نشأة شبكة المياه التاريخية في إسطنبول
في ساحة “تقسيم” كانت المياه الواصلة إلى المدينة تُقسَّم إلى مسارات عدة، ومن هنا اشتقت تسمية الساحة. وأوضح الأكاديمي بجامعة إسطنبول مدنيت قادر بكتاش أن إسطنبول امتلكت بنية تحتية مائية ضخمة طورتها حضارات مختلفة عبر العصور.
نظام قرقجشمه ومكوناته
تعود جذور هذه الشبكة إلى العصر الروماني، ثم تطورت في العهد البيزنطي ووصلت إلى أوجها في الفترة العثمانية عندما كلف المعمار سنان بإنشاء نظام مياه قرقجشمه. ويمتد هذا النظام من غابات بلغراد على أطراف إسطنبول إلى وسط المدينة بطول يقارب خمسة وخمسين كيلومترًا، ويضم ثلاثة وثلاثين قنالًا مائيًا، وأقنية طويلة، وآبار مراقبة، وموازين لقياس تدفق المياه.
أهمية الحوض الرئيسي والقوس ماغلوفا
بعد مغادرة السدود في غابات بلغراد، تسير المياه عبر مسارين شرقي وغربي قبل أن تلتقي جنوب كمربورغاز في الحوض الرئيسي، الذي يقع على عمق نحو أربعة عشر مترًا ووصفه سنان بأنه “عميق بقدر برج غلطة”. ومن هذا الحوض تدخل المياه خط النقل ثم تعبر قوس ماغلوفا الذي يبلغ ارتفاعه حوالي ستة وثلاثين مترًا ويتكون من طابقين، لتصل إلى المدينة مرورًا بأقواس أوزون كمر، وغوزلجه كمر، وباشا كمر.
دعوات للحفاظ وإحياء التراث المائي
مع مرور الوقت شُيدت سدود حديثة وتغيرت أنظمة تلبية احتياجات المياه، بينما أصبحت السدود والأقواس والمقاسم التاريخية جزءًا من التراث الثقافي. وأكد بكتاش أن المنشآت شُيدت بأمر من السلطان سليمان القانوني لتلبية الطلب المتزايد على المياه، وأنها واجهت كارثة طبيعية كبيرة بعد إنشائها لكن جزءًا مهمًا منها لا يزال قائمًا حتى اليوم. ولفت إلى أن المياه كانت تُنقل عبر الأنابيب الفخارية تحت الأرض وتصل إلى المقاسم بعد مرورها عبر موازين المياه، وأن ملايين المارين بجوار هذه المنشآت لا يدركون أنها جزء من منظومة واحدة. واقترح إعداد لوحات تعريفية تشرح وظائف هذه المنشآت وتاريخها لزيادة الوعي، ودمجها في السياحة الثقافية عبر إنشاء مسار سياحي خاص بخط المياه التاريخي. كما شدد على ضرورة إعادة إحياء النوافير التاريخية التي حملت اسم نظام قرقجشمه، وذلك بالتوافق مع وظيفتها الأصلية أو على الأقل بصورة رمزية، لأن المياه في العهد العثماني لم تكن مجرد مياه للشرب بل كانت في صميم الحياة الحضرية والاجتماعية.