على مدى 133 عامًا، ظلت ثانوية قيصري في وسط تركيا، التي تُعرف باسم “طاش مكتب” (المدرسة الحجرية)، شاهدًا على تحولات تاريخية كبرى، منذ أواخر العهد العثماني مرورًا بحرب الاستقلال وصولًا إلى الجمهورية التركية. خرجت من مقاعدها شهداء سقطوا في معركة صقاريا، كما تخرج منها رئيسان للجمهورية.
في مبناها التاريخي، لا تزال المدرسة تستقبل الطلاب، بينما يحتفظ جزء منه بذاكرة تلك المرحلة، ولا سيما قصة دفعة طلاب لم يتخرجوا عام 1921 بعدما استشهدوا في معركة صقاريا. هذه الحلقة من سلسلة “مدارس عريقة” التي تقدمها الأناضول، تتناول تاريخ المدرسة التي تأسست عام 1893، وأصبحت واحدة من المؤسسات التعليمية المعروفة في البلاد، كما تحولت أجزاء من مبناها عام 2016 إلى “متحف حرب الاستقلال”، الذي يعرض مقتنيات توثق إسهام الأناضول في النضال الوطني.
إرث من أواخر العهد العثماني
تأسست المدرسة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي شهدت فترة حكمه توجهًا إلى افتتاح مدارس ثانوية في عدد من مدن الأناضول، وكانت قيصري آنذاك سنجقًا تابعًا لأنقرة، أي وحدة إدارية عثمانية أدنى من الولاية. منذ افتتاحها، واصلت المدرسة نشاطها التعليمي، لكن الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية في العقود التالية أثرت في أعداد طلابها. فمع حروب البلقان ثم الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، تراجع عدد الطلاب إلى 49، ولم تتمكن المدرسة خلال معركة تشناق قلعة (غاليبولي) من تخريج سوى تسعة طلاب.
غادروا مقاعد الدراسة إلى الجبهة
مع اندلاع حرب الاستقلال التركية عام 1919، انخرط سكان البلاد في جهود المقاومة، وفي قيصري، ارتبطت المدرسة بهذه المرحلة ارتباطًا مباشرًا. ففي صيف عام 1921، ومع تقدم القوات اليونانية نحو منطقة هايمانا، قرر البرلمان التركي نقل مقر الحكومة إلى قيصري، وجرى تجهيز مبنى الثانوية لاستضافة اجتماعات البرلمان. لكن انتصار القوات التركية في معركة صقاريا غيّر مسار الأحداث، فتراجع البرلمان عن قرار الانتقال. خلال تلك الفترة، تطوّع طلاب الصف الأخير في المدرسة للذهاب إلى الجبهة، واستشهدوا في معركة صقاريا، ولذلك لم تتمكن المدرسة من تخريج دفعة عام 1921، الأمر الذي يعد من أبرز الوقائع المرتبطة بذاكرة المؤسسة التعليمية. وفي عام 1922، عُيّن الشاعر فاروق نافز جاملي بيل مدرسًا للأدب في المدرسة، حيث عمل لمدة عامين، وكتب نشيد ثانوية قيصري تخليدًا لذكرى الطلاب الذين استشهدوا.
خريجون تركوا بصمتهم في البلاد
لم يقتصر إرث المدرسة على دورها خلال حرب الاستقلال، فقد تخرج منها عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم تورغوت أوزال، الرئيس الثامن للجمهورية التركية، وعبد الله غُل، الرئيس الحادي عشر، إلى جانب وزراء ومسؤولين وفنانين وعلماء. وقال مدير التربية الوطنية في ولاية قيصري، جوشكون أسن، في حديث للأناضول، إن المدرسة تُعد من أعرق الثانويات في تركيا، وتاريخها يعكس مشاركة الطلاب في الأحداث التي مرت بها البلاد. وأضاف أن طلاب المدرسة لم يكونوا بمعزل عن الحروب، بل شاركوا في الدفاع عن الوطن، حتى إن طلاب الصف الأخير استشهدوا قبل أن يحصلوا على شهاداتهم. وأكد أسن أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل مكان ارتبط بمرحلة أسهم فيها جيل من الشباب في الدفاع عن حرية البلاد واستقلالها ووحدتها، مشيرًا إلى أن تورغوت أوزال وعبد الله غُل تخرجا فيها، إلى جانب عدد كبير من الوزراء ورجال الدولة والفنانين والعلماء.
تعليم وذاكرة تاريخية
عام 2016، حُوّل جزء من مبنى المدرسة إلى “متحف حرب الاستقلال”، الذي يعرض مقتنيات توثق مساهمة الأناضول في النضال الوطني. وبذلك، أصبح المبنى يجمع بين وظيفته التعليمية وذاكرته التاريخية، إذ يتيح للطلاب والزوار التعرف إلى جانب من الأحداث التي شكلت تاريخ تركيا الحديث. وقالت بوغلم شن، الطالبة في الصف الثاني عشر، إنها تشعر بالفخر لوجودها في مؤسسة درس فيها أشخاص معروفون، بينهم تورغوت أوزال والشاعر فاروق نافز جاملي بيل والمطربة أمل ساين، مضيفة أن معرفة أن هذه الشخصيات عبرت الممرات نفسها التي تعبرها يوميًا يمنحها شعورًا يصعب وصفه. أما الطالب عمر تورك، فعبر عن حبه لمدرسته، مشيرًا إلى أن معلميه السابقين تخرجوا فيها، وأن رؤية أشخاص يعرفهم وقد درسوا في هذا المكان تعزز ارتباطه به، متطلعًا إلى التخرج من المدرسة نفسها التي تواصل استقبال الطلاب بعد مرور كل هذه السنوات على تأسيسها.