لا يزال باب مولانا (مولانا قابي) شاهداً على تاريخ مدينة إسطنبول الممتد عبر حقب وحضارات متعاقبة، منذ العصر البيزنطي مروراً بالعهد العثماني وصولاً إلى يومنا هذا. يقع هذا المدخل التاريخي في حي الفاتح وسط المدينة، ضمن أسوار ثيودوسيوس التي شُيدت في القرن الخامس الميلادي، ويُستخدم حتى اليوم كأحد المداخل النشطة.
على مدار 1600 عام تقريباً، تغير اسم الباب عدة مرات: من “باب ريزيون” في الحقبة البيزنطية إلى “الباب الجديد” في العهد العثماني، ثم ارتبط بتكية المولوية القريبة ليصبح “باب مولانا” الذي يُعرف به حالياً. ولم تقتصر التحولات على الاسم، بل شملت الوظائف أيضاً، إذ تنقل الباب بين الدفاع عن القسطنطينية وتأمين الاتصال بمحيطها، وصولاً إلى تنظيم دخول بعض السلع إلى إسطنبول.
مدخل رئيسي يعود إلى القرن الخامس الميلادي
أوضح الأكاديمي ومؤرخ الفن ياسين صايغلي، في حديثه لوكالة الأناضول، أن تاريخ باب مولانا يعود إلى عصر الإمبراطورية الرومانية الشرقية (بيزنطة) في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني، وشهد أعمال إعادة بناء خلال تلك الفترة. وأضاف: “في وقت كانت قبائل الهون قادمة من البلقان بسرعة للهجوم على المدينة، انهدم الباب بسبب زلزال، فكان لا بد من إعادة بنائه بسرعة. وبالفعل تمكن الوالي قسطنطين من إعادة بنائه في 60 يوماً”.
وأشار صايغلي إلى أن الباب كان يُعرف آنذاك باسم “ريزيون” أو “ريغيون”، وكان أحد المداخل الرئيسية التي تربط المدينة بالمناطق الواقعة خارج أسوارها، وأدى دوراً مهماً في حركة التنقل بينها وبين محيطها. وأضاف أن الباب كان قابلاً للفتح والإغلاق فوق الخندق المحيط بالأسوار، إذ كان الممر فوق الخندق يُفتح لتأمين العبور ثم يُرفع مجدداً.
تغير التسمية من “الباب الجديد” إلى “باب مولانا”
في العهد العثماني، عُرف الباب باسم “الباب الجديد”، وتناقلت الأجيال رواية تربط هذه التسمية بالسلطان مراد الرابع في القرن السابع عشر. وتقول الرواية إن السلطان خرج متنكراً لتفقد المدينة وركب قارباً، واكتشف أن صاحبه يعمل عرافاً رغم حظر ذلك، فأراد معاقبته قبل أن يوافق على العفو عنه بشرط أن يعرف من أي باب سيدخل المدينة عند عودته. وكتب العراف اسم الباب في ورقة وطلب من السلطان ألا يفتحها إلا بعد دخوله المدينة، بينما أمر السلطان رجاله بفتح باب جديد في السور ليدخل منه. وتضيف الرواية أن السلطان فتح الورقة بعد دخوله فوجد العراف قد كتب فيها: “ليكن بابك الجديد مباركاً يا مولاي”، فعفا عنه وأطلق على المدخل اسم “الباب الجديد”. لكن صايغلي أكد أن هذه الرواية، رغم جاذبيتها، غير صحيحة تاريخياً.
أما التحول الذي قاد إلى الاسم الحالي “باب مولانا”، فيرتبط بتكية الباب الجديد المولوية التي أُنشئت بالقرب من الباب عام 1597. وقال صايغلي إن أحد كبار قادة الإنكشارية، ويدعى مالقوتش محمد بك، دخل في خلاف مع جنود كانوا تحت إمرته بعد عودته من إحدى الحملات العسكرية، وخشي على حياته. وأضاف أن القائد، أثناء مروره بولاية قونية، زار ضريح مولانا جلال الدين الرومي، ونذر أن يؤسس تكية للمولوية في إسطنبول إذا وصل إليها سالماً، وبعد عودته وفى بنذره وأقام التكية عام 1597. وأخذت التكية اسمها في البداية من الباب الذي عُرف باسم “يني قابو” أي “الباب الجديد”. ومع مرور الزمن، تبدلت العلاقة بين المكانين؛ فبعدما استمدت التكية اسمها من الباب، بدأ الباب يُعرف باسم “باب التكية المولوية”، ثم “باب المولوية”، قبل أن يستقر اسمه في الاستخدام الشعبي على “باب مولانا”، وهو الاسم المتداول اليوم.
آثار بيزنطية وعثمانية ووظائف متعددة
أشار صايغلي إلى أن الباب لا يزال يحمل آثاراً ونقوشاً تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي، وأن مقابر أُنشئت في محيطه خلال فترات مختلفة. وخلال العهد العثماني، كان الطريق المؤدي إلى قسم المقابر في تكية “يني قابو” المولوية، المعروف باسم “هاموشان”، يمر عبر هذا الباب. كما كان المدخل يُستخدم للوصول إلى أجزاء أخرى من التكية، من بينها الحدائق والبساتين، ما ربطه بالحياة اليومية للتكية ومرافقها إلى جانب دوره في حركة المرور بين المدينة ومحيطها.
ولم تقتصر وظيفة باب مولانا على الدفاع والتنقل والوصول إلى التكية، بل أدى دوراً أيضاً في تنظيم التجارة ودخول السلع إلى إسطنبول خلال العهد العثماني. وأوضح صايغلي أن البضائع التي كانت تصل إلى المدينة لم تكن تمر عشوائياً عبر جميع أبواب الأسوار، إذ خُصصت بعض المداخل لاستقبال أنواع معينة من المنتجات، في نظام يشبه تخصيص المنافذ الجمركية بحسب نوع البضاعة. وكان باب مولانا، إلى جانب باب طوب قابي، من المداخل التي دخلت عبرها الحبوب إلى المدينة، بما فيها القمح والذرة وأعلاف الحيوانات، في واحدة من الوظائف التي اكتسبها الباب عبر تاريخه الطويل إلى جانب أدواره الدفاعية والدينية وحركة العبور.