وفي هذا السياق، أوضح أحمد صمّان، أستاذ الصحة المهنية والبيئية المشارك بقسم البيئة ونائب مدير مركز التميز البحثي للدراسات البيئية بجامعة الملك عبدالعزيز، خلال حديثه لـ “اليوم”، أن الطرح الذي تقدمه
منظمة العمل الدولية هذا العام يعكس نقلة نوعية في فهم بيئات العمل، حيث لم تعد مفاهيم مثل وضوح الأدوار الوظيفية، ودعم الإدارة، والعدالة الإجرائية مجرد أدوات تنظيمية، بل أصبحت تمثل خطوط دفاع أساسية للوقاية من المخاطر المهنية.
الضغوط تؤدي لضعف التركيز
وأضاف صمّان أن الدراسات الحديثة تشير إلى تصاعد تأثير المخاطر النفسية الاجتماعية، لتنافس بل وتتجاوز في بعض الأحيان المخاطر التقليدية مثل الضوضاء أو التعرض للمواد الكيميائية، موضحًا أن غموض الدور الوظيفي، وضعف الدعم الإداري، والشعور بعدم العدالة التنظيمية تمثل عوامل رئيسية تسهم في تسريع وتيرة الاحتراق الوظيفي، وتؤثر سلبًا على سلوكيات العاملين داخل بيئة العمل.
وأكد أن وضوح الدور المهني يمثل نقطة الانطلاق نحو بيئة عمل مستقرة، مشددًا على أن الموظف الذي يدرك مسؤولياته بدقة ويشعر بدعم إدارته، يكون أكثر قدرة على الإنتاج وأقل عرضة للغياب أو الوقوع في الأخطاء. وقال:“عندما يغيب هذا الوضوح، تبدأ مظاهر الخلل التنظيمي في الظهور، من تضارب المهام إلى ضعف التنسيق، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على كفاءة الأداء وسلامة العاملين”.
مراقبة أعباء العمل
وحذر صمّان من أن تجاهل هذه المنظومة يحولها من أدوات تنظيمية إلى عوامل خطر كامنة، لافتًا إلى أن البيئات التي تُهمّش فيها الشكاوى أو تغيب عنها العدالة الإدارية تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في مؤشرات الإجهاد النفسي، إلى جانب زيادة الحوادث المرتبطة بسوء التنسيق والإرهاق.
كما شدد على أهمية تبني إجراءات وقائية عملية تضمن استدامة بيئة العمل الصحية، من بينها إجراء تقييمات دورية للمخاطر النفسية الاجتماعية باستخدام أدوات علمية مثل الاستبيانات والمقابلات، وتطبيق سياسات إدارية عادلة وشفافة في الترقيات والتعامل مع الشكاوى، إلى جانب تدريب القيادات على مهارات التواصل الفعّال والدعم النفسي، ومراقبة أعباء العمل وإعادة توزيعها عند الحاجة.
وأوضح أن قياس أثر هذه الإجراءات يجب أن يتم عبر مؤشرات واضحة، مثل معدلات التغيب، وحجم الشكاوى، ونسب الحوادث المهنية، معتبرًا أن هذه البيانات تمثل أدوات حاسمة لصنّاع القرار في تقييم فعالية السياسات المتبعة.
واختتم صمّان حديثه بالتأكيد على أن التعامل مع العوامل النفسية الاجتماعية لم يعد خيارًا تنظيميًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة العمل الحديثة، مشددًا على أن إدماج هذه العوامل ضمن منظومة السلامة المهنية يسهم في بناء بيئات عمل أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة.