حذر أستاذ واستشاري غدد الصماء وسكري الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة البروفيسور عبدالمعين عيد الأغا، من التأثيرات المتزايدة للأجهزة الإلكترونية، وعلى رأسها الهاتف الذكي في تغيير نمط نوم الأطفال.
وبين أن ما نشهده اليوم لم يعد مجرد سلوك عابر بل تحوّل إلى ظاهرة صحية تستدعي الانتباه، فالاستخدام المطوّل للشاشات خاصة في ساعات المساء، يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية لدى الأطفال، حيث يتسبب الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات في تثبيط إفراز هرمون ”الميلاتونين“ المسؤول عن تنظيم النوم، مما يجعل الطفل أكثر يقظة في وقت يفترض أن يكون فيه مستعداً للنوم.
مخاطر صحية كبيرة
وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في مدة استخدام الأجهزة بل في توقيتها أيضاً، إذ إن انشغال الأطفال بمختلف الشرائح العمرية بالمحتوى الرقمي قبل النوم مباشرة يجعل الدماغ في حالة نشاط مستمر، وهو ما يؤخر الدخول في النوم العميق ويقلل من جودته، ومع تكرار هذا النمط يومياً تتراكم ساعات الحرمان من النوم بشكل تدريجي، دون أن تدرك الأسرة حجم الأثر الحقيقي لذلك.
وعن الانعكاسات الصحية بيّن د. الأغا أن عدم حصول الأطفال على ساعات نوم كافية وعميقة ينعكس سلباً على عدة جوانب منها ضعف التركيز والانتباه، وتراجع الأداء الدراسي، إضافة إلى زيادة التوتر والانفعالات السلوكية، كما أن قلة النوم ترتبط بضعف جهاز المناعة، مما يجعل الطفل أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، فضلاً عن تأثيرها على التوازن الهرموني في الجسم، وهو ما قد يؤدي على المدى البعيد إلى مشكلات صحية مثل زيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي.
تأثير الشاشات والسهر على النمو
وفيما يتعلق بالسهر وتأثيره على النمو، أوضح أن هرمون النمو يفرز بشكل أساسي خلال فترات النوم العميق، خصوصاً في الساعات الأولى من الليل، وبالتالي فإن السهر المتكرر أو النوم المتقطع يحرم الجسم من الاستفادة الكاملة من هذا الهرمون الحيوي، مما قد يؤثر على النمو الجسدي والتطور الطبيعي للأطفال، كما أن الأمر لا يقتصر على بلوغ الطول فقط، بل يشمل أيضاً بناء العضلات وصحة العظام ووظائف الدماغ.
وشدد د. الأغا على أن الأسرة تتحمل الدور الأكبر في تصحيح هذه السلوكيات من خلال وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، مثل تحديد أوقات معينة لا يسمح فيها باستخدام الشاشات، خصوصاً قبل النوم بساعة إلى ساعتين، والحرص على خلق بيئة نوم صحية، تتسم بالهدوء والإضاءة الخافتة والابتعاد عن المثيرات الرقمية، إلى جانب تشجيع الأطفال على ممارسة أنشطة بديلة مثل القراءة أو الحوار الأسري، ولا ننسى أن القدوة تلعب دوراً محورياً، إذ لا يمكن مطالبة الطفل بالابتعاد عن الهاتف في حين يرى والديه منشغلين به لساعات طويلة، فبناء عادات صحية يبدأ من داخل الأسرة، ويتطلب التزاماً جماعياً وليس توجيهات فردية فقط.
وخلص د. الأغا إلى القول:
“نمط الحياة الصحي للأطفال يجب أن يقوم على توازن واضح بين النشاط البدني، والتغذية السليمة، والنوم الكافي، مع تقنين استخدام التكنولوجيا بشكل صحي، فالخلاصة أن الجيل الحالي يعيش في بيئة رقمية لا يمكن عزلها، لكن يمكن توجيهها بالشكل الصحيح، بحيث تصبح وسيلة للتعلم والتطور، لا سبباً في الإخلال بصحة الأطفال ومستقبلهم”.