تُظهر المقترحات الأخيرة التي تُسلّط الضوء على الجغرافيا الإستراتيجية لسوريا جانباً مهماً، لكنه يغفل عن حقيقة أقل جاذبية: أن شبكات الأنابيب التي تعبر البلاد أصبحت مراراً وتكراراً ساحةً للصراع السياسي والعمليات العسكرية وأعمال التخريب.
الأنابيب كأصول اقتصادية وأضعف نقاط الإستراتيجية
تُظهر السجلات أن خطوط الأنابيب التي تمر عبر الأراضي السورية لا تُعدّ مجرد موارد تجارية، بل تُعتبر أيضاً نقاط ضعف يمكن استغلالها في الصراعات. يتجلى هذا بوضوح في المشاريع المقترحة لإعادة إحياء خط أنابيب النفط بين كركوك وبانياس، وكذلك بناء خط أنابيب غاز يربط قطر بتركيا. كلا المشروعين سيعبران مساحات شاسعة من المناطق القليلة الكثافة السكانية، التي لا تزال تنشط فيها خلايا «تنظيم داعش» والميليشيات الشيعية المدعومة من طهران.
علاوة على ذلك، تتجاهل كثير من هذه الخطط جانباً تجارياً أساسياً: أن أكبر وأسريع أسواق الطاقة الخليجية هي آسيا، وليس أوروبا، ما يقلل من جاذبية سوريا كممر تصدير رئيسي.
تاريخ الصراعات على خطوط الأنابيب السورية
منذ فجر تاريخ سوريا السياسي، لعبت خطوط الأنابيب الإقليمية دوراً غير متوقع لكنه مؤثر. على سبيل المثال، كان خط الأنابيب العابر للجزيرة العربية (تابلاين) المدعوم من الولايات المتحدة، والذي صُمم لنقل النفط إلى البحر الأبيض المتوسط، من بين العوامل التي ساهمت في أول انقلاب سياسي في البلاد. بعد حصول سوريا على استقلالها في عام 1946، عارض الرئيس شكري القوتلي مرور الخط عبر مرتفعات الجولان، معتبرًا ذلك انتهاكاً للسيادة. وفي مارس 1949، أطاح الضابط حسني الزعيم بالقوتلي ووافق على إنشاء الخط، ثم أُطيح به هو نفسه بعد أشهر قليلة، ما أضاف إلى سجل البلاد من الاضطرابات المتكررة.
استمرت المخاطر على مسارات الأنابيب مع اندلاع الصراعات الإقليمية في العقود التالية. خلال أزمة السويس عام 1956، استهدفت القوات الإسرائيلية محطات الضخ على طول خط كركوك-بانياس. وفي عام 1982، أغلق الرئيس حافظ الأسد الخط نتيجة تحالفه مع طهران ضد صدام حسين خلال الحرب الإيرانية‑العراقية. عاد الخط إلى الظهور لاحقاً بعد ترتيب سري بين بشار الأسد وصدام حسين سمح للنفط العراقي بالمرور عبر سوريا بالرغم من العقوبات الدولية المفروضة على بغداد. لكن القوات الأمريكية قصفت البنية التحتية للخط خلال غزو العراق عام 2003، ما أنهى عملياته عملياً.
تدمير البنية التحتية خلال الحرب الأهلية
أدت الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 2011 إلى تدمير كبير ما تبقى من شبكة نقل الطاقة في سوريا. استهدف «تنظيم الدولة الإسلامية» وجماعات مسلحة أخرى بنظامية البنى التحتية للنفط والغاز، لتصبح الأنابيب ومحطات الضخ ومرافق التصدير أهدافاً عسكرية ومصادر دخل ورموزاً لسلطة الدولة. عقب انهيار النظام في عام 2024، كان جزء كبير من هذه الشبكة متضرراً أو مسلوباً أو غير قادر على التشغيل.
الدروس المستفادة
يتضح من هذه الوقائع أن خطوط الأنابيب التي تعبر سوريا نادرًا ما تكون معزولة عن الأزمات المحلية أو الإقليمية؛ بل غالباً ما تتحول إلى ضحايا مباشرة للصراعات السياسية والعسكرية. يبقى هذا الواقع تحدياً أمام أي مشروع طموح يهدف إلى استغلال الموقع الجغرافي السوري كقناة لتصدير الطاقة.