انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

واشنطن تشدد الخناق على أقدم بنك إيراني: بنك “ملي” في مرمى العقوبات الأمريكية

واشنطن تشدد الخناق على أقدم بنك إيراني: بنك “ملي” في مرمى العقوبات الأمريكية

في إطار حملة العقوبات الجديدة التي تهدف إلى إحكام الحصار الاقتصادي على إيران، وضع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت المصرف الإيراني العريق “بنك ملي” تحت المجهر. يسعى بيسنت إلى جعل هذا البنك نموذجاً يُحتذى به في مطاردة الإدارة الأمريكية لما تصفه بـ”بنوك الظل” الإيرانية. وهدد بيسنت بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على أي دولة لا تمتثل للإرادة الأمريكية بإغلاق أنشطة البنك على أراضيها.

استهداف علني في يوم النصر الاقتصادي

عندما كشفت الإدارة الأمريكية في الرابع والعشرين من شهر أغسطس/آب الماضي عن حزمة العقوبات الاقتصادية الجديدة التي أطلقت عليها تسمية “يوم النصر الاقتصادي”، حرص سكوت بيسنت على تسمية بنك إيراني محدد بالاسم، وهو “بنك ملي” (المصرف الوطني)، وجعله هدفاً رئيسياً في ملاحقة وزارته للمؤسسات المالية الإيرانية.

وقال بيسنت حرفياً: “يجب إغلاق جميع وكالات بنك ملي في الخارج”، محذراً من أن أي دولة لا تجبر هذا البنك الإيراني على وقف أنشطتها على أراضيها ستواجه عقوبات ثانوية.

تاريخ عريق ودور محوري

يمتلك بنك ملي حوالي اثني عشر فرعاً خارج الأراضي الإيرانية، بالإضافة إلى مشاريع مشتركة في روسيا وأفغانستان. يتركز معظم هذه الفروع في دول الخليج، حيث يوجد سبعة منها في دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي أوروبا، يمتلك البنك فرعاً في باريس، وآخر في هامبورغ (ألمانيا)، ومكاتب في لندن. ولم تصدر الدول المعنية، التي تواصلت معها وسائل الإعلام الأمريكية، أي تعليق حول نواياها تجاه العقوبات الأمريكية الجديدة.

يُعد بنك ملي، وفقاً لمهرداد بوروجردي، المتخصص في الشؤون الإيرانية وعميد كلية الآداب والعلوم والتعليم في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، “أقدم بنك إيراني لا يزال يعمل وصاحب أكبر عدد من الفروع في إيران”. تأسس البنك في عام 1928 على يد الشاه رضا بهدف إنشاء بنك عام يمنح إيران استقلالاً مالياً عن المؤسسات الأجنبية مثل البنك الإمبراطوري الفارسي. ولعب بنك ملي دور البنك المركزي الإيراني منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى ستينياته.

وبالتالي، فإن أحد أسس النظام المصرفي الإيراني التاريخي أصبح الآن في مرمى نيران سكوت بيسنت. وتتهمه واشنطن بأنه أساسي “لتمويل البرنامج النووي الإيراني وعمليات الحرس الثوري”، حسب بوروجردي.

تاريخ طويل من العقوبات

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها بنك ملي للعقوبات. فقد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في عام 2007، متهمة إياه بتسهيل تمويل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. وفي أوروبا، فُرضت عليه عقوبات لأول مرة في عام 2008، ثم سُمح له بممارسة أنشطته مجدداً بعد اتفاق عام 2015 الذي يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني. وفي عام 2025، أعاد الاتحاد الأوروبي إدراج بنك ملي في قائمته للكيانات الخاضعة للعقوبات، متّهماً إياه بتسهيل عمليات شركات متورطة في البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. كما فرضت عليه المملكة المتحدة عقوبات في عام 2025.

ويعلق مهرداد بوروجردي قائلاً: “مضى 19 عاماً على تعلم بنك ملي كيف يعيش ويعمل في ظل العقوبات الدولية وفي بيئة معقدة”.

الوجود الخارجي وشبكات الظل

قد يبدو مفاجئاً أن هذا البنك لا يزال يمتلك هذا العدد الكبير من الفروع في الخارج، بما في ذلك في فرنسا وألمانيا، حيث تسري العقوبات الأوروبية. وأشارت صحيفة نيويورك تايمز إلى أن المكاتب في لندن لا تزال مفتوحة. ويوضح فرزان سابت، الخبير في العقوبات الدولية في معهد الدراسات العليا للتنمية الدولية في جنيف، أن هذه الفروع ربما أُنشئت في وقت كان مسموحاً به، وأن هذه المكاتب تم الاحتفاظ بها مع تقليص كبير في أنشطتها. لكن معظم الأنشطة المالية غير المشروعة والالتفاف على العقوبات لا تحدث على الأرجح خلف هذه الواجهات الرسمية.

وصفت وزارة الخزانة الأمريكية نفسها، في أبريل/نيسان 2026، نظام “المصرفية الظلية” الذي أنشأته المؤسسات المالية الإيرانية، مثل بنك ملي، للعمل على الساحة الدولية. ويشرح فرزان سابت أنه في دول مثل الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً دبي، تعتمد إيران على شبكة من الوسطاء المحليين، هم “أمناء” يديرهم محليون يقومون بإنشاء شركات وهمية لتنفيذ المعاملات المالية لإيران. وفي بيانها الصادر في أبريل/نيسان، تصف وزارة الخزانة شبكة من هذا القبيل تعتمد على بنك ملي وتتضمن عشرات، بل مئات، من الشركات الوهمية في آسيا، وخاصة في هونغ كونغ. بالنسبة لواشنطن، سمحت هذه الشبكة المحددة لإيران بإجراء مليارات الدولارات من المعاملات المالية، بما في ذلك لصالح الحرس الثوري، وبالإفلات التام من العقاب.

هل تنجح المطاردة؟ تحديات دبلوماسية وهيكلية

هل يمكن لمطاردة فروع بنك ملي في جميع أنحاء العالم أن تضعف هذه الدوائر المالية البديلة؟ يرى مهرداد بوروجردي أن “هذه بداية”. كل شيء يعتمد على تعريف الوجود في الخارج. وتوضح سارا بازوباندي، المتخصصة في إيران في معهد سياسة الأمن بجامعة كيل، أن هناك غموضاً في ما يمكن اعتباره فرعاً، فقد يكون مجرد مكتب في غرفة خلفية مع موظف يمثل بنك ملي. وإذا كان سكوت بيسنت يقترح تفكيك كل هذه البنية التحتية وليس فقط العشرات من الوكالات الرسمية، فإن ذلك “سيعقد بالفعل مهمة الجمهورية الإسلامية في الالتفاف على العقوبات الدولية”، حسب بازوباندي.

لكن هذا بعيد عن التحقق. أولاً، يجب الحصول على نظرة شاملة لجميع المكاتب التي فتحها بنك ملي في العالم. ثانياً، بنك ملي هو حلقة مهمة لكنه ليس الوحيد، فالبنوك الإيرانية الأخرى مثل بنك صادرات (الخاضع للعقوبات لدوره في تمويل الجماعات المسلحة مثل حزب الله وفقاً لواشنطن) تمتلك أيضاً وكالات في عدة دول.

يمثل نداء سكوت بيسنت للدول الأخرى تحدياً دبلوماسياً كبيراً للولايات المتحدة. وتبرز سارا بازوباندي أن وزير الخزانة سيحتاج إلى تعاون دولي هائل، وهو في السياق الحالي ربما المهمة الأكثر صعوبة. وتساءلت: هل ستطرد روسيا فعلاً بنك ملي من أراضيها من أجل سكوت بيسنت؟

ويرى فرزان سابت أن العقوبات ضد بنك ملي قد تمثل أيضاً “طلقة تحذيرية”، فهي بمثابة إعلان نوايا: تطلق واشنطن النار أولاً على كيانات ليست الأكثر أهمية في استراتيجيات إيران للالتفاف على العقوبات لبدء الضغط على البلدان المعنية. الفكرة هي تهيئة أذهان الدول – حليفة أو غير حليفة للولايات المتحدة – لتصعيد محتمل للعقوبات ضد هذه التدفقات المالية غير المشروعة التي وضعها النظام الإيراني. وسيكون على كل شخص أن يختار جانبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني