انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

إعادة النظر في مفهوم النصر في عصر الحروب غير المتكافئة

إعادة النظر في مفهوم النصر في عصر الحروب غير المتكافئة

الحرب في ظل اللاتماثل

يؤكد كثير من الخبراء الاستراتيجيين أن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). يمر العالم بمرحلة انتقالية بين نظام عالمي لم يعد ناجعاً وعالم منتظر ما زال في طور التبلور؛ لا مرجعية فيه سوى فوهة البندقية. غابت الدبلوماسية التقليدية، وأصبحت الحرب الإعلامية تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعلية في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقية. تبّدلّت نظريات النصر، فهل يُقاس النصر بنسبة ما حقّق العدو من أهدافه المعلنة؟ أم يُقاس بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

نظرية النصر الجديد والإعاقة الاستراتيجية

في هذا العالم أصبح «المعطّل» (Disruptor) يتحكم بديناميكية العلاقات الدولية وحركيتها. العالم مترابط «رقمياً» إلى حد الذوبان، لكنه مفترق فعلياً على مستوى العلاقات بين الدول وعلى مستوى سلاسل التوريد. يتساءل المحللون عن معنى ميزان القوى عندما تتكون عناصر قوة الدولة من القوة العسكرية، الاقتصادية، السياسية والتكنولوجية، بينما تصبح تكلفة الحرب منخفضة جداً بحيث يسمح للاعب خارج الدولة بالحصول على تكنولوجيا ذات استعمال مزدوج (Dual use) وتحويلها إلى سلاح فتاك عند الحاجة.

انطلاقاً من ذلك يطرح سؤال عن فن الحرب في عالم اليوم وكيف يُطبق. يذكر المفكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد» أن العالم الغربي بات بحاجة إلى فن حرب جديد بعد أن كشف باقي العالم (المستعمر) أسرار هذا الفن ووسائله. بدلاً من النصر المطلق الذي ما زال الغرب يعتمده، يقوم فن الحرب الجديد على تعطيل نظام الخصم، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة وغير متماثلة. هذه المعادلة تنطبق أكثر على الفريق الأضعف في الحرب؛ أما الأقوى فلا يزال يعتمد على استعمال القوة المفرطة حتى تصل إلى أقصى حدّها، لتنتقل الحرب بعدها، إن صمد الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة لا يستطيع الأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

التحول الجيوسياسي من الهارتلاند إلى الريملاند

كتب الصحافي البريطاني جانان غانيش في «فاينانشال تايمز» مقالاً بعنوان «قرن الانسداد» أشار فيه إلى أن الانسداد هو سيد الموقف في عالم اليوم حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا، وأمريكا حائرة ماذا تفعل في الخليج، بينما تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم استراتيجيتها المستقبلية تجاه تايوان. الفكرة الأساسية في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين كان الاستنتاج أن الاستقرار ينتج من انتصار فريق على آخر كما حدث في الحرب العالمية الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم في القرن الحادي والعشرين قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأطراف بالواقع والتعايش معه وكأنه الحالة الطبيعية. يذكّر ذلك بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة، وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. هناك جهود اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وبشكل خاص ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرته عليه.

تطرح هذه الخلفية تساؤلات حول كيف يفكر theorists الجيوسياسيون اليوم في النظريات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعية. هل لا تزال نظرية البريطاني هالفورد ماكندر حول أهمية السهل الأوراسي (Hartland) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا التي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتي ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسي. حالياً يعاني الريملاند، المفترض أن يشكّل خط احتواء للصين بعد أن كان خط احتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه يتوطد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدلاً من السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدد نحو أوروبا الشرقية للسيطرة على السهل الأوراسي. فهل بدأ التحول ليكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقية عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسية التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسيع حلف «ناتو» أو بالحرب الروسية على أوكرانيا. لكن ماذا لو فُتح طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث يصبح سالكاً على مدار السنة؟ هل ستستمر النظريات الجيوسياسية الغربية القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذرية لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسي؟

تغيّر طبيعة الحرب والعسكرية في العصر الرقمي

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدثون عن ثلاثة مستويات للحرب: الاستراتيجية، التشغيلية، والتكتيكية. في هذه المعادلة اعتادت الجيوش على وضع الاستراتيجيات وتمريرها إلى المستوى التكتيكي عبر المستوى التشغيلي لتُختبر ميدانياً. بعد الاختبار لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تستغرق وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتالية. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال؛ يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المبرمج (Coder). وبذلك تقلصت الدورة إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل توماس كون فهمنا لتاريخ العلوم؛ فقد نظّر حول مفهوم الثورات العلمية ونقد الفهم القديم التراكمي والتدريجي في التطور العلمي. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هو حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلمية القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. العقيدة العسكرية القتالية ترتكز عادة على الوسائل المتوفّرة؛ وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكرية مع هذا التحوّل. ومن يهمل هذا التحوّل العلمي سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركي. في عالم اليوم انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكرية. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفكر الأميركي ستيفن بيتر روزن. وبذلك تحوّل كل إنجاز إلى استعمال مزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفترض أن يسهم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في الطائرة الانتحارية. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدولية التي من المفترض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضرية (Urban) المسرح الأساسي للحرب. هكذا الحال في قطاع غزة وكذلك في لبنان؛ ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريين.

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافية (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكرية. فما ينجح في مكان معين يأخذه مكان آخر، يدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام يمكن القول إن كل هذه التحولات إنما تحصل على حساب الدولة‑الأمة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسية، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المعطّل» واللاعب «اللادولتي» إلى مجال العلاقات الدولية على حساب الدولة‑الأمة، أو بصفته شريكاً لها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني

للنشر و الاعلان