أثار سقوط طائرة مسيرة روسية على مبنى سكني في مدينة غالاتي الرومانية، القريبة من الحدود مع أوكرانيا، موجة إدانة واسعة من رومانيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذين وصفوا الحادث بأنه “تصعيد خطير وغير مسؤول”. وأسفر الحادث عن إصابة شخصين بجروح طفيفة، ما دفع بوخارست إلى استدعاء السفير الروسي.
إجراءات دبلوماسية وعسكرية
أعلن الرئيس الروماني نيكوشور دان أن بلاده ستطرد القنصل الروسي في مدينة كونستانتا (جنوب شرق البلاد) وتغلق القنصلية. وفي السياق نفسه، أكد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أن الحلف “على أهبة الاستعداد للدفاع عن كل شبر من أراضي الحلفاء”، مضيفاً: “سنواصل تعزيز جاهزيتنا لردع أي تهديد والتصدي له، بما في ذلك التهديدات الناجمة عن الطائرات المسيرة”. ووصف روته “سلوك روسيا المتهور” بأنه “يشكل خطراً علينا جميعاً”، مشيراً إلى أن موسكو “تواصل استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية في جميع أنحاء أوكرانيا، وقد أظهروا الليلة الماضية مرة أخرى أن تداعيات حربهم العدوانية غير الشرعية لا تتوقف عند الحدود”.
وأفاد الحلف في بيان لاحق بأن القائد الأعلى لقواته، الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، ناقش الحادث مع رئيس أركان الجيش الروماني، واتفق الطرفان على “البقاء على اتصال وثيق للغاية في ظل استمرار التحقيق في الحادث، ودراسة التدابير الدفاعية الإضافية المحتملة”. وأشارت مصادر متعددة في الناتو إلى عدم وجود مؤشرات حتى الآن حول ما إذا كانت بوخارست ستدعو إلى مشاورات طارئة بموجب المادة الرابعة من معاهدة الحلف، وهي خطوة أقل بكثير من تفعيل المادة الخامسة (بند الدفاع المشترك) الذي لم يُفعّل إلا مرة واحدة في تاريخ الحلف الممتد لـ77 عاماً، وذلك بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. وقد فُعّلت المادة الرابعة ثلاث مرات خلال الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا: أولها بعد الغزو مباشرة عام 2022، ثمّ إثر طلب من بولندا بعد توغل طائرات روسية مسيرة في أجوائها، ومرة ثالثة بطلب من إستونيا بعد انتهاك مقاتلة روسية مجالها الجوي.
ردود فعل دبلوماسية متصاعدة
أعلنت وزارة الخارجية الرومانية في بيان ما وصفته بـ”التصعيد الخطير وغير المسؤول” من جانب روسيا، وأضافت: “أبلغت رومانيا حلفاءها والأمين العام لحلف شمال الأطلسي بالوضع، وطلبت اتخاذ تدابير لتسريع نقل قدرات مكافحة الطائرات المسيرة إلى رومانيا”. وفي وقت لاحق، أعلنت وزيرة الخارجية أوانا تويو استدعاء السفير الروسي في بوخارست الجمعة، واصفة الحادث بأنه “بالغ الخطورة”. وكتبت عبر منصة “إكس”: “سنُبلغ (السفير) رسمياً بتداعيات هذا العمل غير المسؤول من جانب روسيا على العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، فضلاً عن الخطوات التالية على المستوى الأوروبي في ما يتعلق بحزم العقوبات”.
من جانبها، اعتبرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن “العدوان الروسي تجاوز خطاً جديداً”، وأضافت: “سنزيد الضغط على روسيا في حين نعزز أمننا وقدرات الردع لدينا، بخاصة على الحدود الشرقية”، موضحة أن الاتحاد الأوروبي بدأ في إعداد حزمة العقوبات الـ21 ضد روسيا. وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا: “إن التصعيد الروسي في أراضي الاتحاد الأوروبي مستهتر وغير مسؤول. إنني أدين هذا الانتهاك للمجال الجوي الروماني وللقانون الدولي بأشد العبارات. إن الاتحاد الأوروبي متحد في تصعيد الضغط على روسيا عن طريق العقوبات وتعزيز الإمكانات الدفاعية، بخاصة على حدودنا الشرقية”.
ودان سفير الولايات المتحدة لدى حلف شمال الأطلسي كاثيو ويتاكر، في منشور على منصة “إكس”، هذا “التوغل غير المسؤول”. كما اعتبر وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن “التوغل الأخير لمسيرة روسية في المجال الجوي الروماني وانفجارها في المنطقة السكنية في غالاتي، أثبتا مرة أخرى أن العدوان الروسي يشكل تهديداً حقيقياً لمنطقة البحر الأسود ولأوروبا بأكملها”. ودانت رئيسة مولدافيا مايا ساندو، في تصريح على “إكس”، “استهداف المسيرات الروسية للرومانيين في منازلهم”، مضيفة أن “روسيا تشكل خطراً على الجميع، ويجب إيقافها”.
واستنكر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي استدعى السفير الروسي لدى فرنسا، ما وصفه بـ”العمل غير المسؤول”. وكتب وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول عبر منصة “إكس”: “تواصل روسيا تهديد أمننا الجماعي. وردنا هو الوحدة. نحن نتضامن مع رومانيا”، متعهداً بأن ألمانيا “ستواصل تعزيز الدفاع عن أوكرانيا وأوروبا داخل حلف (الناتو)”.
تفاصيل الحادثة والتحذيرات الجوية
سبق ذلك إعلان وزارة الدفاع الرومانية أن أنظمة الرادار رصدت المسيرة الروسية عند الحدود مع أوكرانيا حتى وصلت إلى مدينة غالاتي، واصطدمت بمبنى سكني، مما أسفر عن اشتعال حريق وإصابة شخصين، وأنه تم إرسال طائرتين مقاتلتين، طراز “إف-16″، لرصد العديد من المسيرات التي تحلق قرب الحدود مع أوكرانيا، مع السماح للطيارين بالاشتباك مع الأهداف الجوية، بحسب وكالة “بلومبرغ” للأنباء.
تبادل الضربات الجوية بين أوكرانيا وروسيا
في موازاة ذلك، أطلقت أوكرانيا حالة تأهب جوي ليل الخميس- الجمعة تحسباً لغارات روسية جديدة، قبل رفعها بعد ساعات قليلة. وأصيب شخصان على الأقل في زابوريجيا (جنوباً) جراء حريق اندلع بسبب هجوم بحسب ما أفادت السلطات المحلية. وأعلنت البحرية الأوكرانية الجمعة أن مسيرة روسية هاجمت سفينة شحن تركية كانت تبحر من أحد موانئ منطقة أوديسا (جنوباً)، وقالت: “جرى إجلاء اثنين من أفراد الطاقم المصابين بسرعة بواسطة زوارق تابعة للبحرية الأوكرانية ونقلهما إلى مركز طبي”.
وقال سلاح الجو الأوكراني إن روسيا هاجمت أوكرانيا ليلاً بصاروخ باليستي، طراز “إسكندر”، و232 مسيرة، مضيفاً أنه جرى تحييد 217 مسيرة رغم تسجيل بعض الضربات، دون الكشف عن تفاصيل المواقع التي ضربت أو حجم الضرر. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، من جهتها، اعتراض 208 طائرات مسيرة أوكرانية ليل الخميس- الجمعة. وأفاد حاكم منطقة ياروسلافل، ميخاييل يفراييف، بأن عدة مسيرات أصابت مستودعاً للوقود الاصطناعي، ما تسبب في اندلاع حريق دون تسجيل إصابات.
ووردت تقارير من العديد من المناطق الروسية تفيد بوقوع حرائق وأضرار، الجمعة، عقب موجة من الهجمات بالمسيرات الأوكرانية. وقال حاكم منطقة فولغوغراد، أندري بوتشاروف، إن رجلاً قتل في مصنع للألياف الاصطناعية بمدينة فولغسكي، كما أصيبت امرأة بجروح خطيرة ونقلت إلى المستشفى. وأضاف بوتشاروف أن حريقاً وقع في منشأة طاقة لم يحددها في جنوب فولغوغراد، كما لحقت أضرار بمبنى سكني، وجرى إخماد حريق دون تسجيل إصابات، وأغلقت السلطات الطريق الذي يربط المنطقة بموسكو مؤقتاً. وفي مدينة تيمريوك، قالت السلطات إن حطام مسيرة جرى إسقاطها تسبب في حريق. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الهجمات بالمسيرات الأوكرانية استهدفت 13 منطقة روسية، وكالمعتاد لم تعلن العدد الإجمالي للطائرات المسيرة التي أطلقتها كييف، أو تقدم تفاصيل عن الضربات الناجحة، مكتفية بالقول إنه جرى إسقاط 208 طائرات مسيرة.