بعد مرور أسبوعين على وصوله إلى الأراضي التركية، حظي النجم المصري محمد صلاح باستقبال استثنائي عقب انضمامه إلى نادي طرابزون سبور. ولم يقتصر أثر هذه الخطوة على الأجواء الرياضية فحسب، بل امتد سريعاً إلى شوارع القاهرة القديمة، حيث بات قميص صلاح الجديد الذي يرتديه في فريقه التركي يزيّن واجهات المحال التجارية في سوق خان الخليلي التاريخي.
ظهور سريع لقميص صلاح في قلب القاهرة الفاطمية
يقع خان الخليلي في قلب القاهرة الفاطمية، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1382 ميلادياً، وهو أحد أبرز الأسواق التراثية التي تجذب الزوار من مختلف الجنسيات إضافة إلى المصريين. وإلى جانب المشغولات اليدوية والتحف القديمة، برز قميص صلاح الجديد مطبوعاً عليه اسمه ورقم 10، مترافقاً دوماً مع قميصه في منتخب مصر، إذ يحرص التجار على عرضهما معاً في معظم العروض.
وكان نادي طرابزون سبور التركي قد أعلن في 6 أغسطس/ آب تعاقده مع صلاح لموسمين في صفقة انتقال حر، بعد أن فسخ اللاعب عقده بالتراضي مع نادي ليفربول الإنجليزي. ومنذ ذلك الحين، يلفت القميص الجديد أنظار المارة في زوايا مختلفة من خان الخليلي، في مؤشر يعتبره كثير من المصريين دليلاً على تنامي العلاقات بين مصر وتركيا وشعبيهما.
يقول صلاح عبد المجيد، صاحب أحد المتاجر في السوق: «خان الخليلي سوق كبيرة يأتي لها كبار الزوار مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي زارها برفقة الرئيس عبد الفتاح السيسي». وعن سرعة ظهور القميص، يضيف: «نحن سعداء أن صلاح ذهب لتركيا، ونحن نحب الشعب التركي لأن عاداتهم مثلنا وهم متمسكون بدينهم، نحن مثلهم نحب صلاح ونحب أن يكون في تركيا».
وأمام هذا المتجر، ظهر أحد محبي صلاح بتلقائية وأصر على ارتداء قميص طرابزون سبور أمام عدسة الأناضول، معبراً عن سعادته قائلاً: «أنا سعيد أن صلاح ذهب لطرابزون.. وفقه الله في تركيا». ويباع القميص بنحو 400 إلى 500 جنيه (ما بين 8 و10 دولارات)، وفق ما ذكره الباعة في خان الخليلي.
القوة الناعمة وجسور التقارب بين البلدين
أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق يرى في حديثه للأناضول أن الانتشار السريع لقميص صلاح الجديد يعكس أبعاداً أوسع. ويقول: «محمد صلاح والموسيقى والأكل والغناء في مصر؛ جميعها تندرج تحت مسمى القوة الناعمة، وباتت جزءاً أساسياً من تقارب البلدين والشعبين».
ويستشهد صادق بلقاء وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بنظيره المصري بدر عبد العاطي في القاهرة قبل أيام، حيث جرى التطرق إلى اسم محمد صلاح خلال المؤتمر الصحفي المشترك، مؤكداً أن هذا يعكس مدى قرب البلدين والشعبين انطلاقاً من زخم الاحتفاء بالنجم المصري.
ويوضح صادق أن كرة القدم «تتمتع بشعبية هائلة في العالم أجمع، وفي منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، حيث يسود شغف كبير بمتابعة الفرق والنجوم». ويتابع: «المصريون يعشقون محمد صلاح، وحتى أولئك الذين لا يتابعون المباريات بانتظام يحرصون على متابعة أخباره، لذا فمن الطبيعي جداً أن يمتد هذا الشغف ليصل إلى تجارة القمصان والمقتنيات الرياضية».
وعن سرعة توافر قميص النادي التركي في الأسواق المصرية، يشير صادق إلى أن التجار في مصر «يمتلكون مرونة كبيرة في مواكبة الأحداث الرياضية والموسيقية». ويضيف: «بالطبع قميص صلاح سيجد انتشاراً أكبر وسيكون في خان الخليلي وأي متاجر تريد أن تربح في ظل شعبيته الجارفة، بخلاف أنه يقوي علاقات الشعبين التركي والمصري والتعرف أكثر على ثقافات البلدين».
أبعاد تتجاوز الرياضة: مسارات سياسية وتجارية واجتماعية
من جانبه، يقول الخبير في الشؤون التركية كرم سعيد إن الاهتمام المتزايد بمحمد صلاح منذ انتقاله إلى تركيا «يعكس أبعاداً تتجاوز الجانب الرياضي لتشمل مسارات سياسية وتجارية واجتماعية». ويوضح أن صلاح «منذ ذهابه إلى تركيا برزت رغبة مشتركة من الطرفين المصري والتركي رسمياً وشعبياً للاستفادة من النجم كقوة ناعمة لتعزيز التقارب بين البلدين، والعلاقات الشعبية بشكل أوسع».
ويضيف سعيد: «رأينا في السوق المصرية سرعة كبيرة في طباعة القمصان وظهورها في المتاجر، وكذلك في تركيا هناك اهتمام كبير بصلاح منذ الزخم الشعبي والاستقبال الحافل». ويعتقد أن «هذه الحالة التي نراها ستزيد مع الوقت، خاصة وأن هناك رضا ودعم مؤسسي من البلدين».
ويقارن الخبير بين وضع صلاح الحالي ووضعه خلال فترات سابقة في تشيلسي أو ليفربول، حيث كان الانتشار واسعاً حينها، لكنه يستدرك: «لكن صلاح لم يحظ بهذا الحديث الرسمي السياسي والدبلوماسي كما يحدث اليوم مع انتقاله لتركيا، مما يؤكد أن هناك رغبة رسمية لتعزيز العلاقات السياسية ودعم الروابط الشعبية بين مصر وتركيا بصورة غير مسبوقة عما قبل».
قصص إبهار تتواصل: استقبال أسطوري في تركيا
بخلاف الظهور السريع لقميص طرابزون سبور في مصر، حمل الاستقبال الحافل في تركيا صوراً كثيرة احتفى بها عرب ومصريون على منصات التواصل. ونشر طرابزون سبور على منصة «إكس» الأمريكية فيديو تقوم فكرته على أن سيدة مسنة من منطقة البحر الأسود ترى في منامها انضمام صلاح إلى النادي، قبل أن تستقبله في منزلها على مائدة أعدتها خصيصاً له. وظهرت السيدة وهي تقدم الطعام لصلاح بيديها، في مشهد ركز عليه كثير من المتابعين بوصفه تعبيراً عن الترحيب بالنجم المصري وكأنه فرد من الأسرة.