الإنفاق على البحث والتطوير وتزايد طلبات براءات الاختراع
في إطار رؤية المملكة 2030، يتزايد التركيز على تحويل المعرفة العلمية إلى اختراعات ومنتجات وحلول عملية تسهم في تنويع الاقتصاد، وتنمية القدرات الوطنية، وتعزيز الاستقلالية التقنية للمملكة.
كان هناك مقال نُشر في صحيفة الجزيرة بتاريخ 4 يوليو 2023 تحت عنوان «هل تصبح المملكة ضمن أفضل 5 دول في براءات الاختراع؟!»، ويشير الكاتب إلى أن النقاش يجب أن يتجاوز مجرد عدّ براءات الاختراع ويتجه إلى سؤال أعمق: كيف يُحوَّل البحث العلمي والأفكار المبتكرة إلى تقنيات وطنية وصناعات تنافسية تُعزز الاقتصاد والأمن والقوة الوطنية؟
وفقًا للهيئة العامة للإحصاء، بلغ الإنفاق على البحث والتطوير في المملكة نحو 29.48 مليار ريال خلال عام 2024، ما يمثل زيادة قدرها 30.4% مقارنة بعام 2023، بينما وصل عدد العاملين في هذا المجال إلى 56.593 عاملاً.
أما في مجال الملكية الفكرية، فقد استقبلت المملكة 10.300 طلب لتسجيل براءة اختراع خلال عام 2025، بارتفاع يقارب 28% عن العام السابق، وفقًا للهيئة السعودية للملكية الفكرية.
من الفكرة إلى المنتج: مسار تحويل الابتكار
تشير هذه المؤشرات إلى نمو الاستثمار في المعرفة والابتكار بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030 نحو اقتصاد أكثر تنوعًا وتنافسية. ومع ذلك، لا يكفي مجرد زيادة الإنفاق وعدد الطلبات؛ بل يتعين ضمان انتقال نتائج البحث إلى تطبيقات عملية، وتطوير منتجات قابلة للتسويق، وتوطين التقنيات، وخلق فرص نوعية للمواطنين.
الابتكار لا يقتصر على الجامعات ومراكز البحث فقط؛ فقد تنشأ الفكرة لدى باحث أكاديمي، أو مخترع مستقل، أو مهندس يعمل في مصنع، أو فني في ورشة، أو حتى موظف يبحث عن طريقة أفضل لأداء عمله.
لتحويل الفكرة إلى واقع يلزم اتباع مسار واضح يبدأ بالتقييم العلمي والفني، ثم تطوير النموذج الأولي واختباره، وحماية الملكية الفكرية، وصولًا إلى التصنيع والتسويق. ويحتاج هذا المسار إلى تكامل بين الجامعات والمراكز البحثية والمخترعين الأفراد والشركات الصناعية والجهات الحكومية والجهات التمويلية.
تسهم الجامعات بتوفير المعرفة والخبرات والمختبرات، بينما يقدم المخترعون الأفكار، وتختبر الشركات قابلية تطبيق الابتكار وإنتاجه، وتعمل الجهات الحكومية على توفير البيئة التنظيمية والتمويلية المناسبة.
من الضروري تسهيل وصول المخترعين الأفراد إلى المختبرات ومرافق الاختبار والخبرات الهندسية، وتوفير برامج تمويل لمراحل تطوير الاختراعات، ووضع آليات واضحة لحماية حقوق المخترعين والمستثمرين. كما يجب تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث التطبيقي وربط احتياجاتها الصناعية بالقدرات البحثية المتاحة في الجامعات.
دور المؤسسات وبيئة الدعم في بناء ثقافة الابتكار
استنادًا إلى تجربة شخصية في أرامكو السعودية عام 1998، نفذت مبادرة في إحدى وحدات الإصلاح التابعة لقسم الظهران بإدارة خدمات الورش الصناعية. تمثلت الفكرة في إصدار مجلة من عشر صفحات، كل صفحة تحتوي على صورة الموظف صاحب الابتكار مع شرح لفكرة ومميزاتها.
كان الهدف إبراز جهود الموظفين وتعزيز شعورهم بالتقدير، وتحفيز زملائهم على تقديم أفكار جديدة. لاقت المبادرة استحسان مدير إدارة الورش آنذاك، الذي وجّه بتعميمها على الأقسام الأخرى.
نتج عن ذلك اقتراح العديد من الموظفين لطرق جديدة للإصلاح وتحسين العمل، وعرضها على مهندسي الإدارة لدراسة إمكانية تطبيقها. وفقًا لما شهدته، أسهمت الأفكار التي تم تطبيقها في تحقيق وفورات بلغت ملايين الريالات.
تؤكد هذه التجربة أن بناء ثقافة الابتكار قد يبدأ بخطوة بسيطة: الاستماع إلى الموظف، وتقدير جهده، ومنح فكرته فرصة للتقييم والتطبيق. كما أن الاعتراف بجهد المبتكر يحفز الآخرين على المشاركة، ويجعل التحسين مسؤولية مشتركة.
هذا درس مهم للمؤسسات الوطنية؛ فاستثمارها في الإنسان لا يقتصر على التدريب والتعليم فقط، بل يشمل اكتشاف المواهب العملية، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى العاملين، وتهيئة بيئة تشجعهم على التطوير والإبداع.
ولا يقتصر هذا النهج على تحسين العمليات اليومية فحسب، بل يمكن أن يمتد إلى تطوير تقنيات جديدة ذات أثر اقتصادي وبيئي واستراتيجي.