انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

جدل في تونس حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم بين الإصلاح والاستشارية

جدل في تونس حول المجلس الأعلى للتربية والتعليم بين الإصلاح والاستشارية

أثار الكشف عن تشكيلة المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس عبر الجريدة الرسمية مؤخراً نقاشاً واسعاً بين أوساط أكاديمية ونقابية وسياسية، حول مدى قدرته على معالجة أزمة التعليم العمومي.

يُعد هذا المجلس مشروعاً استراتيجياً قديماً أعيد إحياؤه وتفعيله قانونياً ودستورياً، بهدف إنقاذ المنظومة التعليمية التي تعاني من تردٍّ مزمن.

خلفية تاريخية وتطورات تشريعية

عرفت تونس عبر عقود عدة صيغاً متنوعة للمجالس التعليمية، أبرزها “المجلس الأعلى للتربية والثقافة” الذي تأسس في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكنه ظل هيئة استشارية صورية تجتمع بشكل متقطع دون صلاحيات فعلية، وخاضعة بالكامل للسلطة التنفيذية.

بعد ثورة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تقدمت النقابات التعليمية ومكونات المجتمع المدني مراراً بمطالب لإنشاء هيئة مستقلة تدير الشأن التربوي بعيداً عن التجاذبات السياسية والتغييرات الوزارية المتكررة (تعاقب على وزارة التربية أكثر من 12 وزيراً في عقد واحد)، لكن هذه المساعي تعطلت بسبب عدم الاستقرار السياسي.

جاءت النقلة الحاسمة عندما أدرج الرئيس الحالي قيس سعيّد عام 2022 هذا المجلس في الدستور التونسي الجديد، حيث نص الفصل 135 على إحداث “المجلس الأعلى للتربية والتعليم”، ليتوج هذا المسار بصدور القانون الأساسي المنظم له في أواخر عام 2025، ثم الإعلان عن تركيبته وتعيين أعضائه في أغسطس/آب الجاري.

تركيبة المجلس وصلاحياته

في 14 أغسطس الجاري، نُشر في “الرائد الرسمي” (الجريدة الرسمية) للجمهورية التونسية تشكيلة المجلس الأعلى للتربية والتعليم، الذي أقرّه دستور 2022. وبموجب الأمر عدد 203 لسنة 2026، تضم التركيبة الأساسية كلاً من التيجاني القماطي، ويوسف بن عثمان، وشيراز السطنبولي، وريم العريبي، وكمال الهنيد، ومحمد الحبيب العلاني، ومحمد سيف الله بن عبد الرزاق.

كما نص الأمر عدد 204 لسنة 2026 على تعيين وزير التربية الأسبق محمد علي البوغديري كاتباً (أميناً) عاماً للمجلس الأعلى للتربية والتعليم. ويتمتع المجلس بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية، ومقره تونس العاصمة، فيما يُضبط تنظيمه الإداري والمالي بمقتضى أمر.

الأكاديمي المختص في علوم التربية مصدق الجليدي أوضح للأناضول أن “تركيبة المجلس تشمل 7 كفاءات تمثل وزارات التربية، والتعليم العالي والبحث العلمي، والتشغيل والتكوين المهني، والشؤون الدينية، والشؤون الثقافية، والأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، والشباب والرياضة”. وأضاف أن المجلس “سيضم كذلك هيئة خبراء تتكون من 14 عضواً، وهيئة تقييم تضم 9 أعضاء، إلى جانب رئيسيهما وممثل عن النقابة الأكثر تمثيلاً في القطاع عند مناقشة الملفات المرتبطة بالحق النقابي”.

تقييمات متباينة حول الجدوى

يرى الجليدي أن “استكمال تركيبة المجلس لا يعني بالضرورة أن أزمة التعليم في تونس باتت في طريقها إلى الحل”، موضحاً أن معالجة الأزمة “لا ترتبط فقط بانطلاق أعمال الهيئة”. وأكد أن وظيفة المجلس “استشارية بالأساس”، إذ يبدي رأيه في الخطط والسياسات التي تعرض عليه من الوزارات المعنية أو الحكومة أو رئاسة الجمهورية، كما يمكنه اقتراح حلول وخطط للإصلاح والتطوير.

وأضاف أن المجلس “يرفع تقريراً سنوياً إلى رئاسة الجمهورية التي تنظر فيه وتحيل نسخة منه إلى البرلمان”، معتبراً أن ذلك “يجعله هيئة استشارية وليست تقريرية”. ولفت إلى أن مخرجات المجلس “ستخضع في نهاية المطاف للتقييم قبل أن تتحول إلى قوانين نافذة بعد المصادقة عليها من الجهات التشريعية، ما يثير تساؤلات بشأن مدى تأثيره الفعلي في إصلاح المنظومة التعليمية”.

وأشار الجليدي إلى أن “أداء مؤسسات الدولة في ظل دستور 2022 وطبيعة نظام الحكم الحالي يدفع إلى التعامل بحذر مع مآلات عمل المجلس”، مضيفاً أنه “لا يمكن الجزم بأنه سيكون الضمانة المؤسسية لحل أزمات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي”.

من جهته، قال محمد الصافي، السكرتير العام للجامعة العامة للتعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، إن المجلس الأعلى للتربية “كان مطلباً لمختلف الأطراف المرتبطة بالشأن التربوي، بينها الطرف الاجتماعي لأسلاك التربية”. لكنه أضاف أن النقابة “تختلف مع التركيبة الحالية للمجلس، خاصة مع تداول 7 وزارات رئاسته كل 6 أشهر”، معتبراً أن ذلك “لا يحقق النجاعة المطلوبة”.

وأوضح الصافي أن المجلس “لا يملك سلطة تقريرية على وزارة التربية، وأن دوره يقتصر على تقديم الاستشارات”، لكنه أشار إلى أن “وجود لجنتي الخبراء والتقييم قد يفتح المجال لمناقشة ملفات إصلاح المنظومة التربوية”. وانتقد محدودية تمثيل النقابات، قائلاً إن نقابة التعليم الثانوي “ستكون ممثلة بعضو فقط يُدعى للتشاور، بينما لا تمثيل لبقية الجهات”. وشدد على “ضرورة أن يكون المجلس بمنأى عن السلطة التنفيذية والتجاذبات، وأن تكون قراراته مرتبطة بالشأن التربوي وفق ما يحدده الخبراء وهيئات التقييم”.

في المقابل، اعتبر محمود بن مبروك، الأمين العام لحزب “المسار” المساند للرئيس سعيّد، أن إنشاء المجلس “يأتي ضمن إصلاحات تهدف إلى إعادة الثقة في المؤسسة التربوية العمومية”. وقال إن قطاع التعليم “يواجه أزمة إلى جانب قطاعي الصحة والنقل”، مضيفاً أن المجلس الأعلى للتربية “سيكون له دور مختلف عن عمل وزارة التربية”. وأوضح أن المجلس “سينظر في قضايا من بينها البنية التحتية للمدارس، ووضع مخططات عامة للتربية بهدف إعادة الثقة في المؤسسة العمومية والشهادات العلمية”. واعتبر بن مبروك أن إنشاء المجلس “يمثل وفاء بالتعهدات الدستورية للرئيس قيس سعيّد”، مؤكداً أن الهدف منه دعم إصلاحات في قطاع التعليم.

دور المجلس في ربط القطاعات

قبل تأسيس المجلس، كان التعليم التونسي مشتتاً بين 3 وزارات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى (وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة التكوين المهني والتشغيل)، ويتمثل دور المجلس في ربط هذه الوزارات معاً لخلق مسار تعليمي متكامل يبدأ من التحضيري وحتى الدكتوراه أو سوق الشغل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني