القرار الرسمي والتعاون مع كازاخستان
في أوائل سبتمبر، وافق مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية ووزارة الصناعة والبناء في كازاخستان، وتركز على التعاون في مجال الثروات المعدنية.
هذا الاتفاق يؤسس إطاراً رسمياً للعمل المشترك دون أن يعني استحواذاً على منجم كازاخستاني أو استثماراً بقيمة محددة، لكنه يفتح الباب أمام تبادل الخبرات، وتطوير الاستكشاف، والبحث عن شراكات في المعادن الحرجة، وربط الموارد بالمعالجة والتصنيع وسلاسل الإمداد، والتي تمثل القيمة الحقيقية في اقتصاد المعادن المعاصر.
اكتشاف احتياطي كبير من الخام في جبل صايد
يأتي هذا القرار بعد يوم واحد فقط من إفصاح سعودي مهم، ففي 14 سبتمبر أعلنت المملكة عن موارد تقديرية بنحو 110 إلى 114 مليون طن من الخام في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة، وتحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، خاصة الثقيلة، بالإضافة إلى مستويات واعدة من اليورانيوم.
لم تعلن السعودية عن “كنز جاهز للبيع” بل عن قاعدة جيولوجية يمكن أن تتحول، بالاستثمار والتقنية والتنظيم، إلى صناعة متكاملة.
الأبعاد الاقتصادية والآفاق المستقبلية
المسار المعلن لليورانيوم يمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج الكعكة الصفراء، كما تعمل على استرداد اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج من صناعة الأسمدة، حيث تصنف التغطيات المتخصصة السعودية ثاني أكبر مصدر عالمي لأسمدة الفوسفات، وهناك مبادرات لمسح الغطاء الرسوبي بحثاً عن خامات يورانيوم إضافية من المصادر التقليدية.
هذا النهج يغير المعادلة الاقتصادية، فالقيمة لا تحدد بكمية الخام فقط بل بنسبة ما تستطيع المملكة إبقاءه داخل اقتصادها من أعمال هندسية، وخدمات جيولوجية، وتقنيات فصل، ومراكز أبحاث، ومصانع تحويل، ووظائف عالية المهارة؛ كل طن لا يُصدّر في صورته الأولية يمكن أن يصبح سلسلة من القيمة المضافة، وكل شراكة تقنية ناجحة تقلل الاعتماد على الخارج في مرحلة حساسة من دورة المعادن.
كازاخستان تظهر كشريك منطقي نظراً لقاعدتها المعدنية الواسعة وخبرتها الطويلة في التعدين، بينما تتمتع السعودية بطاقة تنافسية، وبنية تحتية متقدمة، وموقعاً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وقدرة متنامية على تمويل المشروعات الصناعية الكبرى؛ الجمع بين هذه المزايا قد يخلق ممراً اقتصادياً للمعادن يبدأ من الاستكشاف ولا ينتهي عند المنجم، بل يصل إلى المعالجة والتصنيع والتجارة العالمية.
لتحويل هذا الإطار إلى مشروعات فعلية سيحتاج إلى دراسات جدوى، واتفاقات تنفيذية، وتخصيصات استثمارية تُعلن في حينها.
وقد لفتت المنصات العالمية الانتباه إلى التحرك السعودي؛ فقد أبرزت “رويترز” في 14 سبتمبر حجم الخام المحتوي على تركيزات من اليورانيوم في المدينة المنورة، ووسعت “ذا ناشونال” زاوية التغطية لربط الاكتشاف بمسار الطاقة النووية والشراكات الصناعية، بينما عرضت النسخة الإنجليزية من “الشرق الأوسط” المسارات الثلاثة لاستكشاف الموارد وبناء سلسلة قيمة محلية.
قرار مجلس الوزراء في 15 سبتمبر أكدته وكالة الأنباء السعودية ونقلته منصات اقتصادية عربية، ويكمن دلالته العالمية في تحويل الطموح المعدني من خطاب استراتيجي إلى شبكة تعاون مؤسسية قابلة للبناء.
الأهم أن السعودية لا تسعى إلى بديل للنفط بل إلى توسيع تعريف القوة الاقتصادية؛ فبينما منح النفط المملكة وزناً في أسواق الطاقة، قد تمنحها المعادن الحرجة واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة وزناً جديداً في التكنولوجيا والصناعة وأمن الإمدادات.
وبين إعلان جيولوجي في 14 سبتمبر وقرار تعاون دولي في 15 سبتمبر، ترسم الرياض ملامح اقتصاد يدرك أن الثروة لا تكمن فقط فيما تحت الأرض، بل أيضاً فيما تستطيع العقول والمؤسسات تحويله إلى معرفة وصناعة وتأثير.
هذا هو الفصل الجديد الذي يفتحه الأمير محمد بن سلمان: السعودية لا تكتفي بأن تكون أرضاً غنية بالموارد، بل تسعى إلى أن تصبح منصة عالمية تلتقي فيها الجيولوجيا برأس المال، والتقنية بالسياسة، والطموح الصناعي بحسابات الاقتصاد الدولي؛ بعيداً عن المبالغة، إنها قراءة هادئة لبلد بدأ يتعامل مع باطن الأرض باعتباره نقطة انطلاق، لا نقطة نهاية。