كانت بداية الرحلة متعبة، لكن ما rimasto في الذاكرة لم يكن التعب ولا المعالم التي زرناها، بل الأشخاص الذين التقيناهم خلال التنقلات.
بدء الرحلة: أحاديث في المقعد الخلفي
خلال تنقلاتنا في لندن، وجدت نفسي في أحاديث طويلة مع عدد من السائقين، حيث يبدأ الحديث غالبًا بسؤال بسيط: “من أنت؟” ثم يتحول المقعد الخلفي للسيارة إلى مساحة نتحدث فيها عن الوطن والدين والأبناء والحروب والهجرة والمستقبل.
لكل سائق حكايته الخاصة التي أضافت بعدًا إنسانيًا للتجربة.
قصص متنوعة: من بنغلاديش إلى كوسوفو
شمس، بنغلاديشي أب لابنتين وولد، تحدث بحرص عن تعليم أبنائه وحفظهم للقرآن، إذ حفظوا ما يقارب أربعة أجزاء. يريد لهم النجاح في المجتمع البريطاني لكنه يخشى أن يأتي ذلك على حساب الدين والقيم والعادات.
أحمد، هندي متعلم يعيش أغلب أسرته في أمريكا، عبر عن اطمئنانه للحياة الإسلامية في بريطانيا. أخبرني أن المنطقة المحيطة بكناري وارف تضم نحو ثلاثين وخمسة مسجدًا، ورأى أن المسلم المهاجر ليس بالضرورة في صراع دائم بين هويته والمجتمع الجديد.
زبيدة، ذات أم كشميرية وأب إيراني وزوج إيراني، تعمل مع زوجها في أوبر بنظام ست ساعات تقود هي وست ساعات يقود هو. أبناءها أصبحوا طبيبًا ومحاسبًا، لذا لم يكن قلقها الأساسي عليهم. ما شدني فيها كان ارتباطها العميق بكشمير، تحدثت بحماس عن تاريخها وانقسامها بين الهند وباكستان وتطلعها لأن تكون كشمير حرة.
حسين الإيراني انتقد ما حدث في بلده بعد الثورة وتحدث عن ما سمعه من الجيل السابق عن الحياة قبل حكم الملالي، وعن الشباب الذين فقدوا حياتهم، وعن الإيرانيين الذين هاجروا وانتشروا في العالم. قارن ما يراه من تنمية وازدهار في دول الخليج بما يشهده في إيران، وتذكرت أنا صورة الحجاج الإيرانيين في المدينة المنورة قبل الثورة ومستوى معيشتهم آنذاك.
زكي، الشاب الصومالي المولود في إنجلترا، عبّر عن ارتياحه لتربية أبنائه لكنه يخاف على الأجيال القادمة: هل سيبقى الدين؟ وهل ستبقى القيم بعد جيلين أو ثلاثة؟ تحدثنا عن الصومال، عن الانقسامات والتدخلات وأرض الصومال، لكنه بقي متفائلًا بتحسن بلده.
سليمان الألباني من كوسوفو بدأ اللقاء متوترًا بسبب خلاف حول حجم الحقائب وعدم طلب Uber XL. بعد ذلك انتقلنا إلى تاريخ كوسوفو: الشيوعية، والصرب، والحرب، والاستقلال، وما أصاب التدين هناك من ضعف. تحدث عن تأثير الشيخين الألباني والأرناؤوط وتسجيلاتهما، وعن تقدير أهل كوسوفو لما قدمته السعودية لمسلمي كوسوفو والبوسنة. عندما علم بوجود صلة قديمة بين الشيخ الألباني ووالدي، تفاجأ واتسع الحديث، وفي النهاية اعتذر لندى عن البداية الصعبة وقال إنه نادرًا ما يدخل مع ركابه في حديث كهذا.
أثر صغير: علبة تمر ودبلوماسية human
في آخر موقف، ركبنا تاكسي أسود مع سائق بريطاني. عندما سألنا عن أصلنا وقلنا السعودية، ذكر أن عائلة سعودية rode معه قبل أيام وأعطته تمرًا. أثنى على طعمه وجودته، وقال إنه يبحث عن التمور في المتاجر المعروفة في لندن لكنه لم يجد مثل ذلك التمر. ثم أثنى على السعودية والسعوديين، معتبرًا أن هذا اللطف البسيط ترك صورة إيجابية عن وطن كامل.
الدروس المستفادة: فهم وجوازات السفر الداخلية
خرجت من هذه الحوارات بفكرتين: أولًا، خلف كل رأي نسمعه إنسان له قصة؛ عندما نعطيه الوقت ونستمع قد لا نتفق معه لكن نفهم لماذا يرى العالم بطريقة معينة، فيتحول الحكم إلى فهم وربما إلى تعاطف. ثانيًا، عندما نسافر لا نحمل جوازات سفرنا فقط؛ نحمل أوطاننا معنا في طريقة تعاملنا، واحترامنا، وابتسامتنا، وكلمة طيبة، وحتى علبة تمر، قد تصبح جزءًا من الصورة التي يحملها إنسان عن بلد بأكمله. ربما يكون موقفًا صغيرًا أقوى من مئة كلمة.
عدت من لندن بصور كثيرة، لكن أجمل ما عدت به لم يكن في هاتفي؛ بل الحكايات التي سمعتها من غرباء، والوجوه التي ربما لن أراها مرة أخرى، والحوارات التي بدأت بسؤال عابر وانتهت بفكرة بقيت معي. في السفر نكتشف العالم، لكننا في الوقت نفسه نترك لدى العالم شيئًا منا… وشيئًا من وطننا.