تدرس حكومات أوروبية فرض ضريبة خاصة على الأرباح التي تحققها شركات الطاقة، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية للارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز بعد وصول أسعار الوقود إلى مستويات قياسية في عدد من دول الاتحاد.
دعوات لفرض ضريبة على أرباح الطاقة
في اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي بالعاصمة الأيرلندية دبلن (الجمعة)، دعا وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل المفوضية الأوروبية إلى تقديم مقترحات بشأن آليات لفرض ضرائب على ما وصفه بـ«الأرباح المفرطة» لشركات النفط، مشيرًا إلى أن عدة دول أعضاء تطالب منذ فترة بوضع نماذج ضريبية للتعامل مع هذه الأرباح، وطلب من المفوضية تقديم المقترحات بحلول اجتماع وزراء المالية القادم في أكتوبر.
ارتفاع أسعار الوقود وتأثيره على المستهلكين
تزامنًا مع هذه الدعوات، ارتفعت أسعار النفط العالمية مرة أخرى فوق مستوى 100 دولار للبرميل، لتصبح أعلى بنحو 50 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب مع إيران، وسط تصاعد الهجمات في منطقة الشرق الأوسط ومخاطر إضافية على طرق إمدادات الطاقة. تشير أسواق المشتقات إلى أن المتعاملين لا يتوقعون تراجعًا سريعًا في الأسعار خلال الفترة القريبة.
انعكس هذا الارتفاع مباشرة على محطات الوقود الأوروبية، حيث سجلت أسعار البنزين والديزل مستويات قياسية في عدة دول. في ألمانيا بلغ متوسط سعر الديزل 2.45 يورو للتر (الأربعاء) بينما وصل سعر البنزين إلى 2.31 يورو وفق بيانات أكبر اتحاد للسيارات في أوروبا. وفي هولندا تجاوز سعر البنزين الرقم القياسي السابق ليصل إلى 2.73 يورو للتر، وبلغ متوسط سعر الديزل 2.78 يورو. كما سجلت أسعار البنزين مستويات أعلى في الدنمارك، وارتفعت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في فنلندا.
على مستوى الاتحاد الأوروبي، ارتفعت أسعار البنزين بنحو 24 بالمئة مقارنة بالعام السابق، بينما زادت أسعار الديزل بنسبة 38 بالمئة، وقفزت تكلفة وقود الطائرات بأكثر من 100 بالمئة. بلغ سعر الغاز القياسي نحو 81 يورو لكل ميجاواط/ساعة، بزيادة تقارب 150 بالمئة عن مستواه قبل عام، مع توقعات بأن يصل إلى 100 يورو.
إجراءات حكومية لتخفيف العبء
رغم الضغوط المتزايدة، لم تتبنَّ المفوضية الأوروبية حتى الآن خطة لفرض ضريبة موحدة على شركات الطاقة في جميع دول الاتحاد. قال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس إن المفوضية لا تعتزم في الوقت الحالي إطلاق آلية ضريبية على مستوى الاتحاد، لكنها مستعدة للدخول في نقاش حول المقترح، مشيرًا إلى أن الدول الأعضاء تملك حق فرض ضرائبها الخاصة.
في إيطاليا، أعلنت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلغاء ضريبة الطرق لنحو 14.5 مليون سيارة ودراجة نارية اعتبارًا من العام القادم، بتكلفة تتجاوز ملياري يورو، بالإضافة إلى خفض سابق لضريبة الديزل بلغت تكلفته نحو 2.8 مليار يورو. أوضحت ميلوني أن الحكومة اختارت توجيه جزء من الموارد المستخدمة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود إلى إجراء يستهدف الأشخاص الذين يعتمدون يوميًا على السيارات والدراجات النارية في الذهاب إلى العمل والتنقل ونقل أطفالهم.
في فرنسا، طالب الرئيس إيمانويل ماكرون الحكومة بـ«التعبئة الكاملة» للتعامل مع إمدادات الوقود وأسعاره، بما في ذلك العمل على تأمين إمدادات دولية والسعي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بصورة سلمية. شهد البلد أيضًا احتجاجات على ارتفاع أسعار الديزل، إذ أغلق صيادون فرنسيون (الخميس) مداخل ميناءين ومستودع وقود في جنوب البلاد. وبعد مفاوضات استمرت ست ساعات، وافق الصيادون على إنهاء عمليات الإغلاق مقابل وعود بتقديم قروض دون فوائد لمن يواجهون مشكلات في السيولة، وربط بعض إجراءات الدعم بتغيرات أسعار الوقود. كما مددت الحكومة الفرنسية دعم الوقود الطارئ حتى نهاية العام لقطاعات الزراعة والصيد والبناء.
في ألمانيا، أعلنت الحكومة خفض الضرائب على البنزين والديزل بنحو 0.17 يورو للتر اعتبارًا من الأول من أكتوبر وحتى نهاية العام، ضمن حزمة تخفيف تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 2.5 مليار يورو. كما تعتزم الحكومة إجراء محادثات مع شركات النفط بهدف التوصل إلى آلية للحد من أسعار الوقود، على أن يبدأ تطبيق سقف للأسعار، في حال الاتفاق عليه، بحلول الأول من يناير 2027 على أقصى تقدير. قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن الأشخاص الذين يعتمدون على سياراتهم يوميًا «يصلون إلى نقطة الانهيار»، مؤكدًا أن الحكومة تريد مساعدة المواطنين والشركات في مواجهة أزمة الأسعار.
في إسبانيا، ضاعفت الحكومة في أغسطس خصم ضريبة الديزل إلى 0.20 يورو للتر اعتبارًا من الأول من سبتمبر، بعد ارتفاع أسعار الديزل بنسبة 15.7 بالمئة خلال يوليو.
تظهر هذه الإجراءات اختلافًا في استراتيجيات الحكومات الأوروبية للتعامل مع أزمة الطاقة، بين خفض الضرائب ودعم المستهلكين، وفرض قيود محتملة على الأسعار، إلى جانب المقترح الألماني بفرض ضريبة استثنائية على الأرباح المرتفعة لشركات الطاقة. في الوقت نفسه، لا تزال فكرة فرض ضريبة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي قيد النقاش، دون قرار نهائي حتى الآن بشأن اعتمادها.