قيمة معنوية كبيرة”.

ورغم أن الورشة اعتادت استقبال قطع نادرة من مختلف أنحاء العالم، فإن بيرقدار رأى أن هذه السجادة حملت مكانة خاصة، لأنها مثلت جزءاً من ذاكرة دينية عاشها ملايين المسلمين، وهو ما يجعل مسؤولية ترميمها مختلفة عن أي عمل آخر.

شاهدة على عظمة العثمانيين

وبينما تنتظر سجادة الروضة الشريفة دورها في الترميم، يواصل بيرقدار العمل على واحدة من أندر القطع الموجودة حالياً في ورشته، وهي سجادة عثمانية نسجت خلال القرن الثامن عشر في منطقة أيوب سلطان في إسطنبول، وكانت مخصصة للقصر العثماني.

وأوضح أنه يعمل على ترميم هذه السجادة منذ نحو 3 أعوام، ولم يتبق من العمل عليها سوى شهر أو شهرين قبل تسليمها إلى مالكها. وقال: “من أهم ما يميز هذه السجادة أن أجدادنا النساجون العثمانيون نجحوا في الجمع بين الحرير والمعدن في عملية النسج. كانوا يمزجون داخل خيوط الحرير خيوطاً معدنية لامعة مصنوعة من النحاس، ثم ينسجون الحرير والنحاس اللين معاً، ويعد ذلك من أندر أساليب الحياكة في العالم”.

ولفت إلى أن أطراف السجادة تحمل أيضاً قصائد ومدائح كتبت في مدح الأسرة العثمانية، وهو ما يضاعف قيمتها التاريخية والفنية، ويجعل عملية ترميمها أكثر تعقيداً ودقة.

ورغم الخبرة التي راكمها على مدى عقود، يؤكد بيرقدار أن الزمن يبقى الخصم الأصعب في مهنة ترميم السجاد، إذ لا يمكن إنقاذ كل قطعة مهما بلغت قيمته. وأوضح أن إمكانية ترميم السجاد ترتبط بدرجة كبيرة بعمره وحالته، مشيراً إلى أن القطع التي يتجاوز عمرها 200 عام تصبح شديدة الهشاشة، وقد لا تتحمل أي تدخل مهما بلغت دقته.

وقال: “ترميم سجادة يزيد عمرها على مئتي عام يشبه إجراء عملية قلب لإنسان بلغ المئة من عمره. قد تغرز الإبرة في النسيج، لكنه لا يعود قادراً على تحملها، لأن الألياف تكون قد ضعفت بفعل الزمن، وقد يتفكك النسيج بمجرد إدخال الإبرة”.

ولفت إلى أن معظم السجاد الموجود حالياً في ورشته يعود عمره إلى ما بين 100 و150 عاماً، وجميعه منسوج يدوياً ويعد من القطع النادرة والثمينة.

السجادة هي التي تحدد زمن الترميم

ولا يخضع ترميم السجاد، بحسب بيرقدار، لجدول زمني محدد، فكل قطعة تفرض إيقاعها الخاص، وتحدد بنفسها مقدار الوقت الذي تحتاجه لاستعادة حياتها. وأوضح أن “السجادة العثمانية التي يعمل عليها منذ 3 سنوات لا تتجاوز مساحتها مترين مربعين، ويمكن لنساجين اثنين إنجازها في نحو خمسة أشهر لو كانت جديدة، إلا أن إعادة ترميمها استغرقت سنوات بسبب ما تتطلبه من دقة متناهية”.

وفي المقابل، يعمل منذ أسبوع على ترميم سجادة إيرانية من نوع “ملاير” يعود عمرها إلى نحو 150 عاماً، ويتوقع الانتهاء منها خلال أسبوعين فقط. وقال: “لا توجد مدة ثابتة لترميم السجاد الأثري، فإعادة قطعة قديمة إلى مظهرها الأصلي، مع الحفاظ على توازنها البصري وروحها التاريخية، يعتمد بالكامل على مهارة الحرفي ودقة العمل. قد يستغرق ترميم بعض القطع أياماً، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى سنوات. وفي الحقيقة، السجادة نفسها هي التي تحدد زمن الترميم، وليس نحن”.

سجادة تركت أثراً لا يُنسى

وبين آلاف السجاد الذي مر بين يديه، ما تزال بعض القطع حاضرة في ذاكرة بيرقدار، ليس لقيمتها التاريخية فحسب، بل لما تركته من أثر شخصي لا ينسى. ويستذكر واحدة من تلك القطع، وهي سجادة وصفها بأنها “أدق سجادة في العالم”، قائلاً إن كثافة عقدها كانت استثنائية إلى درجة يصعب تصورها.

وأوضح: “في السجاد العادي لا يتجاوز عدد العقد في السنتيمتر المربع الواحد 4 عقد، أما تلك السجادة فكانت تضم 1650 عقدة. اضطررت إلى ترميمها باستخدام عدسة مكبرة طوال فترة العمل، وهو ما تسبب في انفجار أحد الشعيرات الدموية الدقيقة في عيني اليسرى وحدوث وذمة”. وتابع مبتسماً: “تلك السجادة تركت في عيني ذكرى لن أنساها”.

ولم تكن تلك القطعة الوحيدة التي بقيت عالقة في ذاكرته، فقد شارك، بدعوات من عملائه، في معارض أقيمت في اليابان والصين وكوريا الجنوبية وعدد من الدول الأوروبية، وشاهد خلالها قطعاً نادرة يقول إنه لم ير مثل بعضها سوى مرة واحدة طوال حياته.

ومن بين أكثرها تميزاً، سجادة عثمانية حريرية أصلية تبلغ مساحتها نحو 10 أمتار مربعة، تولى ترميمها لصالح قصر الملك محمد الخامس في ماليزيا. وقال: “يبدو أنها كانت قد وصلت إلى القصر هدية في وقت سابق، وكانت بالفعل من أميز القطع التي عملت عليها طوال حياتي”.

وبينما تتبدل البلدان والقصور وأسماء المالكين، يبقى المشهد داخل الورشة على حاله؛ خيوط تمتد فوق النول، وإبرة تتحرك بصبر بين نسيج مضى على بعضه عشرات السنين، وحرفي يقيس الزمن لا بالساعات، بل بعدد العقد التي يعيدها إلى مكانها. ولهذا، لا يحدد أحمد بيرقدار موعد انتهاء عمله على أي قطعة تصل إلى ورشته، لأن القرار، كما يقول، لا يعود إليه: “فالسجاد هو من يحدد زمن الترميم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني