في منطقة الفاتح التاريخية بإسطنبول، يروي متحف بايزيد الثاني لثقافة الحمام التركي قصة تمتد عبر قرون من العادات الاجتماعية والطقوس اليومية في العصر العثماني. يضم المتحف 234 قطعة مسجلة في جردته الدائمة، تشمل أدوات تقليدية ومنسوجات وقطعا تراثية، يعود معظمها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى جانب عناصر أثرية أقدم.
من حمام عام إلى متحف ثقافي
يشغل المتحف مبنى حمام بايزيد الثاني العثماني الذي يعود تأسيسه إلى مطلع القرن السادس عشر. وفق الوثائق العثمانية، شُيّد الحمام بين عامي 1507 و1508 برعاية كلبهار خاتون، زوجة السلطان بايزيد الثاني، ليضم قسمين منفصلين للرجال والنساء. عُرف في السجلات باسم “الحمام الجديد” ثم اشتهر لاحقا باسم “الحمام الكبير” نظرا لمساحته التي تبلغ نحو ألفي متر مربع.
تعرض المبنى لأضرار جراء حريق كبير عام 1715، ثم رُمّم واستمر في أداء وظيفته حماما عاما حتى عام 1930. بعد ذلك انتقلت ملكيته إلى أفراد من القطاع الخاص وظل مهملا لفترة طويلة، حيث استُخدمت غرف تبديل الملابس ورشا للحدادة ومستودعات للجلود. عام 2000 انتقلت ملكية الحمام إلى جامعة إسطنبول وخضع لأعمال صيانة وترميم، قبل أن يُقرر تحويله إلى متحف عام 2013 ليفتتح رسميا في 26 مايو 2015.
مقتنيات تحكي تاريخ الحياة الاجتماعية
قالت يازغول طوران، مديرة المتحف، للأناضول إن المتحف استقبل أكثر من 106 آلاف زائر منذ افتتاحه، ويقدم خدماته مجانا للجمهور. وأضافت أن المجموعة الدائمة تشمل أوعية نحاسية ومعدنية للمياه، وأباريق وأدوات للاستحمام، ومناشف وأقمشة تقليدية تُلف حول الجسم، إلى جانب قباقيب خشبية تُعرف باسم “النعلين” كانت تُستخدم داخل الحمامات، وبعضها مزخرف بالفضة والخرز.
وتبرز أيضا أوعية خاصة ارتبطت بممارسات الاستحمام والعناية بالجسم، ومباخر وأمشاط مصنوعة من قرون الحيوانات والعاج، فضلا عن الصابون المصنوع من زيت الزيتون ومواد طبيعية لتنظيف الشعر والجسم مثل الطين. وأوضحت طوران أن الطين كان يؤدي وظيفة شبيهة بوظيفة الشامبو في الوقت الحاضر. بعض القطع تتميز بزخارف دقيقة، بينها أحجار نُقشت أسطحها بزخارف تشبه التطريز.
وأشارت إلى أن المقتنيات لا تعود فقط إلى العصر العثماني، بل تشمل عناصر معمارية أثرية تعود للعصر الروماني في القرن الثالث الميلادي، عُثر عليها داخل الحمام أو في محيطه، من بينها قطع حجرية أُعيد استخدامها في أساسات المبنى، إضافة إلى قطعة من قوس نصر روماني تُعرض قرب مدخل الزوار.
الحمام كمساحة للتواصل الاجتماعي
سلطت طوران الضوء على مكانة الحمام في ذلك العصر، قائلة إنه لم يكن مجرد مكان للاستحمام بل شكّل مساحة مهمة للتواصل الاجتماعي، خاصة بين النساء، كما أسهم في الحياة اليومية للمجتمع العثماني. لتعريف الأجيال الجديدة بهذا الإرث، ينظم المتحف أنشطة ومعارض وورش عمل، ويتعاون مع المدارس الابتدائية والإعدادية لتعريف الطلاب بتاريخ الحمام والعمارة العثمانية.
وأوضحت مديرة المتحف أن الطلاب يرسمون ما يشاهدونه خلال الزيارات، ثم تُعرض أعمالهم في المتحف في نهاية العام. وأشارت إلى أن المتحف يستقبل طلابا من مناطق مختلفة في المدينة، حيث يتم تعريفهم على ثقافة الحمام التركي، في إطار مشروع “مدارس صحية من أجل مستقبل صحي” الذي أُطلق عام 2019 بالتعاون بين ولاية إسطنبول ومديرية التعليم الوطني وجامعة إسطنبول.
واختتمت طوران حديثها قائلة: “بينما يحتفظ المبنى بملامح العمارة العثمانية التقليدية، تسعى إدارة المتحف إلى إبقاء ثقافة الحمام حاضرة في الذاكرة العامة، من خلال أدواتها وعاداتها وتفاصيلها اليومية التي توثق جانبا من تاريخ الحياة الاجتماعية في إسطنبول”.