تتصاعد المنافسة الدبلوماسية حول جزيرة غرينلاند، التي تُعدّ الأكبر والأغنى من حيث الموارد الطبيعية والمعادن النادرة، بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فقد أظهرت التقارير الأخيرة التي قدمتها هيئة الدراسات الاستراتيجية في الاتحاد إلى المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، في أواخر الشهر الماضي، أن أوروبا تسعى لتعزيز تعاونها مع الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك، معتبرةً إياها نقطة استراتيجية حيوية بفضل مخزونها الضخم من المواد الأولية والطاقة وموقعها الجغرافي.
الزيارة الأوروبية الأخيرة إلى غرينلاند
تجسدت الخطوة الأخيرة للاتحاد الأوروبي في زيارة مفوض الشراكات الدولية، جوزف سيكيلا، إلى غرينلاند، حيث يشارك في منتدى دولي تنظمه الدنمارك بالتعاون مع المفوضية الأوروبية لبحث فرص الاستثمار الكبيرة في الجزيرة. تأتي هذه الزيارة متزامنةً مع حضور الموفد الأمريكي جيف لاندري وافتتاح قنصلية أمريكية جديدة على الأرض الغرينلاندية.
زيادة الدعم المالي الأوروبي للجزيرة
أعلن الاتحاد الأوروبي عن مضاعفة مساعداته المالية إلى غرينلاند، حتى أصبحت تمثل نحو نصف الدعم الموجه إلى جميع الأقاليم الخارجية للاتحاد. وأعرب المسؤولون الأوروبيون عن استعدادهم لتخصيص موارد مالية إضافية ردًا على ما وصفوه بـ«التهديدات الأمريكية بالاستحواذ على الجزيرة».
المفاوضات الأمريكية لإنشاء قواعد عسكرية جديدة
في الوقت ذاته، تجري الولايات المتحدة مفاوضات مع الحكومة الدنماركية والحكومة المحلية في غرينلاند لإنشاء ثلاثة قواعد عسكرية جديدة، بالإضافة إلى القاعدة القائمة منذ بداية الحرب الباردة. وتطالب واشنطن بسيادة كاملة على الأراضي التي ستُبنى عليها القواعد، إضافة إلى حق «الفيتو» على الاستثمارات الصينية والروسية، وطلب معاملة تفضيلية في استغلال الموارد الطبيعية للجزيرة.
تحذيرات أوروبا من تصاعد التوتر
يعبر مسؤول أوروبي عن مخاوفه من أن يتحول ملف غرينلاند إلى أحد أكثر الملفات سخونة في العلاقات مع واشنطن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة، بعد أن تراجعت عن التهديد بالاستيلاء بالقوة، كثفت جهودها السياسية والتجارية لتوسيع نفوذها. وقال المسؤول: «أوضحت واشنطن أنها لن تدخر جهداً لبسط سيطرتها على الجزيرة، وهذا يُعد هجوماً مباشراً على أوروبا، ولا نعرف بعد كيف سيكون الرد إذا تحقق ذلك».
يؤكد خبراء الاتحاد أن غرينلاند أصبحت مسرحًا رئيسيًا للتنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، وأنها قد تشكل في المستقبل القريب التحدي الأكبر للجهود الأوروبية الرامية إلى تعزيز القدرات العسكرية المشتركة كقوة رادعة أمام أي تهديد خارجي.
تاريخ العلاقة بين غرينلاند وأوروبا
منذ انضمام الدنمارك إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1973، ظلت غرينلاند موضوعًا هامشيًا على الأجندة الأوروبية، مثل باقي الجزر والأراضي النائية. لكن عام 1985 خرجت الجزيرة من «النادي الأوروبي» بعد استفتاء انعكس فيه رفض سياسات الصيد البحري الأوروبية التي فتحت مياهها أمام أساطيل الدول الأعضاء، ما أثار شعورًا بفقدان السيطرة على مواردها الطبيعية.
مع تصاعد الصراع الجيوسياسي حول القطب المتجمد الشمالي وتنافس الولايات المتحدة مع الصين وروسيا في المنطقة، استعادت أوروبا اهتمامها السياسي والاستراتيجي بالجزيرة، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي التي أكدت أن غرينلاند حيوية لأمن الولايات المتحدة القومي.
تحولت غرينلاند إلى عنصر استراتيجي مباشر بالنسبة للدنمارك والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وعلاقات واشنطن‑بروكسل، حتى بدأ البعض يتحدث عن «أوربة غرينلاند».
الجهود الدبلوماسية الأوروبية المتواصلة
تجلى ذلك في زيارة المفوضية الأوروبية الحالية إلى الجزيرة، مصحوبة بعشرات السفراء ورجال الأعمال وممثلي الشركات الكبرى، ما يدل على أن غرينلاند أصبحت بندًا أساسيًا في الأجندة الدبلوماسية الأوروبية.
زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجزيرة في مطلع الصيف الماضي، بعد زيارة سابقة لرئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين عقب انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية. ومن المقرر أن تعود فون دير لاين للزيارة مرة أخرى قبل نهاية العام الحالي، حاملةً حزمة من المساعدات ومشروعات استثمارية طموحة، وفقًا لمصدر في المفوضية.
تحذيرات من تحول الجزيرة إلى ورقة استراتيجية
يحذر دبلوماسي أوروبي مخضرم، تابع ملف غرينلاند منذ بدايته، من أن تصبح الجزيرة ورقة استراتيجية في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. ويؤكد أن على أوروبا تركيز جهودها لجعل علاقتها بغرينلاند أكثر جاذبية عبر توسيع فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي، خاصةً مع توجه القطب الشمالي لأن يصبح ساحة اقتصادية وجيوسياسية تتنافس عليها الدول الكبرى.
يضيف الدبلوماسي أن تراجع «المظلة الدفاعية» الأمريكية عن أوروبا، إلى جانب تزايد اهتمام الصين وروسيا بالقطب الشمالي وموارده، قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة جذرية لعلاقته بالجزيرة ومضاعفة استثماراته فيها.