تُعد العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر العلاقات الثنائية رسوخا في المنطقة، إذ تجمع البلدين روابط تاريخية واجتماعية عميقة، وحدود برية مشتركة، وعضوية مؤسِّسة في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وعلى امتداد العقود الماضية تحولت هذه الروابط إلى شراكة اقتصادية واسعة تشمل التجارة والاستثمار والطاقة والخدمات المالية والتقنية.
ويحظى هذا الملف بمتابعة دائمة لدى المستثمرين ورجال الأعمال في البلدين، لا سيما مع تسارع خطط التنويع الاقتصادي في الرياض وأبوظبي. وتتابع المنصات المتخصصة في اخبار ابو ظبي الاقتصادية مستجدات الاستثمارات المشتركة وحركة الشركات بين السوقين، بالتوازي مع ما تنشره وكالتا الأنباء الرسميتان في البلدين.
مجلس التنسيق السعودي الإماراتي: الإطار المؤسسي للشراكة
شكّل تأسيس مجلس التنسيق السعودي الإماراتي عام 2016 نقطة تحول في مسار العلاقات، إذ نقلها من مستوى التعاون التقليدي إلى إطار مؤسسي منظم يجمع الجهات الحكومية في البلدين حول رؤية مشتركة. وجاء تأسيس المجلس بموجب اتفاقية وُقعت في جدة، بهدف تعزيز التكامل في المجالات الاقتصادية والتنموية والعسكرية والسياسية.
وفي عام 2018 عقد المجلس اجتماعه الأول في جدة، حيث أُعلنت استراتيجية العزم، التي تضمنت حزمة من المشروعات والمبادرات المشتركة الموزعة على محاور اقتصادية وتنموية وعسكرية. وقد هدفت الاستراتيجية إلى بناء نموذج تكاملي استثنائي بين البلدين، يعزز رفاه المواطنين ويرسخ مكانة البلدين في الاقتصاد العالمي.
ويعمل المجلس من خلال لجان تنفيذية وفرق عمل متخصصة تتابع تنفيذ المبادرات في قطاعات مثل الخدمات الحكومية، والإسكان، والصناعة، والسياحة، والأسواق المالية، والأمن الغذائي. وتنشر وكالة الأنباء السعودية عبر موقعها واس ونظيرتها الإماراتية عبر وكالة أنباء الإمارات البيانات الرسمية المتعلقة باجتماعات المجلس ومخرجاته.
التجارة والاستثمار: سوقان متكاملان
تحتل الإمارات موقعا متقدما بين أكبر الشركاء التجاريين للمملكة، سواء على صعيد التبادل المباشر أو إعادة التصدير، كما تُعد المملكة من أهم الأسواق للشركات الإماراتية. ويستفيد التبادل التجاري من الاتحاد الجمركي الخليجي الذي يسمح بانتقال السلع الوطنية بين الدول الأعضاء دون رسوم جمركية، ومن المنفذ البري الذي يربط البلدين عبر منفذ البطحاء من الجانب السعودي ومنفذ الغويفات من الجانب الإماراتي، وهو شريان رئيسي لحركة الشاحنات والمسافرين.
وعلى صعيد الاستثمار، تنشط الشركات الإماراتية في السوق السعودية في قطاعات العقار والتجزئة والضيافة والخدمات اللوجستية والطاقة، فيما تتوسع الاستثمارات السعودية في الإمارات في مجالات متعددة. كما تشكل صناديق الثروة السيادية في البلدين لاعبا مؤثرا في الأسواق الإقليمية والعالمية، ما يفتح المجال أمام شراكات استثمارية في مشروعات كبرى.
وتلعب الروابط الجوية دورا محوريا في دعم هذه الحركة، إذ تربط رحلات يومية متعددة بين الرياض وجدة والدمام من جهة، وأبوظبي ودبي والشارقة من جهة أخرى، عبر الناقلات الوطنية والاقتصادية في البلدين. ويستفيد رجال الأعمال من قصر مدة الرحلات وكثافتها، ما يجعل التنقل بين العاصمتين أقرب إلى التنقل الداخلي. كما يسهم انتقال المواطنين بين البلدين بالهوية الوطنية في تيسير الزيارات العائلية والسياحية والتجارية، وهو ما ينعكس على قطاعات التجزئة والضيافة في الجانبين.
من عابر إلى الطاقة: نماذج من التعاون
من أبرز المبادرات النوعية التي شهدتها الشراكة مشروع عابر، الذي أطلقه البنك المركزي السعودي ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لاختبار إمكانية استخدام عملة رقمية مشتركة وتقنيات السجلات الموزعة في التسويات المالية بين البلدين. وقد شكّل المشروع تجربة بحثية رائدة في المنطقة في مجال التقنيات المالية الحديثة.
وفي قطاع الطاقة، يجمع البلدين تنسيق وثيق بوصفهما عضوين في منظمة أوبك وفي إطار تحالف أوبك بلس، إلى جانب اهتمام مشترك بالطاقة المتجددة والهيدروجين، في إطار مساعي التحول نحو مزيج طاقة أكثر تنوعا. ومن مجالات التعاون التي تبرز أيضا:
- تسهيل حركة المواطنين بين البلدين وتطوير إجراءات المنافذ.
- التكامل بين الأسواق المالية وتشجيع الإدراج والاستثمار المتبادل.
- التعاون في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
- تبادل الخبرات في التحول الرقمي للخدمات الحكومية.
- الشراكة في قطاعي السياحة والفعاليات الكبرى.
آفاق المرحلة المقبلة
تتجه الشراكة السعودية الإماراتية نحو مرحلة تتسع فيها مساحات التعاون في قطاعات المستقبل، مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة. ومع استعداد الرياض لاستضافة معرض إكسبو 2030، بعد التجربة التي قدمتها دبي في استضافة إكسبو 2020، تبرز فرص تبادل الخبرات في تنظيم الأحداث العالمية الكبرى وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها.
ولا يعني التكامل غياب التنافس، إذ يسعى كل بلد إلى جذب الاستثمارات والمقرات الإقليمية للشركات العالمية، غير أن متابعين يرون أن هذا التنافس يظل في إطار صحي يرفع مستوى بيئة الأعمال في المنطقة كلها. ويمكن للقارئ رصد انعكاسات ذلك على الاقتصاد المحلي عبر منصات اخبار السعودية اليوم التي تغطي قرارات الاستثمار وتنظيم الأسواق في المملكة.
وفي المحصلة، تمثل العلاقات الاقتصادية السعودية الإماراتية نموذجا للشراكة القائمة على مؤسسات راسخة ومصالح متبادلة، يدعمها تقارب تاريخي واجتماعي، وتتطلع إلى مستقبل يكون فيه البلدان معا محركا رئيسيا لنمو المنطقة واستقرارها. ويبقى الرهان الأكبر على تحويل المبادرات المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والمستثمر في البلدين على حد سواء.